في سوريا: حتى الكتب أصبحت سلاح مقاومة

يقلّب عامر صفحات الكتاب، وهو جالس في دهاليز مكتبة تحت الأرض، حيث يصنع لنفسه عالماً بعيداً عما هو موجود فوق تلك السلالم. وهو ممسك بكتاب “شرح المعلقات السبع” يشرح أنه يشعر بامتلاء روحه بالشعر، رغم أصوات الحرب في الخارج، تخرج شخصيات القصائد لتداعب مخيلته، فيصبح في مكان آخر، ويستطيع تجاهل ما يحيط به من القصف والموت.

بدأت فكرة انشاء المكتبة في مدينة داريا عن طريق المصادفة، وكأحد أشكال المقاومة، فبسبب كثافة قصف قوات النظام السوري على مدينة داريا، كان هناك مجموعة من الشباب، يذهبون إلى أماكن القصف بعد أن تخف وتيرته، للمساعدة في إجلاء المصابين أو دفن الموتى. وفي ظل هذه الظروف، كانت بقايا الكتب تناديهم، وأدرك أحدهم – عبادة (الملقب بأبو البراء)، أن هذه الكتب هي المنفذ الوحيد، لكي يحصل على العلم أو الثقافة الذي حرم منها بسبب الحرب.

يذكر عبادة حين كان يذهب إلى المنازل التي قد تعرضت للقصف، ويجلس بين الركام لكي يقرأ بعض الكتب، كان يشعر بنوع من الإدمان، فأخذ يبحث عن الكتب، كبحثه عن فقيد بين الأنقاض، ليجد كتاباً من الكتب المفضلة له.

يقول عبادة إن التسلية في مدينة محاصرة تتعرض لكل أنواع القصف تكاد تكون معدومة، وهو من هواة القراءة، ويجدها نوع من الثورة أيضاً، لأنها تعطي بعدًا للعقل، ووجهات نظر لم يكن يعرفها الشخص قبلاً. 

بدأت عملية جمع الكتب كمبادرات فردية، حيث كان الشباب يأخذوا الكتب، ويسجلوا أسماء أصحاب المنازل التي وجدت فيها تلك الكتب، ثم يضعوها في مكان آمن نسبياً، ولكن مع اقتناع الشبان الموجودين في المدينة أن انهاء الحرب ليس بالأمر القريب، أخذوا يفكرون بجدية أكثر، وهكذا أصبحت المبادرات الفردية مبادرة مشتركة بين المثقفين المحاصرين في المدينة، والشبان الذين تخلفوا غصباً عن دراستهم الجامعية، وبعض المقاتلين في الجيش السوري الحر.

كانت الفكرة عبارة عن فرصة لخلق حياة موازٍية للموت والدمار في المدينة، وكان لابد من البحث عن مكان آمن نسبيا، حيث توضع فيه هذه الكتب، ولذا في مارس/آذار 2014 عرضوا الفكرة على صاحب قبو في بناء بعيد إلى حد ما عن أماكن القصف المعتادة، وطلب القائمين على المبادرة من صاحب القبو استخدامه في حفظ الكتب التي يعثرون عليها، وعمل مكتبة توضع فيها هذه الكتب، ورغم أن صاحب القبو ليس موجودا في المدينة، فقد وافق على التبرع بالمكان، أما تجهيزاته فكانت عن طريق تمويل ذاتي من بعض الشباب، الذين جمعّوا ألواح خشبية لبناء الرفوف، وقد استفاد الشباب من عمل الكثير من سكان المدينة في مهنة النجارة، حيث شارك هؤلاء في المبادرة بفائض المواد التي يمتلكونها.

يذكر عامر تماماً اليوم الأول بعد الانتهاء من انشاء المكتبة، حيث كان هناك عشرات الكتب منثورة على رفوف خشبية في قبو قديم، ولكن مع استمرار الوقت، وإحساس الشباب بوجود الدافع والاهتمام، وجدوا أنفسهم منغمسين في هذا المشروع، الذي غيّر بعض الشيء من رتابة حياتهم، مع تعودهم على حياة القصف وأجواء الحرب، حيث أضافت المكتبة بعضا من المتعة والحياة الطبيعية، التي كان يجب أن يعيشوها لولا ظروف الحرب.

أغلب الشبان الذين تطوعوا في هذا المشروع كانوا قد تركوا مجبرين دراستهم الجامعية، مثل عامر الذي لم يستطع أن يكمل دراسته في جامعة دمشق في تخصص الأدب العربي، أحس هؤلاء بفراغ أخذ يتضاءل مع ازدياد عدد الكتب عن مواضيع مختلفة، حتى أنهم قرأوا عن فهرسة الكتب وتصنيفها، وأخذوا يطبقوهما حتى لو بشكل بدائي.

حين تدخل المكتبة تجد المداخل محصنة بالرمل، الذي ساعد فريق الدفاع المدني في داريا في وضعه، كانت الاضاءة داخل المكتبة معتمدة على ضوء الشموع في أغلب الأوقات، إلا أن بناية مجاورة للمكتبة وافقت على أن تمد المكتبة بالكهرباء، عن طريق مولد كهرباء. الآن أصبحت المكتبة بالنسبة للعاملين فيها والزائرين مكاناً حقيقياً، تحول من كونه حلماً يداعب خيالات الشبان والأطفال إلى أمر واقع.

يقول عامر عن علاقة الجيش الحر بمشروع المكتبة أن

“كثيرا من المتطوعين في بداية تجميع الكتب كانوا من مقاتلي الجيش الحر، كما أن كثيراً من زوار المكتبة كانوا من الجيش الحر، ولحسن حظنا لا يوجد فصيل آخر، فلم نتعرض للمضايقات، بل بالعكس كانوا من أهم العناصر التي أنجحت المشروع، لأنهم من أبناء هذا البلد، ويعرفون طبيعته وأهله، ويخبرونا بأماكن القصف، ويزودوننا بالكتب في كثير من الحالات.”

أما المجلس المحلي فقد أعار الشباب الآليات اللازمة لنقل الكتب وبناء الرفوف، وحث الشباب على متابعة هذا المشروع والتطوع فيه، وكان من أبرز المساهمين معنوياً وحتى لوجستياً في كثير من الأوقات.

لم يخطر ببال عبادة سؤال ما الذي سيستفيده المجتمع من هذه المكتبةـ لأنها، حسب وصفه، بدأت كحالة فردية، لكنها سرعان ما أصبحت حالة اجتماعية، حيث يجتمع الشباب في المكتبة، وخاصة في أوقات ازدياد القصف، ليجدوا ملاذاً ليس فقط من الحرب، وإنما من الاكتئاب وخيبة الأمل أيضاً، فأصبحت طقساً تشاركياً، وقد شكل الشباب نادياً للكتاب، حيث يجتمعوا بعد قراءة كتاب ما لمناقشته، ومن أكثر الكتب قراءة هي رواية “الكيميائي” لباولو كويلو، وهناك اهتمام متنوع بالكتب ومحتوياتها، حسب الأشخاص وتوافر الكتب.

ويقول عبادة

بعد عدة أشهر من انطلاق المكتبة، لم يعد يلق أمر قراءة الكتب في المكتبة نفسها ترحيباً من عدد من السكان، فأنشأنا نظاما مبدئياً لإعارة الكتب، حيث يحوي اسم الكتاب، واسم الشخص الذي قام باستعارته والتاريخ، وتتم المطالبة بالكتاب بناء على هذه المعلومات. لم يكن الموضوع سلساً دائماً حيث تتناسب قدرتنا على الاهتمام بهذا المشروع عكساً مع الحصار والقصف على المدينة.”

ويستكمل قائلاً

“الأطفال هم المتأثرون الأكبر في الحروب، وهذا ما لاحظناه بالطبع في حياتنا هنا، لذلك حاولنا أن نتفاعل معهم أكثر، من خلال جلسات وورشات للقراءة، أو حتى قراءات جميلة لقصص أطفال، حتى تبدو وكأنها مسرحية. وجد الأطفال في المكتبة المكان الأنسب لإعادة إدماج أنفسهم في عالم بدأوا يشعرون بالغربة عنه، وخاصة أن المدرسة لا تستطيع أن تفتح أكثر من ساعتين يومياً، بسبب القصف المستمر. لذلك، يمتنع الأهل عن إرسال أطفالهم إلى المدارس، ولأن النشاطات تتم في المكتبة ولوقت قصير وفي أوقات نسبياً هادئة، كان الأهل مشجعين على الفكرة، بل وشاركوا أحياناً ببعض القراءات أو استعارة الكتب، والقيام بهذه الأنشطة في المنزل، مما شجعنا على الالتزام، فأخذنا نبادر بعمل دروات حسب الحاجة في مجتمعنا المحيط، فوجدنا الحاجة لتعلم اللغة الانجليزية أو محو الأمية لكبار السن وفعلاً بدأنا بها. وأخذنا بالتوقف مراراً بسبب سوء الأوضاع الأمنية.”

كان للهدنة التي تم الاتفاق عليها 26 فبراير/شباط هذه السنة وقع كبير على مدينة داريا، حيث بدأ الشباب يوسعون أعمالهم، بما فيها البحث عن كتب بين الأنقاض، والمطالبة بالكتب المستعارة، ومحاولة تهوية الكتب، وإعادة البحث عن نظام تصنيف أدق وأشمل. ولكن مع رجوع العنف من المتوقع أن تعود أجواء الحرب، وتعود الحياة إلى رتابة القصف والدمار.

Read in English

رهف حبُّوب

صحفية سورية.