ملابسات دور بريطانيا في غزو العراق: نظرة على تقرير تشيلكوت

في السادس من يوليو/تموز أصدر السير جون تشيلكوت رئيس لجنة التحقيق البريطانية في ملابسات دور حكومة توني بلير في عملية غزو العراق في عام 2003 التقرير الذي طال انتظاره عن هذه الملابسات. صدر التقرير – أو ما يعرف إعلاميا بـ تقرير تشيلكوت – في اثني عشرة مجلداً تطلبت سبعة أعوام لإنجازها، وقد أصبح لدى العامة – بصدور هذا التقرير – رؤية أعمق بشأن عملية صنع القرار التي أجراها رئيس الوزراء توني بلير لاتخاذ قرار الحرب، إلى جانب علاقته مع الرئيس الأمريكي جورج دابليو بوش، وعن إخفاق الحكومة البريطانية أن تضع في الاعتبار تأثير فترة ما بعد الحرب على العراق، ودور الحكومة في إعادة بناء الدولة.

وفي معرض حديثها لمدونة الشرق الأوسط (م.أ.ش)، اشارت الدكتورة نُسيبة يونس – كبيرة باحثين في مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط – إلى ما يعنيه تقرير تشيلكوت بالنسبة للحكومة البريطانية وعائلات الجنود البريطانيين الذين قتلوا في العراق والعراقيين أنفسهم، الذين يعانون من القصف المدمر للحرب.

إلى نص المقابلة

م.أ.ش: ما الذي يقوله تقرير تشيلكوت، وهل يطرح سؤالاً عن مشروعية المشاركة البريطانية في غزو العراق عام 2003؟

يونس: لا يناقش تقرير تشيلكوت مشروعية الحرب على العراق من عدمها – فقد كان ذلك خارج اختصاصه تماماً، وقد كان هذا جلياً أثناء التحقيق. لكن ما يكشف عنه هذا التحقيق أن الإعداد للحرب على العراق كان غير مناسباً بالمرة، وأن المؤسسة السياسية والمجتمع الاستخباراتي والقوات العسكرية للمملكة المتحدة كان يتوجب عليها القيام بعمل أفضل في استجواب الحكومة بشأن الافتراضات التي طرحتها لتبرير غزو العراق، وبشأن حالة خطط الحرب، وعلى الأخص، كان يتعين على هذه الأجهزة استجواب الحكومة بصورة مفصلة بشأن قرارها بترك مسألة التخطيط للحرب برمتها للجانب الأمريكي.

م.أ.ش: ما النقد الذي يوجهه التقرير؟

يونس: كان هناك شعوراً داخل الحكومة البريطانية أن خطط ما بعد الحرب سوف تأتي من الجانب الأمريكي، وأن البريطانيين سيتدخلون في حالة حاجة الولايات المتحدة للمساعدة. لكن هذا التخطيط لم يتم بالمرة. كان هناك الكثير من التفاؤل وقليل من الانخراط الحيوي نيابة عن المؤسسة السياسية بأكملها والجهاز البيروقراطي الداعم لها، ومن هنا يأتي النصيب الأكبر من النقد في تقرير تشيلكوت.

وقد تضمنت الانتقادات الرئيسية الأخرى، الطريقة التي قدم بها رئيس الوزراء توني بلير التقييمات التي حصل عليها من المجتمع الاستخباراتي. فقد حصل على تقييمات لم تكن مترابطة بشكل كافي، ولم تكن حاسمة بطبيعة الحال، وكان يلتف حينها ليس على الرأي العام فقط، لكن على مجلس وزراءه وبرلمانه أيضاً، ويدفع بنفس الأدلة وكأنها أقوى بكثير وأكثر حجية من التقارير المخابراتية التي اطلع عليها.

وقد امتنع تقرير تشيلكوت عن القول بأن توني بلير ضلل الرأي العام البريطاني أو البرلمان في هذا الخصوص، لكن هناك حتماً افتراضات بأن الحقائق تم التلاعب بها نوعاً ما أو عرضت بصورة مختلفة، لأن توني بلير كان لديه تعهداً مسبقاً بإشراك المملكة المتحدة في هذه الحرب، وأن الحقائق والتقييمات المخابراتية لم تكن الدافع له في هذا الوقت.

م.أ.ش: في التقارير الاخبارية التي عرضت كان هناك شعوراً بأن قرارات بلير اتخذت تحت تأثير حماية مصلحة العلاقة البريطانية-الأمريكية. كيف يتناول هذا التقرير هذا السؤال في واقع الأمر؟ هل تقرير تشيلكوت صريح بشأن تناوله لهذه العلاقة؟
يونس: لا – هذا الأمر تم ذكره ضمنا وليس بصورة مباشرة، غالبية ما ذكر في التقرير تمت صياغته بلغة أكثر حساسية. حيث يشير إلى أن هذه الأمور كانت بعضاً مما شغل اهتمام رئيس الوزراء توني بلير، لكنه لا يتهمه صراحة بالكذب أو التلاعب. كان هناك دوماً نقداً في المملكة المتحدة بشأن ما كان يعتبر علاقة مقربة بشكل غير لائق مع الولايات المتحدة، وكان هناك الكثير من القلق والتشكك بشأن الأيديولوجية المشتركة – هذا النوع من الليبرالية الجديدة التي تنتهج سياسة التدخل – التي كان يُرى أن بوش وبلير ينتهجانها. وفي المذكرات التي نشرت في هذا التقرير – وكانت السبب في تأخيره لسنوات عدة، بسبب حساسية نشرها – ذُكِرت معلومات توضح أن توني بلير كان ملتزماً بأية وسيلة لدعم الولايات المتحدة في تدخلها في العراق، بمنأى تماماً عن أية أدلة كانت أو قد تكون مثارة للتساؤلات حول وجود أسلحة الدمار الشامل.

وقد كان التصور الغالب لدى المملكة المتحدة عبارة عن اتهام موجهاً لحكومة حزب العمال بأن أسلحة الدمار الشامل كانت مجرد ذريعة، وأن المعلومات الاستخباراتية تم تلفيقها للتمهيد للحرب – أعتقد أن كافة هذه الاتهامات كانت مسببة وفقاً للتقرير.

م.أ.ش: كيف يتناول التقرير أداء المملكة المتحدة الحقيقي في العراق؟
يونس: انتقد التقرير بصورة كبيرة أداء المملكة المتحدة في هذا السياق، حيث يؤكد أنه كان يوجد فجوة كبيرة بين الطموح المتعلق بمشاريع بناء الدولة والموارد التي أعدتها المملكة المتحدة والولايات المتحدة لهذا الغرض. فقد كان أداؤها في البصرة تحديداً حيث كانت لها الريادة غير مناسباً بالمرة. وقد آل بهم الأمر بعقد صفقات مخزية مع الميليشيات المحلية، وذلك لوقف إطلاق النار على القوات البريطانية وحسب، وقد أنجزوا القليل جداً فيما يتعلق بالتأثير طويل الأمد، وطوروا قليلاً فيما يخص البنية التحتية، وأصبحت البصرة الآن مكاناً مثيراً للشفقة برغم الثروة النفطية التي تتدفق من أرضها. وفي نهاية المطاف في عام 2009، حزم البريطانيون حقائبهم وغادروا وهم يشعرون بالخزي كونهم، حيث لم يحققوا شيئاً فعلياً. من البداية إلى النهاية كان التقرير مدمراً تماماً في هذا السياق.

م.أ.ش: كيف يتناول التقرير مسألة دور المملكة المتحدة في مرحلة ما بعد التخطيط للحرب على العراق؟

يونس: التقرير يتحدث فقط عن حقيقة أن المملكة المتحدة لم تعتبر أن عملية التخطيط لما بعد الحرب مسؤوليتها أو دورها. ومن وجهة نظر الولايات المتحدة، كانوا يخططون لواقع ما بعد الحرب على اعتبار أنها أزمة إنسانية، وكانت الولايات المتحدة تتوقع لاجئين وتفكر في إقامة مخيمات وفي عمليات نقل المؤن الغذائية، ولم تكن ترى فيما بعد خطوة الإطاحة بصدام. في مرحلة ما بعد الحرب، لم تكن المملكة المتحدة تعتبرها مهمة أمنية أو مهمة بناء دولة، لكن تم اعتبارها ببساطة مهمة للتعامل مع لاجئي ما بعد الحرب، وإعادة بناء المرافق ثم عملية تسليم زمام الأمور للعراقيين. كان هناك دراية قليلة عن نوع الصراعات الداخلية التي قد تنشب عند الإطاحة بصدام حسين، ولن يكن هناك أي شيء يتعلق بالمستوى الأمني أو عدد القوات لمنع النهب الذي شاهدناه في وقت مبكر من الحرب، أو فيما يتعلق بفرض القانون وتأمين الناس الذين كان يتم مطاردتهم بسبب ثأر أو لأسباب أخرى. لم يكن هناك تركيزا يذكر على العملية الأمنية والتخطيط لفترة ما بعد الحرب.

م.أ.ش: بعد نشر التقرير أعادت عائلات الجنود البريطانيين الذين قتلوا في العراق حديثها عن الدعوة لإعادة محاكمة بلير بتهمة ارتكاب جرائم حرب. هل يمكن أن يكون لهذا التقرير أي تأثير في هذا الاتجاه؟

يونس: أعتقد أن هذا التقرير سيتم اعتباره غير مناسباً لهذه العائلات التي تشعر أن الحرب شنت تحت أسباب زائفة، ويريدون محاسبة توني بلير. لا يأخذ التقرير موقفاً بشأن الشرعية ولا يتهم صراحة بلير بالكذب عمداً أو تضليل الرأي العام البريطاني أو البرلمان، ولا يضع التقرير الأسس حقاً لاتخاذ إجراءات إضافية تجاه بلير. كما أنه لا توجد قوانين أو سوابق على وجه التحديد في القانون البريطاني أو المحكمة الجنائية الدولية تضع الأسس لإجراءات أخرى يتم اتخاذها ضد توني بلير، لذلك أعتقد أن عائلات الجنود لسوء الحظ ستستمر في الشعور بأن العدالة لم تأخذ مجراها.

م.أ.ش: ما هو تأثير التقرير على العراقيين؟ حينما سئل وزير الخارجية العراقي عن التقرير أجاب “أي تقرير؟” هل هذا يمثل رد الفعل العام للعراقيين بشأن تقرير تشيلكوت؟

يونس: قتل في العراق منذ عدة أيام نحو 250 مدنياً في سوق تجاري في حي الكرادة في بغداد، وقد كان تفجيراً هائلاً- أحد أكبر التفجيرات في العراق منذ عام 2003. وفي الوقت الذي تم فيه تحقيق انتصار في الفلوجة ضد تنظيم داعش، كان العراقيون وعلى الأخص أهل بغداد على أمل أن يأخذوا مهلة من السيارات المفخخة.ولكن المتفجرات التي تم استخدامها في هذا الهجوم وصلت إلى بغداد من محافظة ديالي، ولا نعرف على وجه التحديد كم عدد نقاط التفتيش وعدد رجال الشرطة الفاسدين الذين سمحوا بمرور هذه المتفجرات.

تهيمن على محافظة ديالي ميلشيات عراقية، ولطالما كانت مصدراً لعدم الاستقرار والعنف، ولطالما كانت مكاناً تعرف قوات الأمن العراقية أنها مصدراً للتفجيرات المحتملة. وبالنسبة لوصول سيارة بهذا الحجم إلى منطقة التفجير دون تفتيش هو بمثابة اتهام للمؤسسة السياسية العراقية والخدمات الأمنية. ولهذا شاهدنا كثير من الناس يجوبون الشوارع غضباً من رئيس الوزراء، وشاهدنا استقالة وزير الداخلية. لذا فإن العراقيين مشغولون بإخفاق حكومتهم اليوم، وبالتحديات التي يستمر تنظيم داعش في فرضها على البلاد، وبالأزمة الاقتصادية التي يواجهها العراق، وباحتياجات النازحين في الداخل، وبالحاجة إلى إعادة تأسيس نوعاً من الأمن في بغداد بمنأى عن هذه السيارات المفخخة. لذا أعتقد أنه بالنسبة للعراقيين، يبدو أن تقرير تشيلكوت بمثابة ممارسة أكاديمية لا صلة لها إطلاقاً بما يمر به العراقيون اليوم ولنوع الدعم الذي يحتاجونه اليوم.

م.أ.ش: دائماً ما نسمع أن غزو العراق كان سبباً في صعود نجم جماعات مثل داعش. هل يشير التقرير لأي توع من السياق الذي قد يفهم منه أن التفجير الأخير في بغداد كان نتيجة مباشرة للحرب في العراق؟

يونس: يعترف التقرير بهذا الأمر، وقد أقر السير جون تشيلكوت في المؤتمر الصحفي الذي عقده للإعلان عن التقرير، أن تداعيات غزو العراق ما تزال باقية معنا، وأن نشوء تنظيم داعش جاء نتيجة لغزو العراق. لكني أعتقد أن من المهم ان ندرك أن الضرر الأساسي الذي حدث للمجتمع العراقي كان الجزء الأكبر منه بسبب صدام حسين وحزب البعث. حينما ننظر إلى بعض التكتيكات التي تستخدمتها داعش في تطرفها، تجد أن الجزء الأكبر منها متجذر في المنتمين لحزب البعث، وفي نوعية التكتيكات التي استخدمها صدام حسين. وقد حصل الكثير من عناصر تنظيم داعش على تدريباتهم العسكرية في عراق صدام حسين، ومن خبرتهم في العمليات المخابراتية في أحد أكثر المؤسسات الاستخباراتية رعباً. إن كثيرٍاً من أصول العنف والغضب والتفرقة الطائفية والعرقية كانت بذوراً بذرها صدام حسين، ونرى شيئاً مشابهاً لها في سوريا. إن تنظيم داعش هو نتاج – بأشكال مختلفة –  للسلطوية وما تفعله في المجتمعات التي تعيش في كنفها. لذا أعتقد أنه حتى إن لم يكن هناك أي غزو، كنا سنجد في النهاية محاولة للإطاحة بنظام صدام حسين، والذي كان ليصبح شديد الدموية والعنف، وكان ليؤدي إلى ظهور شيئاً مشابهاً لتنظيم داعش.

م.أ.ش: ما التأثير الذي يمكن أن ينسحب على المنطقة ككل بسبب هذا التقرير؟

يونس: الشيء الأكثر ضراراً في تقرير مثل هذا – مع أنه غير مقصود من التقرير بالطبع – أنه يمكن أن يؤول إلى استخدامه في خلق جدل ضد تدخل المجتمع الدولي في المناطق التي يوجد بها كوارث إنسانية كبيرة، وأعتقد أن مأساة الحرب على العراق كانت جزءً من ردة الفعل بالنسبة للأزمة في سوريا، وعدم رغبة المجتمع الدولي في التدخل في سوريا، وكأن المجتمع الدولي قد وضع في اعتباره كافة الدروس الخاطئة من الحرب على العراق، ومن ثم الامتناع عن التدخل على الاطلاق. هذا الأمر يتناسى حقيقة أنه عند تفكك نظام سلطوي يكون هناك الكثير من العنف والقبح، ويأخذ الأمر وقتاً بالنسبة لهذه المجتمعات للتعافي، وأن حماية المدنيين في بدايات هذا النوع من التفكك هو أمر ضروري للغاية، وفي صالح أمننا القومي، وهو مسئولية المجتمع الدولي.

Read in English

مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط

بقيادة خبراء مقيمين، يقوم مركز رفيق الحريري بدراسة قضايا حل النزاعات وإعادة الإعمار/الإصلاح الاقتصادي، والتغيرات المجتمعية.

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط