تحديات يواجهها الإعلام الكردي في تطوره

من الصعب إيجاد وسيلة إعلام مهنية كُرديّة واحدة تعمل بشكل محترف في إقليم كُردستان العراق والمناطق تحت السيطرة الكردية في سوريا (روج آفا باللغة الكردية). وقد يمكن تبرير ذلك بممارسات حكومة صدام حسين القمعية في العراق قبل سقوط تلك الحكومة، وكذلك في سوريا في فترة ما قبل انطلاق الاحتجاجات الشعبية في البلاد منتصف مارس/آذار 2011، فقد منع النظام السوري تداول اللغة والثقافة الكُرديتين، الأمر الّذي أدى بالأحزاب الكُردية في سوريا إلى تأدية وظيفة وزارتي الثقافة والإعلام غير الموجودتين، حيث كانت الأحزاب الكُرديّة المحظورة في سوريا منذ تأسيس أول حزب كردي في سوريا عام 1957 تصدر صحف ومجلات كردية بشكل سري داخل سوريا وخارجها أيضاً.

في إقليم كُردستان العراق، هناك عشرات من الصحف والوكالات والفضائيات الإخبارية والقنوات المحليّة، إلا أن جميعها تعمل وفقاً لإيديولوجية الأحزاب الكُردستانية التابعة لها، كالحزب الديمقراطي الكُردستاني الّذي يتخذ من عاصمة إقليم كُردستان أربيل مقراً له، أو حزب الاتحاد الوطني الكُردستاني الّذي يقوده الرئيس العراقي السابق جلال الطالباني من مدينة السليمانية، إضافة لوكالات وفضائيات أخرى تتبع لأحزاب خارجة عن هذين الحزبين، إلا أنها غالباً ما تكون منحازة لأحد الحزبين، نتيجة تحالفاتها السياسية مع أربيل أو السليمانية. 

يبدو لافتاً أنّ معظم مالكي وسائل الإعلام الكردية لا علاقة لهم بالصحافة والإعلام لكنهم يحصلون بسهولة على تراخيص عمل لارتباطهم بالسلطات الحاكمة في إقليم كُردستان، والأمر مشابه في روج آفا أيضاً، لكن بعددٍ أقل بكثير من وسائل الإعلام الكردية في إقليم كُردستان، مثل فضائية كردستان 24 التي يرفض مسرور البرزاني الاعتراف بملكيتها رغم سياسة التحرير المنحازة للحزب الديمقراطي الكردستاني الّذي يتزعمه والده الرئيس مسعود البرزاني، إذ أن الفضائية تُعرّف باستقلاليتها لكن معظم الأوساط الصحفية الكردستانية تنفي ذلك.

وفي ما يتعلق بالمهنية في وسائل الإعلام الكرديّة، فهي موجودة إلى حدٍ مقبول في إقليم كُردستان، خاصة وأن حكومة الإقليم أوفدت عدداً من أبناء كُردستان للتخصص في الخارج، بعدما توسعت رقعة هذه الوسائل  الإعلامية بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، في حين أن الإعلام في سوريا وليس في المناطق الكردية فحسب، كان مقموعاً لعقود طويلة ويمثل صوت الحزب الواحد، حزب البعث العربي الاشتراكي، وهذا ما يعد سبباً لظهور قلة قليلة من الأكراد المهنيين في مجال الإعلام، علماً أن عدداً منهم أثبت جدارته خارج سوريا، وحتى في المناطق الكردية في سوريا نفسها عقب انطلاق الاحتجاجات الشعبيّة في سوريا. وباتت المرأة شريكة أساسية للرجل في وسائل الإعلام الكردية وفي التغطيات الميدانية على خطوط الجبهة بين تنظيم الدولة الإسلامية والمقاتلين الكُرد، حتى أنها تجاوزت أكثر من ذلك، وأسست إذاعة مجتمعية نسائية هي الأولى من نوعها كردياً في بلدة عامودا.

وعلى الرغم من كل محاولات الصحفيين الأكراد في روج آفا العمل على تأسيس مؤسسات إعلامية محايدة بعيدة عن الأجندات الحزبية إلا أن جميعها تعاني من ضغوط مالية، أدت بمؤسسات كثيرة منها إلى التوقف عن العمل، مثل موقع “ولاتي نيت” الإلكتروني، والّذي كان يواكب كل جديد على الساحة الكردية في المناطق الكردية في سوريا. والأمر ذاته ينطبق على النقابات الصحفية الكردية، وهي بشكل أو بآخر غالباً ما تكون مسيسة أو تابعة لحزب كردستاني، مثل نقابة الصحفيين الأكراد في سوريا والتي تشكلت في مدينة أربيل، وانحازت للحزب الديمقراطي الكردستاني في العراق والمجلس الوطني الكردي في سوريا. وفي المقابل، كان لحزب الاتحاد الديمقراطي الذي يبسط نفوذه على روج آفا الفكرة ذاتها في تأسيس اتحاد الإعلام الحرّ في المناطق الكردية. 

وتشهد وسائل الإعلام الكردية التابعة للأحزاب الكردستانية الرئيسية الثلاث، الديمقراطي الكردستاني والعمال الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، حرباً إعلامية، علماً أن كل حزب كردستاني محسوب على جهة إقليمية ودولية. وعلى سبيل المثال، نشبت حرب إعلامية بين حزبَي العمال الكردستاني من جهة والديمقراطي الكردستاني من جهة أخرى، لأسباب كرفض بعض الجهات الكردستانية إعلان استقلال كُردستان العراق، الأمر الّذي يدعو إليه الرئيس مسعود البرزاني. 

ويعد إقليم كُردستان العراق وروج آفا، منطقة آمنة لمختلف وسائل الإعلام الكردية والعربية، لكنه لا يخلو من الانتهاكات بحق الصحفيين ووسائل الإعلام. ففي مناطق سيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي في المناطق الكردية في سوريا، مثلا، يتعرض الصحافيون للملاحقة والاعتقال بسبب آرائهم أو تغطياتهم الإخبارية. كما منعت سلطات الإدارة الذاتية وسائل إعلام مختلفة من العمل في مناطق سيطرتها، مثل منع مراسلي فضائيتي روداو والنشرة الكردية في الأورينت نيوز من العمل بمدينة كوباني، وكذلك الأمر بالنسبة لإقليم كُردستان العراق الّذي يشهد تراجعاً للحريات الصحفية، “بسبب الاستهداف المستمر للصحفيين الذين ينتقدون الفساد في الاقليم،” بحسب تصريحات برلمانيين في إقليم كُردستان العراق.

ولا يخفى على أحد من متابعي الشؤون الإعلامية، أنّ الضعف المهني للإعلام الكردي، يعود بشكل رئيسي إلى هيمنة الذهنية السياسية، واعتباره لسان حال الجهة الممولة والتي غالباً ما تكون حزبية، وإن لم تكن كذلك فهي ممولة من أطراف مقربة من حزب كُردي ما، والتي تتخذ من الإعلام أداة لتلميع صورة أحزابهم، وكذلك لتغطية قضايا فسادهم في بعض الأحيان.

وعملياً يمكن أن يكون الإعلام ممولاً من حزبٍ سياسي ما، وأن يكون مهنياً في الوقت ذاته، وبالتالي لا يمكن الأخذ على الإعلام الكردي من حيث تمويله الحزبي، في ظل افتقار الأكراد للدولة القومية وغياب المؤسسات ووزارات الثقافة. فالأحزاب الكردية هي التي تعمل بدلاً من تلك المؤسسات كما لو أنها تحكم دولاً مستقلة،

ومن ناحية أخرى، يُعتبر عدم وجود حزب واحد مسيطر على المناطق الكردية نوعا من القبول بالاختلاف وتعددية الأحزاب، ويعطي التنافس بين الأحزاب نوعا من الحرية، ويُقارن هذا الوضع بما كان عليه تحت حزب البعث السوري، حيث قمع الحزب المسيطر على أي محطة إعلام قد تنتقده، ودعم الإعلام الموالي له ولم يهتم بتطوير مهنة الإعلام.

ومن جهة أخرى، نجد أن الإعلام الكردي يستفيد من أحدث التقنيات الأوروبية في مجال النشر والبث، لكنه يقلد وسائل الإعلام العربية والتركية، وحتى الفارسية من خلال سياسة التحرير لهذه الوسائل الإعلامية، كما هي الحال في برنامج “دو آلي” الّذي يبث على شاشة تلفزيون “روداو” من مدينة أربيل، ويعتبر نسخة كردية من برنامج “الاتجاه المعاكس” الشهير على شاشة تلفزيون الجزيرة.

وتكمن المفارقة المثيرة للجدل في الإعلام الكردي، وجود كل المقومات اللازمة لنشوء إعلام كردي مهني، إلا أن الطابع الحزبي يأتي ليحاصر الشق المهني بعقليته الضيقة، فيضعف المستوى المهني، ويجبّر هذه الامكانيات الهائلة لصالح حالة إيديولوجية محددة، وبالتالي فأن المشكلة ليست في التمويل الحزبي فقط، وإنما في الذهنية التي تصاحبه، ليبقى الرهان على تخلص الإعلام الكردي من عقدته الحزبية هذهِ، ليقدم نموذجاً يحتذى به في المهنية حيث يقوم الإعلام بدور مراقبة الحكومة والسياسة.

Read in English

جوان سوز

صحفي كردي سوري عمل مراسلاً لعدد من كبريات الصحف والوكالات العربية كالقدس العربي والجزيرة.