الأقباط يتحملون وطأة التحول الاستراتيجي للإرهاب في مصر

في يوم 11 ديسمبر/كانون الأول، وفي حوالي الساعة العاشرة صباحا بتوقيت القاهرة، انفجرت عبوة ناسفة في كنيسة القديس بولس والقديس بطرس بالقاهرة في منطقة العباسية، لتقتل 25 وتجرح ما يزيد عن 50 من المصلين بالكنيسة. وصف شهود العيان لوسائل الإعلام المحلية المشهد المروع لدمار لم يشهده المواطنون بالقاهرة منذ وقت طويل. أحدث الانفجار، والذي أتى من ناحية القاعة المخصصة للنساء، انهيار جزئي للسقف فوق رؤوس المصلين الذين كانوا يقفون خارج أسوار القاعة؛ كان أغلب الضحايا من النساء والأطفال، وما من شك في أن مرتكبي الحادث كانوا يهدفون إلى مجزرة جماعية.

هذا الهجوم هو الثاني من نوعه الذي يستهدف الأقباط في السنوات الأخيرة عقب قتل 23 في هجوم انتحاري بكنيسة القديسين في الإسكندرية في يناير/كانون الثاني 2011. إلا أن المئات من المسيحيين وكنائسهم وأملاكهم كانوا هدفاً للعنف الطائفي الصادر عن حشود غوغائية، والذين قاموا بالحرق والنهب في كل أنحاء مصر في السنوات الأخيرة.

ديناميكية جديدة

يمثل الهجوم انعطافاً واضحاً في سياق ما يمكن أن نسميه نوع من التمرد المسلح البدائي في البلاد، وذلك لسببين: أنه مؤشر على تحول في أهداف الجماعات الإرهابية، التي تحولت إلى الهجمات الطائفية، والسماح باستهداف جماعي للمدنيين المصريين؛ كانت الجماعات الإرهابية التي تعمل في مصر منذ 2011 قد تجنبت استهداف المدنيين المصريين، واستهداف المسيحيين أو تفجير دور عبادتهم، ويعود ذلك لا لشيء سوى لاستراتيجية مصرية خاصة، لتجنب أخطاء التمرد الفاشل في التسعينيات، حيث فشلت الهجمات العشوائية ضد المدنيين في إيجاد قاعدة تأييد شعبية يمكن الاستناد عليها.

يبدو أن هذا التحول الذي حدث في هجوم الأمس ينم عن إحباط داخل الجماعات الإرهابية الإسلامية التي تعمل في مصر، والتي فشلت استراتيجياتها حتى الآن في الوصول لنتائج مستدامة، كما هو واضح من بعض كتاباتهم، سواء كانت الدولة الإسلامية أو عناصر القاعدة فقد فشلوا جميعا في تجنيد العدد الكافي أو إحداث الفوضى المرجوة.

كان الأمر مجرد مسألة وقت قبل أن يتحول المسيحيون إلى هدف رئيسي، وقبل أن يترك الإرهابيون كل محاولاتهم المصطنعة لتجنب إحداث خسائر بين المدنيين. إذا كان هناك شعور متنام في مصر بالراحة، نظرا للاعتقاد السائد بأن الإرهاب في سيناء بعيد، وأن التفجيرات تستهدف الحكومة فقط، فإن الجهاديين يبدو أنهم حريصون على إحباط هذا الشعور المزيف بالأمن؛ ربما يحسبون أن جزء من ردة الفعل الشعبية الغاضبة سيكون من نصيب الحكومة، التي وعدت بالأمن في مقابل التضحية بكل شيء آخر، وأن الآخرون، خاصة أولئك الذين قد يؤيدون الإسلاميين، قد يجبرون على الاختيار في الاستمرار في الوقوف في موقف الحياد، أو تحويل عداءهم اللفظي للحكومة إلى أفعال. وربما قد عولوا على ردة الفعل الغاضبة بشكل مفهوم للأقباط، حيث يشعر الأقباط بأن الحكومة قد خانتهم بفشلها في حمايتهم، قال أحد مؤيدي داعش البارزين على حسابه الشخصي بأنه من الأفضل عدم إعلان المسئولية عن هذا الهجوم وأنهى رسالته بقوله “خليها تولع.”

من المسئول عن الهجوم؟

أعلن تنظيم داعش بالأمس في بيان له مسئوليته عن هذا الهجوم، معلناً ” أن دولة الخلافة ماضية – بإذن الله تعالي – في إراقة دمائهم وشوي أبدانهم.”

أعلنت اثنتان من الجماعات الإرهابية، وهما حسم ولواء الثورة – هناك شكوك بارتباط هاتين الحركتين ببعض عناصر جماعة الاخوان المسلمين – عدم مسئوليتهما عن الهجوم، وأدانتا الحادث بطريقة إسلامية معتادة، متهمتان الحكومة بأنها خلف هذا التفجير. الجدير بالذكر أن حركة لواء الثورة كانت قد أرسلت تهديدات بالقتل لمحام مسيحي، ومن ثم فهي إما ترسم خطاً عند قتل المسيحيين أثناء الصلاة أو بأعداد كبيرة وحيث غالبية الضحايا من النساء والأطفال.

في نفس الوقت، في بيان رسمي أصدرته جماعة الاخوان المسلمين، إلى جانب تصريحات من قادتها، أدانت الهجوم من ناحية، ولكن بدون تفويت الفرصة في الإشارة الواضحة إلى أن الحكومة قد تكون هي المسئولة عن الهجوم “مثل ما حدث في كنيسة القديسين” في محاولة لتسجيل نقاط ضد عدوهم اللدود: الرئيس عبد الفتاح السيسي.

من المستغرب أن الكثيرين مازالوا يعتقدون في نظرية مؤامرة لا أساس لها، تقول بأن نظام مبارك هو الذي خطط لتفجير الكنيسة القديسين في 2011، وهو تكتيك متبع من قبل الإسلاميين لتشتيت الانتباه عن الحقيقة الواضحة بخصوص عنف الإسلاميين ضد المسيحيين، والتي تغذيها جماعات طائفية مثل جماعة الاخوان المسلمين، التي تعمل بنشاط من أجل هذا الهدف. بالرغم من أن تفاصيل تفجيرات 2011 يحيطها الغموض، فإن مصدر هذا الخبر الكاذب يبدو أنه موقع متصل بالنظام السوري، والذي نشر هذه الادعاءات في 5 فبراير/شباط 2011، من المرجح أنها كانت ضمن حملة تضليل، حينما كان الأسد وما يسمى “محور المقاومة” على خلاف مع مبارك.

الطريق للعباسية

ليس بالغريب أن يكون المسيحيون ضحايا العنف الطائفي على يد الحشود الغوغائية من بعض المسلمين، والذين حرضهم الإسلاميون في كثير من الأحيان في الماضي القريب، أبرزها كان المئات من الأحداث الطائفية، والاعتداء على أكثر من 80 كنيسة، وغيرها من ممتلكات المسيحيين، والتي أحرقتها حشود الإسلاميين في عمليات انتقامية، بسبب ما يراه دوراً للمسيحيين في الإطاحة بـ محمد مرسي المنتمي للإخوان المسلمين.

لكن ربما لا يعرف الكثيرون أن أنصار بيت المقدس (ولاية سيناء)، وهي الجماعة الإرهابية الرئيسية التي تعمل في مصر منذ عام 2011، من المعتقد أنها تستهدف المسيحيين منذ عام 2013، بدون إعلان مسئوليتها؛ تزعم تحقيقات أمن الدولة المصري أن سلسلة من عمليات سرقة سيارات المسيحيين، منهم واحدة على الأقل تحت تهديد السلاح، قد نفذتها عناصر أنصار بيت المقدس بهدف رئيسي، وهو استخدام هذه السيارات للتفخيخ. كما تزعم التحقيقات بأن المشتبه بهم يجوبون الشوارع المحيطة بالكنائس بحثاً عن الصلبان المعلقة في الزجاج الأمامي للسيارات، حيث أنهم، مثل كل الجماعات الإرهابية الإسلامية، يعتقدون بأن نهب المسيحيين حلال. على الأقل حادث واحد في ديسمبر 2013، حيث تم السطو على محال للمجوهرات مملوك لمسيحي في كفر الشيخ تحت تهديد السلاح، وتم الاستيلاء على مجوهرات تقدر بقيمة 3 ملايين جنيه لتمويل عمليات الجماعة. ومن أهم الأحداث، إطلاق النار من أحد السيارات المارة على كنيسة مريم العذراء بالجيزة في أكتوبر 2013. تزعم التحقيقات أن القيادي بحركة أنصار بيت المقدس، أشرف الغربلي، أرسل اثنين من رجاله لفتح النار على المصلين، وقتل خمسة، بينهم فتاتين صغيرتين في سن 8 و12 عاماً، ورجل مسلم، أما الرجلين المسيحيين الآخرين فكانت أعمارهما 77 عاماً و62 عاماً. ربما هذا هو ما منع الجماعة من إعلان مسئوليتها. أحد الجناة المزعومين، ربيع عبد الناصر طه مبروك، قيل أنه كان يخطط لزرع عبوة ناسفة في كنيسة في 2013، لكن الخطة لم يتم تنفيذها.

بالطبع تغيرت تكتيكات جماعة أنصار بيت المقدس، بعد أن أعلنت الجماعة اندماجها في تنظيم داعش في نوفمبر/تشرين الثاني 2014، كما هو واضح حين أعلنت مسئوليتها عن قتل قس قبطي في سيناء في 30 يونيو/حزيران 2016. ربما المؤشر الأقوى على دعشنة الجماعة وتغيرها نحو السماح بخسائر جماعية مقصودة، كان الهجوم على الطائرة الروسية وإسقاطها فوق سيناء في أكتوبر/تشرين الأول 2015.

باختصار، بالرغم من أن الهجوم الأخير يحمل أسلوباً جديداً، إلا أنه لا يحيد عن مسار أنصار بيت المقدس المنتمية لداعش في مصر منذ بعض الوقت.

ربما تشير الجماعة إلى أنها تنتوي استهداف الأضرحة الصوفية، وربما التجمعات الصوفية مثل الموالد، وذلك عقب إعدامها لشيخ صوفي في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي. في لقاء نشرته جريدة النبأ التابعة لولاية سيناء مع قيادي في الحركة، أوضح توسعاً في التركيز على الصوفية (كان الجهاديون قد استهدفوا الأضرحة الصوفية من قبل، لكن هذه المرة الأولى التي تعلن الجماعة فيها صراحة عن تهديدات مباشرة).

شهد هذا العام تطوراً جديداً في الكيفية التي يشن بها الإرهابيون الإسلاميون حربهم في مصر، جماعات مثل حسم ولواء الثورة ركزت طاقتها على خطط الاغتيالات لشخصيات هامة، خاصة ضد العاملين في الحكومة، وكثفوا من زرع العبوات الناسفة، مثل هجوم الجيزة في الأسبوع الماضي، والذي قتل ستة من رجال الشرطة.

كما كتبت مؤخراً، فإن هذا التكتيك الجديد للاغتيالات كان لاختبار منهج الحكومة في مكافحة الإرهاب، وثقة الشعب في قدرتها على حمايته، وبشكل واضح فإن تفجير الكنيسة يزيد من ذلك العبء. الآن، فإن المئات من الأهداف المسيحية بطول البلاد مهددة بخطر حقيقي من احتمال حدوث هجمات أخرى، وتحتاج هذه الأهداف إلى خطة جديدة شاملة للحماية، كما أن الشعب المصري يشعر بشكل متزايد باقتراب آثار الإرهاب إلى بيته، هذا الإرهاب الذي دمر الكثير من البلدان المجاورة، ويمكن أن يفقد الشعب إيمانه بحكومته. المفارقة أن ذلك يعود إلى كون الأجهزة الأمنية المختصة نسبيا تقوم بحمايته، وقد كانت هذه الأجهزة الأمنية تُبقي الخطط الإرهابية تحت رقابتها، باعتمادها على استراتيجية باهظة الثمن من حيث الموارد، تستدعي حملات اعتقال واسعة واعتقالات جماعية واستخدام الأساليب القهرية لاستخراج المعلومات من عناصر غير خبيرة. لكن إذا تحولت مصر إلى بؤرة اهتمام حقيقية من قبل تنظيم داعش، وتكريس المزيد من الموارد والرجال للهجوم عليها، فإن مصر تحتاج بشكل مُلِحّ إلى سياسة جديدة لمكافحة الإرهاب، للتصدي لهذا التصعيد الجديد.

Read in English

مختار عوض

باحث في برنامج دراسة التطرف في جامعة جورج واشنطن.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط