هل يمكن أن تضع ليبيا العربة أمام الحصان؟

هل يمكن أن تضع ليبيا العربة أمام الحصان؟

في أعقاب تجديد مجلس الأمن بعثة الأمم المتحدة في ليبيا في سبتمبر/أيلول الماضي، يجري حاليا في ليبيا استكمال لجهود الوساطة التي تقودها الأمم المتحدة والتي يقوم بها ممثل خاص جديد للأمين العام. تأمل الأمم المتحدة مرة أخرى في التوصل إلى اتفاق بين الأطراف الفاعلة الرئيسية في الأزمة الليبية مع ضمان إرادة الشعب الليبي في رفض الاستبداد وإقامة نظام سياسي تعددي يحترم حقوق الإنسان والحريات الفردية. ويتبع السيناريو نمطا مألوفا: خارطة طريق للأمم المتحدة تمهد الطريق للانتخابات الكبرى، لكن الجمود في ليبيا والعوامل المختلفة منذ بداية الأزمة السياسية قد يتطلب تفكير غير تقليدي وحلولًا عكسية.

آخر وسيط للأمم المتحدة هو الأستاذ اللبناني غسان سلامة، وهو باحث محترم وسياسي معروف بكل الصفات اللازمة للنجاح في المهمة الصعبة المتمثلة في بناء توافق في الآراء بين الفصائل الليبية المنقسمة. وعندما اجتمعت الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول، كشف سلامة عن خطة عمل تتضمن تعديل الاتفاق السياسي الليبي، الذي تم توقيعه في 2015، وعقد مؤتمر وطني، واعتماد الإطار الدستوري والانتخابي لإجراء الانتخابات في أقرب وقت ممكن بعد ذلك.

من المقرر أن تجتمع لجنتان من كل من الائتلافات المتنافسة (مجلس النواب في طبرق ومجلس الدولة العليا في طرابلس) في تونس، من أجل التوافق على تعديلات محدودة في الاتفاق السياسي الليبي. وسوف يتبعه المؤتمر الوطني، مما يسمح لممثلي مختلف المجموعات والقطاعات في المجتمع الليبي بتقديم رؤيتهم لمستقبل ليبيا. ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان المؤتمر سيعين مجلسا رئاسيا منقحا ورئيسًا جديدًا للوزراء أو إذا كان التعديل سيجري بالفعل. وفي كلتا الحالتين، تقوم جمعية صياغة الدستور (المنتخبة في فبراير 2014) بإكمال مشروع الدستور الجديد وإجراء استفتاء وطني للموافقة عليه. وبمجرد الموافقة عليها، ستنظم السلطات الانتقالية الجديدة انتخابات رئاسية وتشريعية، وتحول ليبيا أخيرًا إلى نظام مؤسسي أكثر استدامة وشرعية.

إن التسلسل في خطة عمل الأمم المتحدة يعتبر واعدًا بشدة، ولا سيما اللحظة التأسيسية التي سيخلقها المؤتمر الوطني في تحديد الهوية الليبية والعلاقة بين المواطن والدولة. إن الاندفاع إلى الانتخابات في عام 2012 قبل بدء مؤتمر وطني بلور الانقسامات على الأرض، مما جعل التعاون والتنسيق مستحيلا تقريبا بالنسبة لبلد خرج لتوه من ثورة دموية. وبدون لحظة تأسيسية تركز على المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية (من بين قضايا أخرى) فإن هذه القضايا تم تنحيتها لصالح صراعات القوة بين المصالح الضيقة، الأمر الذي أدى إلى الأزمة الحالية. ومن ثم فإن أي خطة سوف تصحح هذا الخطأ. ولكن هل هذه هى نفس ليبيا التي عرفناها في السابق؟ أم أن الظروف تختلف اليوم وتحتم تعديل الخطوات المؤسسية التي يستشرفها سلامه؟

بعد خمس سنوات من الاضطرابات السياسية، ليبيا لم تعد سوى ظل من صورتها السابقة، لم يشهد الليبيون أبدا الظروف المعيشية تتدهور بشدة إلى هذا الحد، أدى النقص المتكرر في الكهرباء والمياه وارتفاع أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية وانعدام السيولة النقدية وسوق سوداء مزدهرة إلى تدهور مستوى المعيشة وعزز حالة انعدام القانون. إن الفساد المتفشي وارتفاع معدل الجريمة يضاعفان من الخطر الذي يهدد الأمن بسبب استمرار القتال بين الميليشيات، ويشعر المواطنون العاديون بإحساس حقيقي بالحاجة الملحة لحل الأزمة قبل أن تتحول إلى حالة طوارئ إنسانية، وهنا تشكل خطة الأمم المتحدة جناحا ضعيفا.

يتوقع مسؤولو الامم المتحدة وغيرهم من المنظمين أن يعقد المؤتمر الوطني خلال ثمانية أو تسعة أشهر دون ضمانة للنجاح. مثل هذه الفترة الزمنية الطويلة تمنح المفسدين الوقت الكافي للعمل ضد الانتهاء بنجاح من هذه العملية. ويمكن للمنظمات الإرهابية أن تجري هجمات مدمرة للمحافظة على زعزعة الاستقرار الذي تزدهر فيه. بدوره، يمكن للجنرال خليفة حفتر أن يختار الاستيلاء العسكري على البلاد بدلا من أن يتعرض لخطر الانهيار الكامل للأمن العام. ومن شأن هذا الإجراء أن يقتل أي حلم في تحقيق نظام سياسي مفتوح وتعددي في ليبيا، ولا يوفر أي ضمان في تحقق الأمن والنظام. وبالنظر إلى الظروف، تظهر فكرة أكاديمية غير تقليدية: هل من شأن إجراء انتخابات قبل الموافقة على الدستور وعقد المؤتمر الوطني أن يكون بديلا أفضل؟

إن الذهاب مباشرة إلى الشعب لتعيين الرئيس والبرلمان من شأنه أن يتجاوز انعدام التنسيق وجميع التناقضات القانونية حول صلاحية مجلس النواب والاتفاق السياسي الليبي، وخلق هيكل مؤسسي واحد يمكنه التعامل مع الجهات الفاعلة الإقليمية والمجتمع الدولي من موقف شرعي أقوى بكثير. ويمكن طلب الدعم الدولي ضد المفسدين وإثناء الجهات الفاعلة المحلية عن تولي السلطة بالقوة. ويمكن للحكومة الجديدة التي تعينها الهيئة التشريعية الجديدة أن تعمل فورا على إعادة تشغيل الاقتصاد وتوفير الخدمات العامة التي تشتد الحاجة إليها، وهي خدمات من شأنها أن تظل غائبة في الفترة الانتقالية المؤدية إلى المؤتمر الوطني.

هناك اعتراضات على فكرة إجراء انتخابات مبكرة كثيرة ووجيهة من الناحية العملية، هناك مشكلة الأوضاع الأمنية المتردية وصعوبة ضمان مشاركة المشردين داخليا، ومن الناحية النظرية، هناك الخطر الملموس المتمثل في وجود قوة منتصرة لا تلتزم بأي إطار قانوني، ولكن لا شيء ينفي بالضرورة الفكرة. ويمكن للجهات الفاعلة الدولية (على الأقل تلك المهتمة اهتماما كبيرًا بمساعدة ليبيا) أن تقدم دعما محوريا لوجستيا وتقنيا للانتخابات. ويمكن أن تشمل هذه المساعدة التنفيذ الفعلي للعملية، وإرسال مراقبين لضمان انتظام العملية الانتخابية ورصد سلوك المفسدين والقيام بجهود دبلوماسية لمنعهم من الإضرار بالعملية. وستكون المشاركة الدولية ضرورية أيضا لوضع مجموعة من الشروط للحد من أو منع أي طرف منتصر من إساءة استغلال موقفه في ظل عدم وجود دستور.

يجب على وسطاء الأمم المتحدة والنخبة السياسية الليبية النظر على الأقل في فكرة إجراء انتخابات مبكرة. وعلى الرغم من العقبات والصعوبات التي لا تعد ولا تحصى، فإن اجراء الانتخابات يمكن أن يوفر قدرا من الحكم الذي يمكن أن يقطع شوطًا طويلًا في إنشاء المؤسسات اللازمة لتحقيق النظام والأمن والازدهار للسكان المتعبين جدا.

اشترك في نشرتنا English

كريم ميزران

هو كبير باحثين في مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، حيث تركز اهتماماته البحثية على عمليات التغير في منطقة شمال افريقيا.

شاهد أيضاً

دير الزور: خط التماس القاتل

مع احتدام السباق نحو مدينة دير الزور شرق سوريا، تحاول قوات النظام السوري والقوات الرديفة لها والمدعومة من روسياً، السيطرة على المدينة ذات الأهمية الاستراتيجية الكبيرة، وذلك عبر التقدم في المنطقة شمال نهر الفرات

مصير إدلب يحدده الصراع بين هيئة تحرير الشام وروسيا

في أواخر شهر سبتمبر/أيلول، قصفت الطائرات الروسية مدينة حارم لأول مرة منذ بداية الثورة عام 2011، لم تسلم قرية أو مدينة في غرب إدلب من قصف الطيران الروسي هذه المرة، فقد شملت الغارات الجوية مدن حارم وإدلب وجسر الشغور وخان شيخون وبلدات جبل الزاوية.

كارثة صحية في الغوطة الشرقية

يتداعى الوضع الطبي في غوطة دمشق الشرقية، حصار النظام السوري على المنطقة مستمر منذ أربعة أعوام، ما ينذر بكارثة صحية قريباً، ضحيتها المدنيون الذين يحتاجون لعلاج يبعد عنهم عدة كيلومترات فقط في العاصمة دمشق، لكن لا يستطيعون الذهاب إليه.