تكلفة قرض صندوق النقد الدولي لمصر

على مدار الأعوام الخمس الماضية، انخرط حكام مصر ثلاثة مرات في مناقشات مع صندوق النقد الدولي بشأن برنامج مع الصندوق مدته ثلاث سنوات. واليوم أعلن البنك المركزي التوصل إلى اتفاق مبدئي مع صندوق النقد الدولي، لكن هذا لا يعني أن التحديات التي تواجه الاقتصاد اختفت فجأة، على العكس، فهي أكبر من أي وقت مضى.

ما الذي يعنيه برنامج صندوق النقد الدولي

إن صفقة صندوق النقد الدولي ليست دليلاً على وجود اقتصاد منتعش. بل على العكس، فحتى بالنسبة إلى أولئك الداعمين لبرنامج الصندوق من حيث المبدأ (والخلافات السياسية حول هذا المبدأ في جميع أنحاء العالم)، فإن صفقات صندوق النقد الدولي في أفضل الأحوال تعبر عن وجود حالة اقتصادية صعبة. فالأمر كما يصفه مؤخراً أحد الأكاديميين في الدولة بقوله “صندوق النقد الدولي هو المقرض الذي يُلجأ إليه كملاذٍ أخير، فقد تم تصميمه منذ البداية لإنقاذ الدول التي على وشك الإفلاس.”

إذا ما تحدثنا بموضوعية، فإن مصر بحاجة إلى أمرين: الإصلاح الاقتصادي والمساعدة المالية. ومما لا شك فيه ولا يجب أن يكون محل نقاش، أن هذا الجدال بالأحرى يتعلق بكيف يتم تفعيل هذا الإصلاح وما هو الإطار الزمني له.  

المأزق هو كيفية الخروج من الواقع القائم بأقل خسارة. الضرر سوف يتحمله بشكل غير متناسب هؤلاء الأقل قدرة على تحمل مثل هذا الضرر، بمعنى آخر، القطاعات الأكثر ضعفاً وفقراً في المجتمع المصري. وفي هذا السياق، فإن التركيبة السكانية في مصر غير مشجعة. فوفقاً لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، يعيش أكثر من 26% من السكان تحت خط الفقر؛ ووفقاً للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، يمكن وصف حال نصف السكان في مصر بالفقر. وأسوء ما في الأمر حينما تضع الشباب من السكان في الاعتبار؛ يمثل الشباب نحو 24% من السكان، وتصل نسبة البطالة بينهم 26%، ويعاني 51% منهم من الفقر وفقاً للأرقام الرسمية الصادرة عن الحكومة المصرية

إصلاحات صعبة

سيتضمن الاقتصاد مكتمل الإصلاح والمنتعش ضريبة القيمة المضافة أو شيئاً مقارباً لها، وعملة مصرية أكثر تحرراً، وتقليل الدعم غير المستدام، والذي يشكل حالياً جزءً أساسياً من الاقتصاد. ووفقاً لما ذكره عمرو عادلي، الباحث بمعهد كارنيجي والجامعة الأمريكية بالقاهرة، سيكون هناك تفكيراً مدققاً لإعادة تقييم اكتفاء مصر من البترول. ويمكن للتدخل الحكومي العاجل أن يعالج كافة هذه الأمور اليوم، لكن تأثيره على المجتمع ككل سيكون هائلاً. من الواضح أن الإصلاحات التي تتم لاقتصاد يستند بشدة على الدعم والتدخل المباشر من الدولة سيكون لها تأثيراً شديد الوطأة على القطاعات السكانية الضعيفة بطبيعة الحال.

كان هناك عدة نقاط في الوقت الذي كان من السهل فيه نسبياً توقع هذه الإصلاحات. وأكثرها وضوحاً كان تلك التي أعقبت نهاية حكم حسني مبارك في فبراير/شباط 2011 – فقد كان يعني الدعم الشعبي الجارف للمجلس العسكري عند هذه النقطة أنه إذا ما حاولت القيادة العسكرية أن تنخرط في برنامج إصلاح حقيقي، سواء إصلاح الاقتصاد أو القطاعات الأخرى، لكانت ستتمكن على الأرجح من فعل هذا بردة فعل عكسية أقل حدة، كانت هذه الحالة المزاجية العامة حينها. وفي واقع الأمر، انخرط المجلس العسكري بالفعل في هذه المناقشات، ولكنه تخلى عنها في نهاية الأمر.

وربما كانت الفرصة الثانية بعد أشهر قليلة من انتخاب الرئيس السابق محمد مرسي. من السهل الآن نسيان أنه حتى في سبتمبر/أيلول عام 2012، كانت ما تزال لديه الفرصة لتشكيل إجماع مع عناصر أخرى من المؤسسة السياسية. قد يكون من الصعب مقارنة هذا الدعم مع الدعم الذي كانت تحظي به القيادة العسكرية في الأشهر الأولى بعد الثورة في 2011، لكن كان من المحتمل أن يتمكن مرسي، في ذلك الوقت، من الوصول إلى أغلبية معتبرة من الدعم، الذي كان ليسمح له بتمرير تلك الإصلاحات دون اعتراض على نطاق واسع.

وأخيراً، عقب الانتخابات الرئاسية في عام 2014، والتي أتت بوزير الدفاع السابق والضابط العسكري عبد الفتاح السيسي إلى الرئاسة، ربما كانت هناك فرصة للانخراط في الإصلاح. فعلى الرغم من الانتقادات الدولية والمحلية لسجل حقوق الإنسان في مصر، حينما تم انتخاب السيسي للمرة الأولى، كان جلياً أن لديه حظاً وافراً من الدعم الشعبي. ولم يُستغل هذا على أكمل وجه. فقد اتخذت الخطوة الأولى لتقليل الدعم بعد شهر وحسب من انتخابه، دون استفزاز لقطاع كبير من المعارضة – لكن تعثرت الإصلاحات الصعبة. وبينما يُعزى غياب المعارضة عن هذه الإصلاحات على الأرجح إلى تقلص المساحة السياسية إجمالاً في الدولة وقانون التظاهر شديد الصرامة، من المرجح حالياً أن القاعدة الشعبية الداعمة له قد تقلصت للغاية.

الإرادة السياسية

لكن هذا الأمر لا يتعلق بالوقائع الاقتصادية ببساطة، لكنه يتعلق بالوقائع السياسية. فتطبيق أي إصلاحات في مصر سيتطلب قدراً معيناً من القيادة والإرادة السياسية. وليس القرار المبدئي وحسب، والذي يبدو أنه تم اتخاذه، لكن قيادة لديها متابعة وضمان بأن بيروقراطية الدولة تنفذ الإصلاحات المطلوبة. وفي ظل بنية النظام القائمة، تعد هذه مشكلة في حد ذاتها، حيث أن “نظام اللا نظام” في مصر ليس معداً للعمل المشترك. ستكون مصر بحاجة إلى التزام سياسي داخلي كبير من أعلى المستويات داخل الدولة، للدفع بمعايير الإصلاح، بحيث تلقي الرئاسة بوزنها علناً خلف هذه العملية، مع قيام المؤسسة العسكرية، أقوى المؤسسات في الدولة، تحديداً بإعطاء الدعم السياسي العلني لكل خطوة من خطوات البرنامج على طول الطريق.

مع ذلك، فإن الانخراط في الإصلاح الاقتصادي خلال ذروة أشهر الصيف (يونيو/حزيران ويوليو/تموز وأوائل ووسط أغسطس/أب) تكاد لا تكون مستحسنة. فالضغوط الاقتصادية على الدولة تتكثف في هذه الأشهر بفضل استهلاك الطاقة وشهر رمضان (أكثر الأشهر غلاءً على مدار العام). إذا ما وجب العمل بالإصلاحات الاقتصادية، فمن الأفضل البدء فيها بعد هذه النقطة، وفي موعد لا يتجاوز يناير/كانون الثاني، بحيث يكون لدى سكان الدولة القدرة على التكيف نسبياً على الأقل مع هذا التأثير، قبل عودة ذروة أشهر الصيف مرة أخرى.

على القاهرة أن تضع في الاعتبار شبكة من الأمن الاجتماعي لأنها من الأهمية في حد ذاتها، لكن حقيقة الأمر أنها لم تكن مستعدة أو قادرة على فعل هذا حتى الآن. إن توفير مخزون من الدعم لأهم الخدمات الاجتماعية ليس درباً من الرفاهية، لكنه ضروري لضمان استمرار الاستقرار النسبي داخل الدولة. مر المصريون بعظائم الأمور خلال الأعوام الخمس المنصرمة، وسيمرون بالمزيد – ويجب على الأقل اعتبار التلطيف من هذه الضربة اقتصادياً واجباً قومياً.

ما بعد الإصلاح الاقتصادي 
في حين أن هذه الإصلاحات ستعالج الوضع الاقتصادي الضعيف الحالي، يعقب ذلك القضية طويلة الأمد الأكثر جدلاً والأكثر أهمية، تلك المتعلقة بالإصلاح التعليمي. لن تكون مصر قادرة على المنافسة في سوق العمل دون هذا. وقد واجهت الساحة التعليمية في مصر صعوبات متزايدة على مدار العقود القليلة الماضية.

ويعاني مجلس النواب الحالي من عدد كبير من المشكلات، وثار لغطاً كثيراً حول الانتخابات التي جاءت به. ففي حين أن القيمة التمثيلية لمجلس النواب يشوبها بعض القلاقل، إلا أن تجاهل مجلس النواب برمته لصالح قرار تنفيذي أحادي الجانب يتعلق بأي برنامج إصلاحي قبيل صفقة صندوق النقد الدولي ليس بديلاً أفضل. يجب السعي للحصول على دعم مجلس النواب بدلاً من ذلك.

في الختام، وهذا أمر متداول في الأوساط السياسية المصرية عامة منذ عام 2013، فإن الساحة السياسية بحاجة إلى الانفتاح. وتضييق الخناق على الساحة السياسية يعني فقط أنه حينما تكون هناك أمور ذات عواقب وخيمة، تصبح البيئة السياسية أكثر عرضة للضغط الشديد. ستكون هناك عواقب حقيقية على مستوى القاعدة الشعبية تواجه أي برنامج إصلاحي، ومصر بحاجة إلى الصمود أمام هذا الخلاف في المجتمع المدني بأفضل صورة ممكنة، واستمرار هذا التضييق على الساحة السياسية لا يساعد في هذا الخصوص.

وفي حقيقة الأمر أيضاً أنه إذا ما ظلت منظمات حقوق الإنسان الدولية شديدة الانتقاد لسجل حقوق الإنسان في القاهرة، سيكون هناك بالقطع ضغطاً دولياً مطبقاً على صندوق النقد الدولي لوقف التعاون. والفشل في حل هذه الشكاوى والانتقادات قد يكون له عواقب اقتصادية وخيمة لا يمكن تحملها – وإذا ما وقع تدهور أخر يتعلق بهذا الأمر، قد يجد صندوق النقد الدولي أنه من الصعب تحمل هذا الضغط.

كان حكام مصر حتى هذا الوقت على علم أن أي إصلاح سيضرب أول ما يضرب القطاعات الفقيرة – لكنهم لم يكونوا قادرين على البدء في هذه الإصلاحات وكانوا يماطلون فيما هو واقع لا محالة – وما هو واقع لا محالة سيصبح أسوء مع مرور الوقت. أفضل ما يمكن أن تأمل به مصر هو تقليل التداعيات الصعبة والضارة وتقليل وقت دوامها.

الوضع صعب وسيكون من الأسهل معالجة المشكلات الاقتصادية عند هذه النقطة – لكن الحقيقة أن التأجيل إلى أجل غير مسمى سيجعل المشكلات أصعب في حلها. وكما أظهرت الأعوام الخمس الماضية، فإن الآثار الاجتماعية الناجمة عن الضغوط الاقتصادية يمكن أن تؤدي إلى تداعيات سياسية لا يمكن حتى التنبؤ بها.

Read in English

هـ. أ. هيالر

كبير باحثين غير مقيم مع مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، حيث تركز اهتماماته البحثية على عمليات الانتقال في الدول العربية وحقوق الانسان.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط