سجن عفرين الأسود

سجن عفرين الأسود

اشترك في نشرتنا

في مهجع مساحته، لا تتناسب مع عدد القاطنين فيه، تقدر بـ 126متر مربع، يقبع 68 سجين موزعين حسب الأيام التي قضاها كل منهم في المهجع داخل سجن راجو، أو السجن الأسود كما يسميه سجنائه، الواقع في منطقة عفرين. كلما زادت الأيام التي يقضيها السجين في المهجع يبتعد تدريجياً عن النوم بجوار الباب. ينام ويجلس المعتقلون الجدد بالقرب من باب المهجع، يكفون أقدامهم كلما فتح السجان الباب، ويمدونها عندما يُغلق الباب. إنارة خافتة تسمى ليد (وهى نوع من المصابيح الكهربائية التي انتشر استخدامها بعد اندلاع الثورة لأنها لا تستهلك الكثير من الكهرباء). وتحت الإنارة الخافتة توجد صورة قديمة لـ عبد الله اوجلان قائد حزب العمال الكردستاني – وهو مجموعة متمردة ناشطة في تركيا منذ ثمانينيات القرن الماضي، وتطالب بحق تقرير المصير للأكراد.

تقع عفرين تحت سيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي، وهو الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني، ويتبع الحزب وحدات حماية الشعب، وهى مليشيا عسكرية تشكل المكون الرئيسي في قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي تدعمها الولايات المتحدة. قامت قوات قسد بالعمليات الرئيسية ضد تنظيم داعش في غرب نهر الفرات، كما أنها تقاتل ضد القوات العربية المتمردة المدعومة من تركيا في غرب الفرات، في سياق العملية العسكرية التركية غصن الزيتون.

أحمد رسلان يبلغ من العمر 24 عاماً وكان يعمل مدرساً في أحد مدارس حي طريق الباب، وكان يقطن في الحي. حي طريق الباب وهو أحد أحياء حلب الشرقية التي سيطر عليها النظام أواخر عام 2016. مع سيطرة النظام على الحي، خرج رسلان مع قوافل مقاتلي المعارضة السورية نحو ريف حلب الغربي. وعلى حاجز قرية الغزاوية التي تسيطر عليه قوات قسد حينها، تم إيقافه واعتقاله بتهمة أنه إعلامي ومشارك في المظاهرات المناهضة للنظام السوري.

منذ اندلاع الثورة والعلاقة بين الأكراد ونظام الأسد تتسم بالغموض، تحدث بعض المراقبين للأوضاع في سوريا بأن هناك تفاهماً بين نظام الأسد وحزب الاتحاد الديمقراطي، وجناحه العسكري، هذا الغموض دفع بعض الأطراف إلى اتهام الأكراد بالتحالف مع نظام الأسد.

صدر الحكم على رسلان من قبل قاضية تحدثت بداية باللغة الكردية أمامه، ثم حكمت عليه “باسم الشعب” بالسجن لمدة عام. تم نقل رسلان من سجن مخفر الغزاوية حيث – تم اعتقاله بالسجن الانفرادي لمدة شهر – إلى سجن راجو الأسود الكائن على أطراف بلدة راجو بريف حلب الشمالي. حيث قضى مدة اعتقاله كاملة هناك.

سجن راجو هو سجن سيء السمعة بحسب شهادة من تم اعتقالهم فيه. في هذا السجن لا تشاهد إلا السواد، يقول رسلان “في سجن راجو لم أستطع رؤية يديي في السجن الانفرادي، ولهذا تمت تسمية السجن بلقب السجن الأسود لصعوبة رؤية شيء داخل الزنزانات الانفرادية، حتى من يشاركك الغرفة ذات المساحة متر بمتر مربع”.

يقع سجن راجو على طريق عفرين – راجو، كان المبنى بالأساس معصرة زيتون متوقفة عن العمل، تحيط بها الكثير من أشجار الزيتون، التي تشتهر مدينة عفرين بزراعتها. حولت وحدات حماية الشعب الكردية المعصرة إلى سجن خاص بمعارضيها بداية من النصف الثاني من عام 2012، حيث يتم فيه اعتقال كل من يعارض فكر حزب الاتحاد الديمقراطي من أكراد وعرب.

يبتسم رسلان بعد أن انزاحت تشنجات عصبية عن ملامح وجهه أثناء الحديث عن قصة اعتقاله، وأردف قائلاً “من فترة تواصل معي شخص على موقع فيسبوك، وأخبرني أنه وجد اسمي على الفيسبوك، وأرسل لي طلب صداقة ليعرفني عن نفسه.” وبالرغم من مشاركة أحمد لهذا الشخص السجن لمدة 26 يوماً، فقد رأى من كان يشاركه الغرفة الانفرادية لأول مرة عن طريق موقع فيسبوك.

لا تقتصر مساوئ سجن راجو على الحبس الانفرادي، بل تمتد للتعذيب الذي يتعرض له السجناء فيه. تختلف أساليب التعذيب داخل السجن الأسود باختلاف التهم الموجهة للمعتقل، فمنهم من يتم وضعه فقط في السجن الانفرادي، وأخرين يتم صعقهم بالكهرباء. وفي حال لم يعترف المعتقل بالتهم الموجهة له من قبل المحققين، يتم وضعه في جورة تسمى بـ الجورة الانفرادية، وهى عبارة عن حفرة ذات عمق مترين، يتم وضع المعتقل فيها واغلاق الباب من فوقه دون وجود أي متنفس. ولا يخرج المعتقل من الجورة حتى يعترف بالتهم الموجهة ضده.

يقول رسلان “تم وضعي في الجورة لمدة ستة أيام، قام الحراس بتكبيل ذراعي للخلف وعصبوا عيناي، ومسك بيدي أحد السجانين، وأخذ يدور في باحة السجن، ويدخلني إلى المهاجع، ثم يخرجني إلى الباحة. تحسست ذلك من تغير حرارة الجو. تم رميي في جورة رطبة، لا أر فيها شيء، ويوجد فيها رائحة غائط، صرخت ولم يرد علي أحد. أسمع صوت خطوات، كل يوم تفتح الطاقة من الأعلى، ويرمى فوقي كيس ماء وعلبة بلاستكية فيها برغل ورغيف خبز.

بعد ستة أيام أخرجوني منها للاعتراف أنني شاركت في المظاهرات ضد نظام الأسد، وحملت السلاح بوجه الجيش السوري والمليشيات الشيعية المساندة له عند بدء حملة السيطرة على مناطق حلب الشرقية أواخر عام 2016.

بشهادة معتقلين سابقين في سجن راجو، يضم السجن 7 مهاجع اسمنتية مبنية، تم بنائها على عجل. يقبع فيها بين الـ 800 و1000 معتقل موزعين بين المنفردات التي يصل عددها إلى 21 وثلاثة جور انفرادية. أغلب المعتقلين هم من مواطنين كرد من مدينة عفرين، لهم خلفيات سياسية مخالفة لفكر وحدات حماية الشعب، ومواطنين عرب من المناصرين للثورة السورية.

بعد وصول قوات النظام السوري والمليشيات الشيعية المساندة لها إلى مدينتي نبل والزهراء بريف حلب الشمالي في فبراير/شباط 2016، تم قطع الطريق الواصل بين مدينة حلب وريفها الشمالي، ما دفع الكثير من مقاتلي المعارضة، مثل الجبهة الشامية وفرقة السلطان، ونشطاء في مجال الإغاثة والإعلام إلى المرور من مدينة عفرين قاصدين ريف حلب الشمالي هرباً من قوات النظام. في الطريق إلى ريف حلب الشمالي، كان الكثير منهم عرضة للاعتقال على أيدي وحدات حماية الشعب الكردية، وأصبح السجن الأسود محطة إقامة للكثير منهم. وهذا ما حدث مع محمد أرحيم مواطن سوري من مدينة حلب، حيث كان من ضمن هؤلاء المعتقلين.

قُتل والد أرحيم في المعارك التي سيطر فيها النظام على أحياء حلب الشرقية. خرج أرحيم من مدنية حلب قاصداً مدينة أعزاز في ريف حلب الشمالي حيث منزل جده. ولكن بسبب فيديو قام بتصويره ويُظهِر فيه الدمار الحاصل في حي الشعار بمدينة حلب إثر قصف الطيران الروسي تم استجوابه على أنه أحد مقاتلي المعارضة، ليحكم عليه بالسجن لمدة ستة أشهر تحت ذمة التحقيق في السجن الأسود. يقول أرحيم “كانوا يهددوني في حال لم أعترف بتسليمي للنظام السوري عند حاجز قرية الزيارة الذي تسيطر عليه قوات النظام السوري.”

يقول روني علي، أحد أبناء مدينة عفرين، “لولا قطع الطريق بين ريفي حلب الشمالي والغربي، واضطرار مقاتلي المعارضة بالمرور عبر عفرين، لما ظهرت إلى العلن انتهاكات وحدات حماية الشعب في السجن الأسود. كان السجن مخصص فقط لمعارضي وحدات حماية الشعب من الأكراد، إذ كانت تحتجز فيه أعضاء حزب الحزب الديمقراطي الكردستاني PDK.” وقد تحدث أكراد سابقون عن الانتهاكات، ولكن لم يسلط الاعلام الضوء على قصصهم، وخاف البعض الأخر من الحديث حتى لا يتم اعتقال أهاليهم إذا ما تحدثوا عن معاناتهم في سجون قوات وحدات حماية الشعب. ولكن بعد خروج مقاتلي المعارضة من سجن راجو تحدثوا لوسائل الإعلام عن معاناتهم، وتم فضح الانتهاكات داخل السجن الأسود. كما ساعد على كشف الانتهاكات التي تتم داخل السجن عمليات تبادل الأسرى بين فصائل الجيش الحر وقوات وحدات حماية الشعب من وقت لأخر.

يقول أحمد رسلان “كنت أطيل النظر بصورة الرجل المعلقة تحت إنارة المهجع، والمذيلة بعبارة مكتوبة باللغة الكردية والعربية “الحرية لأبو أوجلان”. التحقيق مع المتهمين في سجن راجو كان يتم باللغة الكردية، وكانوا يحضرون لنا كتب من تأليف عبد الله اوجلان، ونسخ من أعداد جريدة روناهي الصادرة عن الإدارة الذاتية لوحدات الحماية YPG”. يضيف رسلان أنه “تم وضع أحد المعتقلين في الجورة الانفرادية بعدما شاهده أحد السجانين يضع الطعام على ورق الجريدة.”

يقول محمد إرحيم أنه اعترف على تهم لا يعرف معناها، إذ كان المحقق يتكلم باللغة الكردية بسرعة وبين عدة جمل يتكلم جملة بالعربية وهي “صحيح هالحكي يا محمد؟” لأومئ له برأسي بنعم خوفاً من العودة إلى السجن الانفرادي أو نقلي إلى سجن المغارة. سجن أمني أخر عبارة عن مغارة في قلب جبال راجو.

بعد أن سيطرت فصائل من الجيش الحر المدعومة من الجيش التركي ضمن عملية غصن الزيتون على مدينة عفرين وريفها في مايو/أذار عام 2018، وتم إطلاق سراح من وجدوه من معتقلين داخل السجن الأسود. إلا أن البعض ما يزال مفقوداً يسأل ذويهم عن مصير أبناءهم دون إجابة واضحة. ليظل السؤال هل نفذت قوات قسد تهديدها للمعتقلين أثناء عملية التحقيق وسلمتهم لقوات النظام السوري أم لا؟

مصير سجن الأسود بعد تحريره غير معلوم، ومن غير واضح إن كان سيتم اغلاقه أم ستستمر فصائل الجيش الحر في استخدامه على سجن. العديد من المعتقلين السابقين داخل السجن رفضوا العودة إلى المنطقة بعد تحريرها من سيطرة وحدات حماية الشعب. وعلى الرغم من رحيل وحدات حماية الشعب عن المنطقة إلا أن أحمد رسلان ومحمد أرحيم يرفضون العودة إلى المنطقة خوفا من تذكر الأيام العصيبة التي عاشوها في سجن راجو الأسود.

اشترك في نشرتنا English

خليفة الخضر

مصور وكاتب سوري حائز على جائزة سمير قصير لحرية المقال والرأي عام 2017، ومؤلف كتاب الكناعيص شهادات من سجون تنظيم الدولة في سوريا.

شاهد أيضاً

العراق: إعادة إنتاج مقتدى الصدر

تشير النتائج المبكرة إلى نجاح مفاجئ للصدر، وهو بالتأكيد إثبات وجود له، لكنه تحد يواجه النخبة السياسية العراقية، والتي كانت مرتبكة في طريقة التعامل معه. وهو أيضا تحد للحكم في العراق للمضي قدماً عقب الانتخابات نحو المرحلة التالية، في تشكيل الحكومة.

د. نصر الحريري: إرادة الشعب السوري لن تقبل بما يُرسم لها خارجيًا

يمر الصراع السوري بلحظة فارقة مع اقتراب الهزيمة العسكرية لتنظيم داعش، وتصاعد الحديث عن الحل الواقعي في سوريا. يتزامن كل هذا مع إجراءات تتخذها الإدارة الأمريكية للانسحاب من الصراع السوري. في هذا السياق عقدت مدونة مصدر سوريا مقابلة مع الدكتور نصر الحريري، رئيس هيئة التفاوض السورية، للوقوف على أخر تطورات ملف المفاوضات السياسية ومستقبل العملية التفاوضية.

نحو مؤتمر وطني حول مستقبل ليبيا

انتهت المفاوضات بين مجلس النواب الكائن في طبرق والمجلس الأعلى للدولة – وهو المؤسسة الاستشارية لحكومة الوفاق الوطني المعترف بها دولياً – بشكل غير مكتمل وغير ناجح في أكتوبر/ تشرين الأول.