هل تكون الفيدرالية الحل للصراع في سوريا؟

مع اقتراب الصراع في سوريا من مراحله الأخيرة، وتجميد القتال بين النظام والمعارضة، كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن خيارات الحل السياسي الأنسب في البلاد، مع وجود قوى متعددة باتت تسيطر على الخارطة السورية. حيث يبدو النظام الفيدرالي الذي اقترحته روسيا، ونال رضى الطرف الكردي الأقرب للتطبيق، رغم رفض نظام الأسد والمعارضة له.

على الأرض انقسمت سوريا فعلياً إلى أقاليم متعددة، وأعلن الأكراد في شمال سوريا بشكل مستقل تطبيق النظام الفيدرالي في المناطق التي تسيطر عليها قواتهم، كما طالب أهالي السويداء الذين ينتمون للأقلية الدرزية حكماً مماثلا في جنوب البلاد، بينما تخضع كامل محافظة إدلب لسلطة قوات المعارضة السورية، ويدير نظام الأسد المنطقة الغربية والوسطى من البلاد.

وخلال محادثات السلام الأخيرة التي عقدت في جنيف، كشف مصدر في وفد المعارضة السورية أن روسيا طرحت الفيدرالية كحل للصراع فى سوريا؛ وطبقاً للمفاوض، تنظر روسيا إلى الفيدرالية على أنها وسيلة لحفاظ نظام الأسد على سيطرته على المناطق التى تسكنها الأغلبية العلوية على الأقل، والتى تضم قاعدة طرطوس البحرية الاستراتيجية بالنسبة لموسكو.

ويؤكد المصدر أن هذا الطرح يلقى تأييداً أيضا من قبل الولايات المتحدة وأطراف غربية باعتبار الفيدرالية السيناريو الواقعي الوحيد لتجنب تقسيم سوريا إلى كيانات متعددة تسيطر عليها جماعات مسلحة ذات توجهات متباينة.

ويرى المتفائلون بهذا الحل وأولهم الأكراد أنه من الصعب إعادة حكم البلاد من قبل جهة مركزية، نظراً لتعدد القوى الحاكمة في كل منطقة، ومن خلال النظام الفيدرالي يمكن ضبط الأوضاع الأمنية خلال وقت قصير، كما أنّ هذا الخيار سيحد من المشاكل الطائفية والعرقية التي تغرق بها البلاد منذ سنوات، وهو الوسيلة الأنجح برأيهم لتفادي عودة نظام ديكتاتوري.

ووفق رؤية الناشط الإعلامي الكردي سردار خليل، فإن اتفاق وقف التصعيد الأخير الذي أُقرّ بالتعاون بين روسيا والولايات المتحدة نص في أحد بنوده على عدم سعي أي طرف إلى كسب أراضٍ جديدة، الأمر الذي يعني الابقاء على حدود المناطق المتقاسمة، وبالتالي فإنّ الخارطة المجزّاة لسوريا أحد العناصر التي لا يمكن القفز على حقيقتها في أي صيغة للحلّ.

ويؤكد الناشط أن حجم الكراهية المتراكمة من مختلف الأطراف المتصارعة بعد حربٍ استمرت لسنوات لا يتيح أيّ مجالٍ لإعادة الحياة إلى ما يُسمى باللُحمة الوطنية المزعومة. ويضيف أن الفيدرالية هى أفضل نظام يشمل العرقيات المختلفة والأطراف المتحاربة، الذين قد يخشون من سيطرة فصيل بعينه على مقاليد السلطة. وبالتالي فإن خيار الإدارة اللامركزية هو أضمن الطرق لبقاء وحدة الدولة السورية وفقاً لرأيه.

ويلقى هذا الحل تأييداً واسعاً من قبل الأقليات الدينية والعرقية، إلا أنه يقابل أيضاً برفض دول الجوار لاسيما تركيا التي تخشى تكرار تجربة كوردستان العراق في سوريا، وحصول الأكراد على الاستقلال الذاتي وهو ما يهدد أمنهم.

على الجانب الآخر يرى البعض أن فكرة الفديرالية وتطبيقها في وضع مثل سوريا وليبيا أمر مختلف تماماً عن الدول المتقدمة التي أقرت هذا النظام مثل الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وغيرها، لسبب بسيط وهو أن النظام الفيدرالي إن أقر في سوريا فسيكون مبيناً على أساسى دينى أو عرقى، وليس كما أسس هذا النظام لأجله على أساس المواطنة الكاملة بحرية كاملة، قانونياً وثقافياً، في التنقل والحراك المكانى والطبقي دونما نظر لأي اعتبارات.

وتعتبر ليبيا مثالاً واضحاً لرافضي الفيدرالية في سوريا، للدلالة على مدى الفشل الذي تسبب به هذا النظام، حيث أدى لوجود حكومات متعددة متصارعة فيما بينها، يُدعم كل منها من قبل جهة خارجية وتتخذ قرارات متضاربة.

وتكمن مشكلة الفيدرالية في سوريا في أنها ُسترسم وفق خطوط وقف إطلاق النار الحالي، ما يعني رسم حدود يخشى السوريون أن تكون هى نفسها التى خطتها الأطراف المتحاربة لتقسيم البلاد، كما حدث سابقا في معاهدة سايكس بيكو 1916، والتي أعادت تشكيل الشرق الأوسط.

وفي هذا السياق يطرح الخبير القانوني عروة السوسي جملة من الاعتراضات يرى أنها ستؤثر سلباً على سوريا في حال إقرار هذا النظام، وأولها تفتيت وحدة البلاد، واستمرار الصراعات لاسيما إذا استمرت الجهات الخارجية بدعم سلطة الإقليم بدلأ من السلطات الاتحادية، وهو مايفعله الجانب الأمريكي مثلاً مع الأكراد، والتركي مع قوات المعارضة السورية، والروسي مع نظام الأسد.

يضاف إلى ذلك، بحسب السوسي، صعوبة تطبيق وفهم هذا النظام ضمن مجتمع معتاد على السلطة المركزية الديكتاتورية لسنوات، وهو ما سيؤدي إلى إضعاف عمل المؤسسات، ووقوع تضارب في القوانين والتشريعات وآليات العمل.

ويختم الخبير القانوني كلامه بالتأكيد على إمكانية مراعاة الاختلافات العرقية والدينية في سوريا من خلال إقرارنظام محلي واسع الصلاحيات لكل محافظة، مع مراعاة مبادئ العدالة من قبل السلطة المركزية، بدل الاتجاه فورا للنظام الفيدرالي.

وبالنظر إلى الوضع السياسي في سوريا، وتمسك نظام الأسد بالحكم طوال أكثر من خمسين عاماً، واتباعه الطريقة الأمنية لإدارة البلاد، يرى البعض استحالة نجاح تقسيم سوريا إلى ولايات فيدرالية، لأن جميع المكونات حينها ستسعى للتفرد بالقرار، ولن يكون هناك أي احترام لسلطة مركزية نظراً لاستقواء كل إقليم بتكوينه الطائفي والعرقي.

أما عن الظروف الإقليمية المحيطة ومدى خدمتها لمثل هكذا مشروع، فإن استقلال إقليم كردستان العراق المتوقع نهاية العام الحالي، وحشد القوات التركية على حدودها الجنوبية مع إقليم كردستان سوريا ينذر هذه التجربة، إن أقرت، بحرب متواصلة، لن تستطيع البلاد الخلاص منها.

كما أن مشكلة توزيع الثروات على كامل الولايات سيمثل مشكلة أخرى، كون الثروات الأساسية ومقدرات البلاد الزراعية والنفطية تقع في المنطقة الشمالية والشرقية، بينما يتحكم موالو نظام الأسد بالمرافئ الأساسية للبلاد، مايعني ضرورة التفاهم بشكل جيد على كيفية تقاسم هذه الثروات قبل اعتماد هذه التجربة.

ومما سبق يمكن القول إن أي نظام سياسي مقبول للوضع السوري سيكون من الصعب إقراره مالم يتوافق السوريون أنفسهم على نظام جديد يضمن لجميع المكونات العدالة والمشاركة في الحكم، وإنّ أي فرض لشكل الحكم وطريقته وقيادته سيعني استمرار الحرب الأهلية لسنوات طويلة، طالما لم تتحقق العدالة التي خرج السوريين لأجلها في العام 2011، ودفعوا ثمنها تدمير البلاد، وآلاف القتلى والجرحى والمعاقين.

اشترك في نشرتنا Read in English

حسام الجبلاوي

صحفي ومدون سوري.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة