خمس سنوات من النزوح: كيف عبرنا الحدود؟

عائلة سورية في ريف اللاذقية تنتظر السماح لها بالمرور إلى تركيا. 7 فبراير 2016، صورة من رويترز

بمناسبة الذكرى الخامسة للثورة السورية، ينشر مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط في سلسلة من المقابلات مع المحامي أيمن جلوان، وهو أحد السوريون الذين نزحوا نتيجة اندلاع الصراع المسلح في سوريا. تلقي هذه السلسلة الضوء على الخيارات الصعبة التي يواجهها السوريون بين الموت في سوريا التي أضحت منطقة حرب، أو الهرب من الأرض التي يحبونها. في العام الماضي ودع أيمن جلوان وزوجته أسرتيهما، والتحقوا بموجات المواطنين الذين غادروا البلاد، حيث تمكنوا من الوصول لتركيا أولا، ثم احتاجوا لعبور البحر المتوسط البارد وصولاً إلى اليونان. بعد ذلك كان عليهم التعامل مع المتاجرين بالبشر في أوروبا الشرقية، وصولاً إلى واحدة من قلائل الدول التي ترحب بهم وهي ألمانيا. ويشرح أيمن جلوان في سلسلة التدوينات هذه قراره بالمغادرة، والمصاعب التي واجهها هو وزوجته خلال الرحلة، والنتائج التي ترتبت على قراره. في هذه الحلقة يحكي أيمن عن رحلة عبوره للحدود السورية التركية وكيفا تعاملت معه قوات حرس الحدود التركية.

عبرت أنا وزوجتي الأراضي التابعة لسيطرة الجيش السوري الحر وصولا لقرية تُدعى “باب الهوى،” وهي نقطة حدودية بين سوريا وتركيا، تقع ضمن مناطق سيطرة الاكراد. أعطاني أصدقائي رقم شخص هناك باستطاعته مساعدتنا على العبور- بشكل غير قانوني بالطبع – من سوريا لتركيا. 

كان هذا وقتاً عصيباً لي ولزوجتي، تخيَّلْ أنك تمشي بين الجبال والغابات في جنح الليل مع شخص غريب عنك، لا تعرفه على الإطلاق ولا تثق به، شخصان يافعان يمشيان ليلاً مع إنسان لا يعرفونه مطلقاً، لم يكن بمقدورنا ألا نفكر في كل ما قد ينتظرنا من أهوال، قد لا يكون هذا الانسان أهلاً للثقه، نحن لا نعرفه، هو في نهاية الأمر غريب بالنسبة إلينا. وقت عصيب، لكن لم يكن لدينا أي اختيار أخر فعلينا أن نثق به.

اضطررنا لقضاء يوم في بيته، كي يتمكن الرجل من مراقبة حرس الحدود التركي. في هذه الليلة أيقظنا الرجل، وقال لنا، “حان وقت الذهاب، فلتذهبوا.” قطع السلك الشائك وقال لنا، “انطلقوا، لا تتوقفوا واصلوا الركوض للنقطة التالية.” جرينا بسرعة وفي هذه الاثناء سمعت شخصا يقول، “توقفوا وإلا أطلقت النار عليكما.” أَمسَكَ بنا أحد الجنود الاتراك، تصورت في هذه اللحظة أن هذه هي نهاية الحكاية، احتجزنا الجندي، جلسنا على الأرض، وقام بتفتيشنا، وبدأ في التحدث إلينا باللغة التركية، وهي لغة لا نعرفها. كان الجندي قد ألقى القبض على كثير من أمثالنا – أي من حاولوا عبور الحدود التركية –  وبدأ ينهال على كثير منهم بالضرب. لكنه لم يفعل شيئاً لي ولزوجتي، كنت خائفا للغاية، لأني لم أكن أعرف ماذا سيفعل بنا.

سألني بعد ذلك، “هل أنت كردي؟” فأجبت، “لا بل عربي” هناك أكراد في سوريا أيضا، لهم لغتهم ولديهم مشكلات مع الاتراك. لهذا حين تسمع عسكريا يسأل هل أنت كردي، ينتابك الخوف، يا الله، يريد الجندي أن يتأكد من أننا لسنا أكرادًا، ولكنه في الوقت ذاته لا يتحدث لغتي – لا يعرف العربية. يسأل الجندي، “من أين أنت من سوريا؟” أقول له من دير الزور، كل من يقطن دير الزور عرب، لا يوجد أكراد هناك.

يقو لي، “لا أنت كردي.” فأقول، “لا لست كرديا.” فيكرر، “لا بل أنت كردي!” فأؤكد، “لا لست بكردي.” يقول، “كردي… كردي!” أظن أن الأمر قد اختلط عليه، يا الله! يقول لي، “سأقتلك!” ويصوب فوهة سلاحه لوجهي، ويكرر، “كردي!” ماذا عساي أن أقول؟ نساء الأكراد لا يغطون رأسهم، فيظن أن زوجتي كردية. “لا هي كردية، أين غطاء رأسها؟” قال الجندي. فأقول لا هي لا ترتدي غطاء الرأس، فيقول، “لا أنتما تبديين كالأكراد.”

أحاول أن أعطيه تليفوني، لكنه يرفض. الجنود الاتراك منضبطون، لا يقبلون المال أو الرشوة، حتى إذا قمت بتعذيبهم لن يقبلوا المال. حاولت أن أعطيه شيئاً أخر، مثل خاتمَي زواجنا، لكنه رفض. نظر إليّ ثم قال، “الآن سأدعك تعودان.” سألته إلى أين؟ فقال، “إلى سوريا بالطبع.” أرجوك دعني أذهب لتركيا، أرجوك، فهذه هي فرصتي الأخيرة للنجاة. فيقول الجندي، “يوك تركي” أو لا تركيا. بطريقة أخري يقول الجندي لنا: لا تفكروا في دخول تركيا بهذه الطريقة، هذا لن يحدث. حسنا لقد فقدت الأمل، قُلت لزوجتي، “لنذهب إذا، فلنعود لسوريا على الأقل سنعود دون فترة احتجاز في تركيا.” 

بدأت أنا وزوجتي بالسير، تبعنا الجندي وقال، “إلى أين أنتم ذاهبان؟” فرددت، “إلى سوريا عبر الاسلاك الشائكة؟”  ثم أردف قائلا، “لا لا لا،” وبدأ يضحك وأضاف، “اذهبا لتركيا.” فسألته ماذا قلت؟ فقال الجندي، “اذهبا لتركيا قبل أن أغير رأي.” قلت حقا؟ قال الجندي، “نعم.” وأبعد سلاحه وقال، “اذهبا” تساءل باقي المحتجزين، هل يمكن لمن يريد الذهاب لتركيا أن يذهب، أي مثلنا، قال الجندي، “لا،” لن يسمح سوى لي ولزوجتي بدخول تركيا. لا أعلم إذ ربما باقي المحتجزين من الأكراد.

قام بفحص حقائبنا وأوراقنا، ولذا كان يعلم أن السماح بدخولنا لتركيا بهذا الشكل غير قانوني. لا أعلم لماذا ساعدنا الجندي، ربما لأني رجوته وقلت له أنني سأموت لو عدت لسوريا، لكن لم يبدو على وجهه أي علامات لقبول رجائي، فقد كان غاضبا، وظل يصرخ في وجهي، “لا.” لكنه غيّر رأيه بعد ذلك، وسمح لنا بدخول تركيا، نحن محظوظان، لم أصدق ما حدث.

ركضت انا وزوجتي في الجبال ومعنا كل امتعتنا. كنت خائفا على زوجتي، لا أعبأ بالمتاع، أود أن أمسك يدَيْها ونركض ونركض ونركض، حتى نصل لمكان يمكننا أن نستقل منه حافلة. في تركيا لا يسألك أحد على جوازات السفر والأوراق، يمكنك أن تشتري التذاكر وتذهب أينما أردت.

اقرأ أيضاً

اقرأ أيضاً

الحلقة الأولي: كيف بدأت رحلتنا

الحلقة الثانية: قطع الصلات مع الماضي

الحلقة الثالثة: لن اقاتل في جيش بشار

Read it in English

قامت كلودين فيبر-هوف بإجراء هذه السلسة من المقابلات.

أيمن جلوان

هو اسم مستعار لحماية هوية الكاتب، وهو محامٍ سوري يعيش الآن في ألمانيا كلاجئ مع زوجته.