ما وراء تصريحات أوردغان الرافضة لرئيس الوزراء العراقي

تغيرت سياسة تركيا تجاه العراق بشكل كبير في منتصف العقد الماضي، فقد تخلت تركيا ضمنياً عن سياساتها بشأن عراق واحد؛ منذ عام 2010، قامت تركيا بإتخاذ خطوات تهدف لتعميق التحالفات مع الجهات السياسية الفاعلة والملتزمة بأبعد حد من اللامركزية – وبالتالي على المدى الطويل تفكيك الدولة العراقية، وتمثل هذه السياسة إنهاءاً حاداً لتاريخ تركيا في الدعوة لقيام دولة عراقية قوية ومركزية، دون وجود منطقة كردية مستقلة وقوية.

وتجلت دعوة تركيا الضمنية لمزيد من اللامركزية في الدولة العراقية من خلال التحالف مع محافظ نينوي السابق، أثيل النجيفي، وشقيقه أسامة، هذان الرجلان مقربين أيضاً من رئيس حكومة إقليم كردستان، مسعود بارزاني، والذي يرأس الحزب الديمقراطي الكردستاني في إقليم كردستان العراق؛ ويعمل أنصار النجيفي مع تركيا على تدريب ميليشيا مستقلة، بهدف المشاركة في القتال ضد تنظيم داعش، ولكنها ربما تُستخدم أيضاً في الدفع باقتراحهم طويل الأمد بخصوص إنشاء منطقة إتحادية في نينوي، على غرار تلك التي تديرها حكومة إقليم كردستان. وقد دفع دعم تركيا لهذه السياسة، جنباً إلى جنب مع علاقتها مع بارزاني – والذي يسعى حالياً لإجراء استفتاء بشأن استقلال الأكراد – بالسياسيين العراقيين للادعاء بأن أنقرة تعمل على تفكيك الدولة.

وقد ساعدت هذه الرواية بدورها على تمكين العناصر الوطنية العراقية من مختلف ألوان الطيف السياسي، ومن ضمنهم الكثير من الأحزاب ذات الأغلبية السنية والتي، لعدة أسباب، تشعر بالحاجة إلى العمل بشكل وثيق مع الحكومة المركزية العراقية، وذلك وفقاً للسياسات الداخلية العراقية.

بدأ التغير في السياسة التركية في عام 2010، وذلك بعد وقت قصير من عودة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي إلى السلطة، بالرغم من حصول حزبه على أصوات أقل من منافسه الرئيسي في ذلك الوقت، وهو تحالف العراقية ذو الأغلبية السنية. وأقامت تركيا علاقات وثيقة مع زعيم تحالف العراقية طارق الهاشمي، وقدمت الدعم للتحالف منذ إنشائه في عام 2009. وقد فر الهاشمي من العراق في عام 2012، ويعيش الآن في المنفى، وذلك بعد حصوله على حكم بالإعدام في محاكمة ذات دوافع سياسية، بينما تفكك تحالف العراقية في وقت لاحق. ويعتبر التحول في السياسة التركية بمثابة مخالفة للأهداف الأمريكية الحالية، المتمثلة في تعزيز الجيش العراقي، وترسيخ حد أدنى من الاستقرار السياسي في بغداد، كجزء من مخطط فترة ما بعد تنظيم داعش عقب عملية الموصل.

ويزداد هذا التحول في السياسة تعقيداً بسبب الجدل في الآونة الآخيرة بشأن القوات التركية في شمال العراق؛ مؤخراً، في بداية شهر أكتوبر، أشارت الولايات المتحدة بأن جميع العمليات العسكرية في العراق يجب أن تتم في ظل الموافقة الكاملة للحكومة العراقية؛ ومن ناحية أخرى، تجاهلت أنقرة مطالبات رئيس الوزراء حيدر العبادي بانسحاب الجيش التركي من القاعدة العسكرية بالقرب من مدينة بعشيقة، والتي تم انشائها في أوائل عام 2015، وتقوم فيها الحكومة التركية بتدريب كتيبة من المقاتلين المحليين مع أنصار النجيفي، وتنشط تلك الميليشيات- الحشد الوطني- في الأراضي الواقعة تحت سيطرة حكومة إقليم كردستان، بموجب اتفاقٍ أبرمته أنقرة مع بارزاني.

وعلى الرغم من التدريب التركي، تُعتبر ميليشيات الحشد الوطني بمثابة قوة ضعيفة، وتفتقر إلى التسليح، حيث لا يمكن الاعتماد عليها للقيام بقتال جاد ضد تنظيم داعش. وقد قيل إن هذه المليشيات لديها ما يقرب من 4500 عضواً، ولكنها تفتقر إلى التسليح والتنظيم، ولا يمكن الاعتماد عليها للعب دور في إحكام السيطرة على الموصل فيما بعد تنظيم داعش، وذلك بمجرد إنهاء وجود التنظيم في المدينة، إلا أن أي قرار من هذا القبيل ربما يتطلب توقيعاً سياسياً من بغداد، ذلك الأمر لا يبدو ممكناً في الوقت الراهن. ولهذه الأسباب، لايُتوقع أن تلعب كل من تركيا والحشد الوطني دوراً مباشراً في عملية الموصل، بالرغم من كونهما جزءاً من التحالف الرسمي ضد تنظيم داعش، إلا أن هاتين الجهتين الفاعلتين يمكنهما اختيار العمل بشكل مستقل عن التحالف.

وقد قادت تركيا جهوداً لتعميق تحالف النجيفي-البارزاني، واستخدمت في نينوي علاقاتها الوثيقة مع هاتين الجهتين الفاعلتين للتحايل على الحكومة المركزية العراقية، أولاً من أجل التوصل إلى اتفاق حول قاعدة بعشيقة، وثم من أجل زيادة القوات التي تم نشرها في أوائل سبتمبر/أيلول عام 2015. وقد جعل رئيس الوزراء حيدر العبادي من هذا النشر للقوات قضية لانتقاد صنع القرار في أنقرة علناً، وذلك لسببين: أولاً، يعد نشر القوات إخلالاً بالسيادة العراقية، وثانياً، لقد استخدم خصومه السياسيين هذه القاعدة العسكرية لمهاجمته، وذلك استعداداً للانتخابات المقبلة؛ ويعتبر الجزء الأكبر من الفصائل المعادية للعبادي متعاطفاً مع الأفراد المدعومين من إيران في العراق، وأبرزهم هو رئيس الوزراء الأسبق، نوري المالكي.

وقد سعت الولايات المتحدة للتوسط في النزاع، وذلك لتخفيف حدة التوتر قبل معركة الموصل، وكذلك – على عكس الرواية في تركيا – لمحاولة تقليص دور الجهات المدعومة من إيران في بغداد. ويبدو أن الولايات المتحدة قد حققت بعض النجاح في خفض أعداد الجنود الأتراك المنتشرين. ومع ذلك، لا يزال يتواجد حتى الآن ما بين 600 و1000 من الجنود، وتقوم المدفعية والدبابات في القاعدة بإطلاق النار على مواقع تنظيم داعش بشكل روتيني، إما لدعم وحدات الحزب الديمقراطي الكردستاني البشمركة والحشد الوطني، أو لحماية القاعدة من الهجمات الصاروخية من جانب تنظيم داعش.

وقد زادت قضية قاعدة بعشيقة أيضاً من الدعم الشعبي للميليشيات المعادية لتركيا – مثل الحشد الشعبي، تلك الميليشيات التي ترتبط العديد منها بصلات مع إيران. وأعربت تركيا عن قلقها بشأن لعب قوات الحشد الشعبي دوراً في عملية الموصل. وتشارك الولايات المتحدة تركيا في القلق ذاته، ولكنها سعت إلى دمج جميع القوى المشاركة في العملية القادمة في سلسلة الأوامر العسكرية للجيش العراقي. وللسيطرة على المدينة، أشارت الولايات المتحدة إلى أنها سوف تعتمد على المتطوعين المحليين من الموصل، حيث يُقال بأنه يتم تدريبهم كجزء من التحالف المضاد لتنظيم داعش.

وسوف يُبذل هذا الجهد بالتوازي مع تمكين المجلس المحلي، وسيتم تكليف المحافظ الحالي نوفل العاكوب، الذي يقبع في المنفى الآن، بإدارة المدينة بدعم من الحكومة المركزية؛ وتخالف هذه الخطة الدعم التركي للنجيفي، ومجدداً، يعتبر هذا الأمر بمثابة خطٍ آخر محتمل للصدع، والذي يجب اجتيازه في مرحلة ما بعد تنظيم داعش في الموصل. وتكمن المخاطرة أيضاً في إمكانية استخدام ميليشات الحشد الشعبي قاعدة بعشيقة كمبرر لإتخاذ دور أكثر وضوحاً في العملية، مما يهدد بتوترات طائفية أوسع.

وبوصفها قائداً للتحالف المضاد لتنظيم داعش، تستطيع الولايات المتحدة أن تضع في الاعتبار المصالح المتباينة للعديد من الشركاء في التحالف؛ ويعتبر الدور التركي في شمال العراق مزعزعاً للاستقرار في هذا الصدد، ويمكن أن يعمل على تمكين الجهات الفاعلة التي تحاول أنقرة تهميشها، وهي: المالكي والميليشات المدعومة من إيران. وفي القيام بذلك، تؤدي السياسة التي تنفذها تركيا إلى النتائج التي كانت تهدف إلى وقفها، والمتمثلة في: مزيد من الإجراءات التركية نحو إنهاء ضمني لسياستها “عراق واحد”، ذلك التغيير الذي سيكون له تأثيراً على المدى القصير على العمل العسكري في الموصل، وسيكون له كذلك آثاراً مترتبة على المدى الطويل بشأن مجموعة من القضايا مثل الاستقلال الكردي أو الجهود المبذولة لتحقيق الاستقرار في نينوي ما بعد تنظيم داعش.

Read in English

آرون ستاين

كبير باحثين مع مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، حيث تركز اهتماماته البحثية على العلاقات الأمريكية-التركية.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط