مسلحو الشيشان وشمال القوقاز في سوريا

مسلحو الشيشان وشمال القوقاز في سوريا

 اشترك في نشرتنا 

يعد المقاتلين الأجانب المهاجرين من الشيشان وشمال القوقاز إلى سوريا من أكثر المجموعات التي دار نقاش كثيف بشأنها. حيث يأتي هؤلاء المقاتلون من منطقة غرقت على مدار عقدين في الصراع المسلح ضد الجيش الروسي، مما منحهم خبرة ومهارة في القتال. وبالرغم من قلة عددهم، فقد قاموا بدور أكبر كثيرًا من حجمهم في الصراع، وشاركوا في كبرى الهجمات التي شنها المجاهدون في البلاد على مدار نصف عقد من الزمن.

وبدأ مقاتلو الشيشان وشمال القوقاز في الوصول إلى سوريا في نفس الوقت تقريبا كسائر المقاتلين الأجانب الآخرين. فمع تصاعد الصراع في سوريا في منتصف 2012، وتحوله إلى حرب نظاميه بين قوات النظام والمتمردين، تصاعدت أيضا قوة المجموعات المتمردة، وصارت سوريا بؤرة الجذب الجديدة لطالبي الجهاد. وبلا شك، كانت كتيبة المجاهدين التي تشكلت في صيف 2012 هي أولى المجموعات ذات الزعامة الشيشانية، والتي سبقت تشكيل المجموعة الأكثر شهرة “جيش المهاجرين والأنصار”. وقائد المجموعة هو عمر الشيشاني، المقاتل المعروف ذي الأصول الجورجية، والذي صعد نجمه عقب ذلك ضمن صفوف مقاتلي الدولة الإسلامية (داعش). وانفصل عمر عن المجموعة المكونة من حوالي 700 مقاتل في بدايات 2013، وحل محله في قيادة المجموعة مقاتل من الشيشان أيضا؛ هو صلاح الدين شيشاني.

في ذلك الوقت، حدث تطور حيوي أدى الى زيادة تدفق المهاجرين من شمال القوقاز إلى سوريا. ففي أغسطس/آب 2012، أحبطت قوات الأمن الجورجية محاولة 20 مقاتلًا العبور من روسيا الى داغستان، فيما عُرف ب”واقعة لوبوتا” نسبة الى المضيق الذي حدثت فيه المواجهات بين الأمن ومقاتلي المجموعة. خلال تلك الواقعة، لقى نصف المقاتلين حتفهم، بينما تفرق النصف الآخر أثناء تبادل إطلاق النار. واعتبر الباحثون هذا التطور منعطفًا يمثل آخر محاولة جدية من قبل المسلحين لتنشيط التمرد الإقليمي في شمال القوقاز. واتضح ذلك التغيير في سلوك المتمردين أنفسهم، حيث ذكر أحدهم أن الجهاد في شمال القوقاز صار “أصعب ألف مرة من الجهاد في سوريا“. فيما بعد هذا المنعطف، صار المسرح السوري هو محور الأحداث.ورأي مقاتلو شمال القوقاز مركزهم في سوريا يتعزز بمساعدة حليف غير متوقع: الحكومة الروسية. فمنذ بداية عام 2013، بدأت قوات الأمن الروسية في دعم وتحريض تدفق المقاتلين من شمال القوقاز باتجاه سوريا والعراق. بدأ هذا التحرك في داغستان، حيث شرع مندوبو المخابرات الروسية في لقاء الوسطاء المحليين في القرى النائية. وكان مندوبو المخابرات يقومون بإعداد قوائم بأسماء الشباب اللذين يُعتقد أنهم شاركوا من قبل في التمرد، أو لديهم قابلية المشاركة، ويسهلون لهم الحصول على جوازات سفر، ثم يرسلونهم الى تركيا. وبينما كانت السلطات الشيشانية تمنع مثل هذه الأنشطة، خشية من عواقب تصدير مثل هؤلاء المقاتلين، كانت المخابرات الروسية تعتبر هذا النشاط نجاحًا كبيرًا. طبقا لتعبير أحد مندوبي المخابرات: “هم يموتون على الطريق إلى الله هناك، ونحن نتخلص من الأعمال الإرهابية هنا”.فمن المفارقات أن النجاح الذي حققه الجهاد في سوريا (بشكل أكثر تحديدًا، نجاح واحدة من المجموعات التي تشنه) أدى إلي تصدع حركة الجهاد في شمال القوقاز. واحد من أوائل الشيشانيين اللذين انضموا للدولة الإسلامية الوليدة في العراق وسوريا (داعش)، كان عمر الشيشاني، الذي انضم في أوائل 2013. وساهمت نجاحات عمر العسكرية، خصوصا دور مجموعته في الاستيلاء العسكري علي قاعدة منغ الجوية في أغسطس/آل 2013، في بناء سمعته كقائد ماهر. خلال تلك الفترة كان التوتر يتصاعد بين داعش والقاعدة، الأمر الذي كانت له عواقب على المقاتلين المهاجرين من شمال القوقاز. كان معظم هؤلاء المهاجرين قد بايعوا أمير قوقازي متحالف مع القاعدة في بلدهم. فحين صارت تلك البيعة تتناقض مع الولاء الجديد لعمر قائد المجموعة لداعش، انشق الكثير من مقاتلي جيش المهاجرين والأنصار عن قائدهم بحلول نوفمبر/تشرين الثاني 2013، وانضم المنشقون بشكل كامل لفرع القاعدة في سوريا؛ جبهة النصرة. وعقب ذلك بشهر انخرط الطرفين في مواجهات حربية ضد بعضهما.وانعكس الانشقاق بين داعش والقاعدة على العناصر الشيشانية والقوقازية المقاتلة بين صفوفهما. حيث اتبع معظم المقاتلين قائدهم عمر الشيشاني في الانضمام إلى داعش، كما تبعهم أيضا الكثير من المقاتلين اللذين كانوا يقاتلون تحت ألوية قادة شيشانيين بارزين، حيث انشقوا عن قادتهم وانضموا لدولة الخلافة الصاعدة. حينما أعلن جيش المجاهدين والأنصار بيعته لجبهة النصرة في سبتمبر/أيلول 2015، كان معظم مقاتلين المجموعة من القوقازيين الشماليين قد انشقوا عنها بالفعل. بينما قام قائد آخر، هو سيف الله شيشاني، والذي كان نائبا لعمر في السابق، باصطحاب ما تبقى من مجموعته للانضمام لجبهة النصرة. ومن اللافت أن مقاتلين آخرين قد وجدوا طريقا ثالثا أكثر جاذبية، هو تشكيل مجموعات جهادية جديدة، لا تدين بالولاء لأي من النصرة أو داعش، بينما تتعاون مع كل منهما في بعض الأحيان. أصحاب الطريق الثالث من المقاتلين القوقازيين الشماليين تمركزوا في مجموعتين رئيسيتين؛ جند الشام وأجناد القوقاز (وتشكلت مجموعة ثالثة، هي جيش العسر لاحقا). جاء ذلك في محاولة لتفادي التورط في القتال المميت بين المتمردين السوريين والمجموعات الجهادية، إذ قام أمراء المجموعات الثلاثة، جنود الشام وأجناد القوقاز وجيش العسر بإصدار بيان مصور في أغسطس/آب 2017 ينص صراحة على نفورهم من الفتنة. كان ذلك التوجه من المقاتلين الشيشانيين فريدًا، فبالإضافة إلى مجموعة جند الأقصى كمجموعة بارزة حافظت على توجه مستقل. كانت مجموعات المقاتلين الشيشانيين حريصة على سمعتها كمجموعات مستقلة، وشكل ذلك عامل هام في اعتبارهم حلفاء مرغوبين بعيدين عن الاستقطاب الرسمي. وذلك على النقيض مما حدث للكثير من المجموعات المقاتلة الأخرى.وفي ذروة عملها، شكلت المجموعات القوقازية المقاتلة جزءًا هاما من القوة الجهادية المقاتلة في سوريا. في فبراير/شباط 2017، قدر فلاديمير بوتين عدد المقاتلين الموجودين في سوريا من المواطنين الروسيين بأربعة آلاف مقاتل، وهو تقدير يتوافق مع تقديرات كثير من المحللين المستقلين. وتأتي كبرى تلك المجموعات المقاتلة من داغستان، وتقدر السلطات الروسية عددها بألف ومائتين داغستاني يقاتلون ضمن صفوف تنظيم داعش. أما المقاتلون الشيشانيون فتنحدر أصولهم من جهتين: حوالي ستمائة مقاتل من الشيشان ذاتها، بينما ألفين وأربعمائة آخرين قد انتقلوا الي سوريا من دول الشتات في أوروبا، والتي كانوا قد نزحوا اليها في التسعينيات والألفية الجديدة. وتقدر مصادر رسمية أن مائة من الأنجوشيين قد دخلوا سوريا كمقاتلين، وحوالي مائة وخمس وسبعين آخرين من جمهورية كباردينو-بالكاريا. وبالرغم من عدم دخولها ضمن نطاق شمال القوقاز بشكل دقيق، إلا أنه من المنطقي أن يشمل التحليل المقاتلين من الكيست في جورجيا، باعتبارهم مجموعة عرقية منحدرة من الشيشانيين. وهناك أكثر من خمسين  من هذه العرقية يقاتلون في سوريا (بما في ذلك عمر الشيشاني نفسه).وبتتابع الخسائر الحربية الثقيلة، وتبدل مكاسب المتمردين عقب التدخل الروسي، بدأ تهميش المجموعات القوقازية داخل سوريا يتصاعد. وكان عمر الشيشاني غير مكترث بسلامة رجاله، مما أدى إلى مقتل المئات من مقاتلي القاعدة الشيشانيين خلال معركة كوباني عام 2014. وقد لقى عمر مصرعه في العراق في يوليو/تموز 2016، بينما حاربت حتى الموت أعداد كبيرة من المقاتلين الشيشانيين في الموصل. وعانت المجموعات الشمال قوقازية المستقلة والمجموعات المتحالفة مع جبهة النصرة من الانحسار في ظل التراجع الأشمل لحركة المتمردين، عقب استعادة قوات النظام السوري لحلب في ديسمبر/كانون الأول 2016، تاركة المتمردين في حيرة بشأن حركتهم التالية. بحلول منتصف عام 2017، صار مستقبل المجاهدين الشيشانيين والقوقازيين الشماليين في سوريا غامضا، وهو ما سنناقشه في المقال التالي عن هذا الموضوع.

اشترك في نشرتنا English

نيل هاور

محلل مستقل معني بالشئون السورية والروسية وشئون القوقاز. ويقيم هاور في تبليسي بجورجيا، حيث عمل من قبل ككبير محللي معلومات لمدة ثلاث سنوات في مجموعة "SecDev"، المتخصصة في استشارات المخاطر الجيوسياسية، ومقرها الرئيسي بالعاصمة الكندية أوتاوا. حاليا يركز هاور عمله على الدور الروسي في الصراع السوري.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة