الصراع وندرة المياه في اليمن وسوريا

الصراع وندرة المياه في اليمن وسوريا

ربما لا يبدو أن ندرة المياه هي المحرك الأهم للصراع، إلا أن في سوريا واليمن، فإن أزمة المياه عنصر هام يستمر في التأثير على البلدين. بينما يبدو أن العنف والاضطراب السياسي هما الأكثر ضغطاً، إلا أن النزاعات نفسها متصلة بنقص المياه، وتتفاقم بسبب هذه القضية الأساسية. إن السيطرة على المياه وإمداداتها وتسليحها يؤجج من الانقسامات القبلية والإقليمية، إلا أن ندرة المياه تمثل أيضاً فرصة للتعاون بين المجموعات المختلفة، وتوفير الماء النظيف هو طريق نحو الشرعية السياسية.

سوريا

إن ندرة المياه والسيطرة عليها لا تقعا في بؤرة الاهتمام الإعلامي، إلا أن تأثيرهما ملموس بوضوح في هذا الصراع. العديد من موجات الجفاف الشديد حدثت في منطقة الشام عام 2006، الأمر الذي تسبب في انقسام الخبراء في صراع الموارد، فبعضهم لا يرى أزمة المياه كقضية رئيسية في الحرب السورية، إلا أن فهم دور ندرة المياه في التغيرات الاجتماعية الاقتصادية والنزوح الداخلي والأزمة الاقتصادية التي أدت إلى احتجاجات الربيع العربي في عام 2011 أمر معقد. إن انخفاض إنتاج الأغذية وزيادة أسعار الحبوب كانا عنصرين ساهما في تحريك احتجاجات 2011 التي سبقت النزاعات الحالية. بينما أثرت ستة موجات كبرى من الجفاف ما بين عامي 1990 و2005 على سوريا، إلا أن هذه الموجات استمرت موسماً واحداً أو موسمين. أما الجفاف الذي بدأ في 2006 كان الأول الذي يستمر لعدة مواسم حتى عام 2011. أثناء هذا الجفاف، انخفض معدل هطول الأمطار في أغلب مناطق البلاد ليصل إلى ثمانية بوصات في العام، وهو الحد الأدنى للحفاظ على الزراعات غير المروية.

كانت الهجرة عاملا مسببا مزعجا بشكل خاص، حيث اضطر العديد من المزارعين والرعاة للهجرة إلى المدن عقب جفاف 2006 بحثاً عن عمل بديل، هذا بالإضافة إلى وجود 1.5 مليون لاجئ عراقي بسبب الحرب على العراق. ما بين العامين 2006 و2009، أثر الفشل الزراعي على حوالي 1.3 مليون من سكان المنطقة الشرقية في سوريا، ونزح أكثر من 1.5 مليون شخص – أغلبهم من المزارعين والعاملين بالزراعة – من المناطق الزراعية إلى المناطق الحضرية، ليستقروا في ضواحي المدن الكبرى، بما في ذلك حلب ودمشق ودرعا ودير الزور وحماه وحمص. تمكن القليل منهم من إيجاد فرص عمل. قبل الجفاف وبدء الحرب، كان الناتج المحلي الإجمالي في سوريا يقدر بحوالي 5000 دولار للفرد، لكن بحلول العام 2010، هبط الناتج المحلي إلى 2900 دولار أمريكي وفقا لتقديرات الأمم المتحدة. في حين أن ندرة المياه وحدها ليست السبب الوحيد للصراع الحالي، إلا أن التوسع الحضري والبطالة تسببا في تفاقم التوترات الاجتماعية الاقتصادية. بناء على ذلك، فإن المياه محرك خفي للاشتباكات المبكرة بين النظام السوري والشعب.

منذ بداية الصراع، قامت العديد من المجموعات باستخدام المياه كسلاح في الحرب، ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2012، انقض المتمردون على قوات النظام، وسيطروا على سد تشرين الكهرومائي على نهر الفرات، وبسيطرتهم على السد، وهو مصدر رئيسي لإمداد عدة مناطق في سوريا بالكهرباء، كان ذلك يعد انتصاراً استراتيجياً لقوات التمرد. في ديسمبر/كانون الأول 2016، استهدفت الحكومة السورية مرافق مياه عين الفيجة بوادي بردى، وقامت بقطع إمدادات المياه عن دمشق، مما أدى إلى نزوح داخلي. بعض التقارير تدعي أنه قبل قطع إمدادات المياه، قامت الحكومة السورية بتلويث المياه بوقود الديزل. في مارس/آذار 2017، اتهمت الأمم المتحدة الحكومة السورية بشكل رسمي بتعمد قصف مرافق المياه، فيما أسمته جريمة حرب.

