ليبيا: ماذا بعد حفتر؟

ليبيا: ماذا بعد حفتر؟

اشترك في نشرتنا

طارق رضوان وإليسا ميلر

إبان الأسبوع الماضي، واجهت ليبيا المزيد من التقلبات في ظل تقارير تفيد بموت الجنرال خليفة حفتر. تبقى حقيقة حالته الصحية غير واضحة، فقد وردت أخبار عن دخول حفتر المستشفى في الأردن عقب إصابته بجلطة أدت إلى سقوطه في غيبوبة بعد نقله إلى مستشفى في فرنسا. هناك مصادر أخرى تقول بأن رجل الشرق القوي قد توفي في باريس. ستؤثر أخبار وفاته، بالرغم من عدم تأكدها، بشكل كبير على حسابات كبار اللاعبين في الساحة الليبية، سواء على المستوى المحلي أو الإقليمي. يمكن أن يوفر موت حفتر فرصة لإعادة إحياء الحوار السياسي، لكن يمكن أيضا أن يؤجج الصراع بين الفصائل المتنافسة في ليبيا، مما سيزيد من تمزيق البلاد.

وبما أن حفتر قد عزز قوته في شرق البلاد خلال السنوات القليلة الماضية، فإن الرجل القوي ينبذ بشكل متزايد حكومة الوفاق الوطني المدعومة من الأمم المتحدة والاتفاق السياسي الليبي. في الذكرى الثانية لتوقيع الاتفاق السياسي الليبي في ديسمبر/كانون الأول، أعلن حفتر أن الاتفاق – وشرعية المؤسسات التي نشأت في ظله (حكومة الوفاق الوطني) – قد انتهى. وادعى أن الجيش الوطني الليبي هو المؤسسة الشرعية الوحيدة في ليبيا. بالرغم من أنه تعهد بخوض الانتخابات الرئاسية المرتقبة والمدعومة من الأمم المتحدة، إلا أن حفتر حذر من أنه سيعلن نفسه رئيساً لـ ليبيا إذا “فشلت” الانتخابات (بقول آخر، إذا خسر التصويت). على نحو مشابه، ومباشرة عقب اجتماعه مع رئيس حكومة الوفاق الوطني فايز السراج في باريس في منتصف 2017، اتهم حفتر حكومة الوحدة بأنها واقعة “في قبضة الإرهابيين”. بموت حفتر أو عجزه، فإن حكومة الوفاق الوطني يمكنها أن تسعى لإعادة التفاوض مع مجلس النواب المدعوم من حفتر في الشرق، والدفع في اتجاه التصديق على الاتفاق السياسي الليبي.

حاولت شخصيات هامة في الجيش الوطني الليبي إبعاد شائعات موت حفتر للحيلولة دون تمزق الجيش. قال المتحدث الرسمي باسم الجيش الوطني الليبي أحمد المسماري أن حفتر في “صحة ممتازة”. كما أصدر عقيلة صالح، رئيس مجلس النواب، بياناً ادعى فيه أنه على اتصال دائم بحفتر، الجدير بالذكر أن المبعوث الخاص للأمم المتحدة في ليبيا غسان سلامة لم يتجاوب مع شائعات مرض حفتر بشكل مباشر، لكنه قال في تصريح أنه تحدث مع حفتر عبر الهاتف. إلا أن الجهود من أجل تجنب القتال في الشرق تبدو عقيمة.

سيؤدي موت حفتر أو عجزه إلى فراغ في القيادة ما سيدفع بخصومه إلى السعي للاستفادة من ذلك بلا شك. جمع حفتر مجموعة من القوى المتباينة تحت مظلة الجيش الوطني الليبي، بما في ذلك ميليشيات القبائل الجنوبية والشرقية والسلفيين المتشددين. وإذا غاب دوره القيادي، قد تنهار مجموعة المقاتلين المتباينة هذه. في ظل الأخبار التي تقول بأنه قد سقط في غيبوبة، قام مقاتلون يعملون تحت مظلة الجيش الوطني الليبي لديهم مظالم بالهجوم على مكاتب الجيش الوطني الليبي في بنغازي. قد تتصاعد التوترات بين الموالين لحفتر وأولئك في بنغازي الذين يعارضون هيمنة قبيلة فرجان التي ينتمي إليها حفتر. كما أن سكان بنغازي ليسوا سعداء بالوجود المتزايد للمقاتلين السلفيين المؤيدين لحفتر في المدينة. يفتقر رئيس أركان الجيش الوطني الليبي عبد الرازق الناظوري السلطة اللازمة للحفاظ على النظام في حالة اندلاع الاشتباكات، خاصة في الوقت الذي يشن فيه الجيش الوطني الليبي هجوماً على آخر المعاقل الصامدة للجماعات المسلحة في مدينة درنة.

يمكن للجماعات الإسلامية، والتي كانت في مرمى نيران حفتر منذ عام 2014، أن تسعى لشن هجوم على الجيش الوطني الليبي الذي تم إضعافه. إلا أنه من غير الواضح من الذي يمكن أن يقود القوات الإسلامية إذا وضعنا في الاعتبار هزائمهم المتتالية وتشتتهم في الشرق. الهزائم المتتابعة من قبل الجيش الوطني الليبي في عام 2017 أجبرت كتائب دفاع بنغازي، والتي كانت قوة رائدة في الحرب ضد عملية الكرامة المناهضة للإسلاميين بقيادة حفتر، للانسحاب من مواقعها وحلها. هناك سيناريو أقرب إلى الواقع، ألا وهو أن الانقسامات الموجودة بالفعل في تحالف حفتر ستطفو على السطح، وتتسبب في انقسام الجيش الوطني الليبي، مما سيؤدي إلى فراغ أمني يشجع الجماعات المتطرفة، بما في ذلك تنظيم داعش، على استعادة نفوذهم.

كما أن تجدد الفوضى في الشرق قد يعرض خطة عمل غسان سلامة للخطر. يأمل سلامة أن يقوم بتنظيم انتخابات في ليبيا في نهاية عام 2018، وهو جدول زمني طموح إذا ما وضعنا في الاعتبار انعدام التوافق الداخلي فيما يتعلق بالمصالحة السياسية. لذا، فإن تدهور الوضع الأمني سيحول دون تنظيم انتخابات آمنة وشرعية. في ذات الوقت، هناك شخصيات ليبية مثيرة للجدل كانت قد عبرت عن رغبتها في خوض الانتخابات الرئاسية، من ضمنها ابن معمر القذافي سيف الإسلام، يمكن أن ينتهزوا فرصة فراغ المجال الانتخابي لتقوية موقفهم المهزوز سياسيا.

هذه الديناميكيات الداخلية تقع، بطبيعة الحال، فريسة سهلة لمصالح اللاعبين الإقليميين أيضا. منذ أن شن حفتر حربه على الفصائل الإسلامية في عام 2014، تتنافس كل من مصر والإمارات العربية المتحدة وقطر وتركيا – والسعودية بقدر أقل – على بسط النفوذ على مستقبل ليبيا السياسي. حتى الآن، هذه القوى تمكنت من تحقيق التوازن فيما بينها، مما أدى إلى حالة من الجمود سمحت لهذه البلاد أن تضع ليبيا في آخر الأولويات. هناك أولويات إقليمية أخرى مثل حربي سوريا واليمن، والخلاف الناشب بين أعضاء مجلس التعاون الخليجي، ومغازلة اللاعبين الجغرافيين السياسيين الأكبر. هذه الأولويات أخذت اهتماماً أكبر مقارنة بالترتيب المستقر نسبياً داخل ليبيا. إلا أن هذا الترتيب يعتمد على استمرار قيادة حفتر. قد يهز موته أو عجزه هذه الديناميكيات ما يفتح الباب مرة أخرى أمام الغموض وعدم وضوح الرؤية.

لم تخف كل من مصر والإمارات سرا أنهما تنظران للإسلاميين بوصفهم تهديد وجودي لنظام إقليمي مستقر. تدعم الإمارات، بشكل كامل، حملة السيسي ضد الإسلاميين في المنطقة، وتوفر الدعم المالي للحكومة المصرية من أجل هذا الهدف – بخلاف تدابيرها الخاصة ضد مؤيدي الإسلام السياسي في بلادها. كل من الحكومتين قامتا بعمليات شبه سرية في ليبيا، موجهين ضرباتهم الجوية ضد الميليشيات الإسلامية، وذلك لتوفير دعم لقوات حفتر في عام 2014 (بالرغم من إنكار تورطهما). على الرغم من أن مصر أقل تدخل نيابة عن حفتر، إلا أنها شنت هجمات ضد أهداف لتنظيم داعش في عمليات انتقامية لقتل المصريين المسيحيين في عام 2015. لم يحدث أن فعلاً كبيرا كهذا قد تكرر منذ ذلك الوقت، إلا أن الأمم المتحدة اتهمت في تقرير لجنة عقوبات ليبيا في عام 2018، والذي لم ينشر بعد، البلدين بانتهاكات مستمرة لحظر السلاح عبر تدريب وإمداد القوات المعادية للإسلاميين، وفقا لبعض المقتطفات المسربة من التقرير. هذه السياسات تشي بأن مصر والإمارات ستتدخلان مرة أخرى عسكرياً إذا ما رأوا أن ليبيا ما بعد حفتر تنحاز للإسلاميين.

تميل كل من تركيا وقطر، بشكل معتاد، إلى موقف يؤيد الإسلاميين، لكنهما مشغولتان بمشاكلهما الإقليمية. احتفظ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بسياسة فتح الباب للإخوان المسلمين المنفيين، وهاجم بشكل علني الرئيس السيسي بسبب سياساته ضد الإسلاميين. كما أن دعم تركيا للإسلاميين المتمردين في سوريا أمر موثّق. إن تركيا منخرطة بشكل كبير في عدة جبهات مع لاعبين إقليميين وجيوسياسيين في محاولاتها للسيطرة على حدودها مع سوريا، وحملتها ضد القوات الكردية، والتوترات مع الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي حول اللاجئين والأمن. وبالنظر إلى كل هذا التوسع المفرط، فإن ليبيا من الأرجح أنها تأتي في آخر قائمة أولويات تركيا. بالإضافة إلى ذلك، دفعت محاولات قطر لبسط نفوذها الإقليمي، بشكل ما عبر الانخراط مع الإسلاميين والجماعات الجهادية، إلى الرهان على الإسلاميين في ليبيا أيضا. إلا أن الديناميكيات الحالية تعوق بشدة قدرتهم على توفير أي مساعدة ذات بال. كما تواجه قطر غضب جيرانها من دول الخليج (بالأساس السعودية والإمارات) بسبب انحيازها للإسلاميين، واختياراتها المستقلة فيما يتعلق بسياساتها الخارجية. هذا التوتر أدى إلى أزمة دبلوماسية وحظر على الحدود القطرية منذ يونيو/حزيران 2017، مما يقلص من قدرتها على تقديم المساعدة للقوات الإسلامية الليبية.

تشير الديناميكيات العامة إلى فصائل متجذرة داخل الجيش الوطني الليبي، الذي يعاني من الضعف، لديها رغبة في التحرك ودفع اجندتها الخاصة للأمام. على المستوى الإقليمي، فإن القوات المعادية للإسلاميين لديها رغبة وقدرة أكبر في العمل من أجل دعم الجيش الوطني الليبي ومجلس النواب للدفاع عن موقفهم. إذا اختارت الميليشيات الإسلامية الهجوم، فإن الأرجح أن مصر والإمارات ستتدخلان عسكريا، حتى وإن تدخلتا عبر عمليات عسكرية سرية. إن موقفهما ضد الإسلاميين محفز كبير لهما للعمل كمفسدين لأي اتفاق سياسي يمكن أن يزيد من نفوذ الإسلاميين. تشير كل هذه العوامل إلى أن انعدام الاستقرار المتزايد الذي تعاني منه ليبيا قد يتسبب في المزيد من الضحايا وانعدام الأمن والتشريد، وفتح الأبواب لمزيد من اللاجئين الذي يتدفقون عبر البحر المتوسط، والأوضاع التي يمكن أن تسمح للجماعات الإرهابية للظهور مرة أخرى. كيف يمكن للاعبين الليبيين والدوليين الحيلولة دون حدوث هذا السيناريو الكارثي؟

الإجابة على هذا السؤال تكمن في قدرة مبعوث الأمم المتحدة، غسان سلامة، على المضي قدماً في المفاوضات بين حكومة الوفاق الوطني ومجلس النواب، والتي سيعول عليها بشكل كبير في المحاولة للحفاظ على النظام في الشرق إذا ما تفكك الجيش الوطني الليبي. يحتاج سلامة أيضا إلى إقناع مصر والإمارات بإن أي هجوم من جماعات إسلامية مارقة لا يجب أن يكون سبباً لتدخل عسكري. إذا نجح، فإن ذلك سيساعده في الحفاظ على الأمن الكافي لإجراء انتخابات ذات مصداقية، وخلق مساحة للتفاوض بين حكومة الوفاق الوطني ومجلس النواب لتطبيق الاتفاق السياسي الليبي. ومن أجل تحقيق هذا النجاح، فإن الأمر يتطلب دعماً غير مسبوق – عام وخاص – من الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش والدول الأعضاء. بالرغم من وجود هذا الأمل، إلا أن سلامة ليس لديه سوى فرصاً قليلة جداً لتحقيق النجاح. على الأرجح، سوف تصطدم المصالح الضيقة في ليبيا في سياق سلسلة من الأحداث تؤدي إلى خلق إقطاعيات مجزأة منخرطة في صراع على السلطة المحلية. إلا أن، حتى الفرصة الضيقة لتأمين مستقبل أفضل لليبيا أفضل من انعدامها بالكلية.

اشترك في نشرتنا English

مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط

بقيادة خبراء مقيمين، يقوم مركز رفيق الحريري بدراسة قضايا حل النزاعات وإعادة الإعمار/الإصلاح الاقتصادي، والتغيرات المجتمعية.

شاهد أيضاً

العلاقة المتصدعة بين الطائفة العلوية ونظام الأسد

العزلة التي فرضها العلويين على أنفسهم ودعمهم القوي للنظام ضمن لهم أمنهم، إلا أنه وضع الطائفة تحت تهديد. أتى ولائهم للأسد بثمن كبير، حيث أصبحوا هدفاً لانتهاكات حقوق الانسان نظراً لصلاتهم بالنظام.

خريطة المليشيات المسلحة في طرابلس

ظهرت المجموعات المسلحة في كل ركن في البلاد، ولكن يمكن ملاحظة هذا الانتشار والتعقيد لهذه المجموعات المسلحة في العاصمة طرابلس والمناطق المحيطة بها.

ما وراء الأمن: تحديات تواجهها الدولة العراقية

نشر المجلس الاطلنطي تقريره عن أهم التحديات التي تواجهها الدولة العراقية. في هذا التقرير يتناول د. حارث حسن، كاتب التقرير، التحديات الاجتماعية-الاقتصادية وقضايا إدارة الدولة في عراق اليوم.