يستخدم منع المياه كسلاح تكتيكي في الحرب على نطاق البلاد كلها، خاصة من قبل النظام السوري، إلا أن بعض المجموعات المعارضة والمتطرفة يستخدمونه أيضا. قام تنظيم داعش بغلق قناة مياه رئيسية من سد الطقبة في حلب، والذي كانت الحكومة السورية قد سيطرت عليه في ديسمبر/كانون الأول 2016. كما استخدم داعش المياه كآلية تمويل عبر فرض الضرائب. في الرقة، حول داعش بنك الائتمان إلى سلطة ضريبية تقوم بجمع المدفوعات من المشاريع والأفراد في مقابل الكهرباء والمياه والأمن.

اليمن

المياه في اليمن سلعة نادرة بالفعل، ومع تأثيرات التغيرات المناخية واستمرار الحرب فإن كل ذلك يستنزف إمدادات المياه بوتيرة متسارعة. قبل النزاع الحالي، مر الشعب اليمني بتغير حاد في التركيبة السكانية بالانتقال من المناطق الزراعية والساحلية إلى المراكز الحضرية. في ذات الوقت، تزايد النمو السكاني في البلاد بشكل متسارع من حوالي 8 ملايين في عام 1980 إلى تعداده الحالي وهو 27 مليون نسمة، مما يستنزف احتياطي المياه القليل. كما شهد الاقتصاد اليمني انتقالاً من الزراعة المستدامة إلى المحاصيل النقدية، الأمر الذي يتطلب كميات أكبر من المياه.

وبما أن كميات المياه المسحوبة من الآبار وصلت لمعدلات غير مستدامة، فإن المياه أصبحت أكثر ندرة وارتفعت أسعارها، مما جعل منها سلعة باهظة الثمن لمعظم السكان الذين يعانون من الفقر. في عام 2015، قدر الخبراء أن 13 مليون يمني، أو ما يعادل 50% من السكان، يصارعون بشكل يومي للحصول على المياه النظيفة والاحتياجات الأساسية. بينما لا تظهر هذه الأزمة على السطح في النزاع القبلي، إلا أنها فاقمت الصراعات القبلية، ووسعت الهوة بين الريف والحضر، مع تصاعد العنف حول السيطرة على المياه وتوجيهها في مناطق مثل تعز وأبين.

إن تأثير ندرة المياه هام للغاية لكنه ضائع في تفاصيل نزاع كبير، هناك حالة لامرأة وأسرتها فروا من تعز بسبب النزاع للإقامة عند أقارب لهم في قرية مجاورة، إلا أن أفراد الأسرتين كانوا يتعاركون من أجل المياه، الضغط والتوتر أديا بالسيدة وأسرتها للمخاطرة والعودة إلى بؤرة الصراع في تعز، وكان ذلك أفضل بالنسبة لها من الاستمرار في العراك مع أقاربها، بالرغم من أن المدينة تحت القصف المستمر.

إن السيطرة على موارد المياه المحدودة هو دائما منهج استراتيجي يتم توظيفه من قبل الطرفين في النزاع القائم. كلا من الحوثيين والقوات السعودية قاما بحظر توصيل المساعدات الإنسانية بما في ذلك الغذاء والماء لاستخدام ذلك ضد الطرف الآخر. في فبراير/شباط، أشارت التقارير إلى أن الطائرات السعودية قامت بقصف وتدمير خزان مياه كان يوفر المياه لحوالي ثلاثين ألف نسمة، إلى جانب تقارير أخرى عن مصادرة المياه من المدنيين في نقاط التفتيش التي تقع تحت سيطرة الحوثيين حول تعز.

حتى إن جهود المنظمات الإغاثية كانت عرضة لتكتلات الفصائل ومحاولات استخدام المساعدات – بما في ذلك المياه – لكسب نفوذ وشرعنة موقفهم. هناك بعض من قيادات القبائل، والذين يقومون بدعم منظمات إنسانية لكسبها إلى صفهم، استخدموا نفوذهم من أجل حرمان قبائل أخرى من المساعدات، مما أفقد هذه المنظمات المصداقية لدى الشعب.

الطريق قدما

ستستمر المياه في لعب دورا في الصراعين السوري واليمني، وتبقى السيطرة على توفير المياه نقطة نفوذ لكل الفرقاء، إلا أن الضغط الخارجي الذي يمارسه المجتمع الدولي قد يلعب دورا هاما في إيجاد حل.

في سوريا، فإن كلا من الولايات المتحدة وروسيا اتفقتا مؤخراً على إيجاد منطقة عازلة على طول نهر الفرات، واستطاعت الولايات المتحدة التأكد من أن الثلاث سدود السورية الأساسية يقعون في هذه المنطقة العازلة، مما يضمن موقعها في أي مناقشة تصالحية أو لإعادة الإعمار.

إن القدرة على توفير مياه نظيفة هو طريق للشرعية السياسية، ويمكن استخدامه من قبل أي طرف في النزاع سواء من قبل النظام أو المعارضة أو تنظيم داعش. في سوريا، فإن اليونيسيف أصدرت تقريراً في يناير/كانون ثاني 2017 تقول فيه “تم حرمان حوالي 5.5 مليون نسمة في دمشق وريف دمشق وحوالي 1.8 شخص في حلب لفترات طويلة من المياه الآمنة بسبب الأضرار التي لحقت بشبكات المياه بسبب النزاع.” في مناطق الرقة التي يسيطر عليها تنظيم داعش، يقوم السكان بحفر آبارهم لأنهم لا يستطيعون الوصول لمناطق المياه النظيفة بسهولة، لكن المياه في هذه الآبار لا يتم معالجتها مما يؤدي إلى زيادة خطر الإصابة بالأمراض التي تنتج عن المياه الملوثة مثل التيفود والكوليرا، والتي يتزايد انتشارها بين السكان. في اليمن، فإن المياه الملوثة أدت لانتشار وباء الكوليرا، حيث أصابت نصف مليون يمني، وأودت بحياة ما يقدر بألفي مواطن.

إن توفير المياه النظيفة يمكن أن يمثل نقطة تعاون بين الأطراف المتصارعة، بينما ركز قطاع الإغاثة الإنسانية على توفير العلاج الآني، مثل معالجة المياه المتسببة في الكوليرا في اليمن، فإن توفير المياه النظيفة يمكن أن يشكل حجر أساس للاتفاقات المحلية والعالمية. على سبيل المثال، فإن الفرقاء المحليين يمكن أن يتفقوا على السماح بمعالجة المياه، وهي عملية يعوقها قصف الطيران المستمر في البلدين، بعد ذلك يمكن للمجتمع الدولي أن يدفع في اتجاه تنفيذ هذه الاتفاقات، وهذه خطوة في اتجاه إعطاء الأولوية للتعاون ولسلامة المواطن.

إن الصراعات في كل من سوريا واليمن تُظهر الحاجة للتدخل وممارسة الضغط من قبل المجتمع الدولي لمساعدة البلدين على تأمين إمدادات المياه، والاستعداد للمستقبل من خلال خطة محكمة وإدارة الموارد. وكما أن ندرة المياه كانت محركا للصراع، فإن ضمان حمايتها وتوفيرها بشكل عادل يمكن أن يساعد في حل النزاعات، وربما يوفر الأمل لمزيد من الاستقرار.

اشترك في نشرتنا English

مارجريت سوتر

حاصلة على ماجستير من الجامعة الأمريكية، ويركز عملها التنمية الدولية والمجتمع المدني في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

شاهد أيضاً

السعودية: ضرورة مراجعة الروابط الآن

التقارير التي أعلنت أن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية قد خلصت إلى أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان قد أمر بقتل الصحفي السعودي جمال خاشجقي أضاف المزيد من الثقل والإلحاح لشيء كان قد أوصى به كاتب المقال منذ أسابيع مضت.

تطبيق الراصد: كيف يتم تطويع التكنولوجيا لإنقاذ الأرواح

يعتمد نورس إضافة إلى تعقب حركة الطيران في سماء مدينة إدلب بعينيه، على تطبيق الكتروني يحمل اسم الراصد لتعقب إشارة الطيران للاحتماء بمكان آمن، والنجاة من القصف بأقل الخسائر قدر الإمكان.

الحياة في الحديقة: معاناة اللاجئات السودانيات اليومية في القاهرة

هذ المقال المصور يركز على الحياة اليومية لمجموعة من اللاجئات السودانيات الذين عاشوا، أو ما يزلن يعيشن، أمام مبنى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. هذه الصور تتبع حياتهم اليومية خلال العمل ورعايتهم لأطفالهم والتجول في القاهرة.