المعركة من أجل إدلب

 

يشكل الشمال الغربي من سوريا (ادلب وريفها، ريف حماة الشمالي، ريف حلب الغربي) أكبر مساحة وتجمع حضري تسيطر عليها قوى الثورة السورية، وأضخم تمركز للقوة العسكرية المقاتلة لنظام الأسد وحلفائه من الميليشيات الشيعية متعددة الجنسيات، ورغم تمركز جبهة النصرة وتنظيمات جهادية في هذه المنطقة طيلة السنوات السابقة، إلا أنها حافظت على توازن قوى مع غلبة الهوية الثورية المحلية على الفصائل الموجودة حتى نهاية 2016.

وقد أدى حدثان مهمّان إلى تغيير هذا التوازن.

كان الحدث الأول اتفاقية خروج الثوار من حلب وخسارة أهم معقل للقوى المندرجة ضمن مظلة الجيش السوري الحر، وكانت مدينة حلب تمثل نموذج سيطرة اللون الثوري المعتدل و”الأخضر” في مقابل الحضور الكبير للجهاديين و”الأسود” في ادلب (نسبة إلى علم الاستقلال الذي يرفعه الجيش الحر والراية السوداء التي ترفعها التنظيمات الجهادية).

والحدث الثاني هو الحملة التي شنّتها جبهة فتح الشام (جبهة النصرة سابقاً) ضد عدد من الفصائل الثورية الكبيرة (بما فيها جيش المجاهدين، والجبهة الشامية، وصقور الشام، وجيش الإسلام، وتجمع فاستقم) بحجة حضورها مؤتمر الأستانة (24 يناير/كانون الثاني 2017)، وكانت هذه الفصائل تخطط لإعلان توحد فيما بينها ويغلب عليها التوجه المعادي لجبهة النصرة.

وقد دفعت الحملة لانضمام هذه الفصائل إلى حركة أحرار الشام وانتقال قسم من قياداتها وعناصرها إلى مناطق درع الفرات أو تركيا، وبعد أيام منها أعلنت جبهة فتح الشام عن تشكيل “هيئة تحرير الشام” (هتش) (28/1/2017) مع فصيل حركة نور الدين الزنكي ومجموعات أصغر من ضمنها منشقون عن أحرار الشام.

وقد قررت غرفة العمليات في تركيا (أو ما تعرف اختصارا بـ “الموم” من الأسم التركي) بعد ذلك إيقاف دعم الفصائل المدرجة ضمنها كشكل من الضغط لتغيير شكل التنسيق فيما بينها وبين الغرفة، بعد ضعف الفصائل عامة في مواجهة هجوم جبهة النصرة عليها، سواء تلك التي انضمت إلى أحرار الشام أو العدد الأكبر من الفصائل التي لم تتدخل في هذا الصراع، وهو ما نتج عنه تشكيل غرفة عمليات تجمع هذه الفصائل بقيادة العقيد فضل الله الحاجي، وهو ضابط في فيلق الشام المقرب من تركيا وجماعة الإخوان المسلمين، ولكن لا يمكن المراهنة بعد على وجود هيكلية متماسكة لهذه الغرفة، إضافة لاختلاف المكونات من حيث المناطق والموقف من جبهة النصرة.

لتتحول خارطة القوى المسيطرة في الشمال الغربي حالياً إلى: هيئة تحرير الشام (والتي تمثل جبهة النصرة عمادها الرئيس) وحركة أحرار الشام الإسلامية وغرفة عمليات الجيش الحر.

كان من الواضح -منذ اتفاقية الأستانة خاصة- مصادمة سلوك جبهة النصرة (بمسمياتها المختلفة) للسياسة التركية، خاصة بالنسبة للحملة ضد الفصائل التي حضرت الأستانة (وهو المسار التركي الروسي) والتي أفقدت تركيا أهم حلفائها في الشمال الغربي، مع سعي قيادة جبهة النصرة المستمر لإثبات قوتها على الأرض وأنها قادرة على عرقلة اتفاقيات تتم بمعزل عنها، وأنها سلطة أمر واقع على الدول التعامل معها، في سعي للحصول على مساحة سياسية ورفع التصنيف عنها، وهو ما يفسر القبول السريع للجبهة باتفاقية المدن الأربع التي تم توقيعها في قطر (أبريل/نيسان 2017) ما بين أحرار الشام وهيئة تحرير الشام من جهة وإيران من جهة مقابلة، والتي نصت على إخلاء قريتي كفريا والفوعة (بلدتان شيعيتان في ريف إدلب)، مقابل إخلاء مناطق محاصرة من قبل النظام في محيط دمشق، وهو ما يفسر كذلك تحولات خطاب (هتش) ليتضمن مصطلحات وطنية وثورية وسياسية، وهي لغة كانت مستبعدة ومحاربة ضمن الخطاب الجهادي السلفي الذي تتبناه الجبهة، بالإضافة لاستقالة (إقصاء) رموز التيار الجهادي الأردني في جبهة النصرة (أبرزهم: إياد الطوباسي أبو جليبيب، سامي العريدي، أبو خديجة الأردني)، وهم الأوثق علاقة بأيديولوجيا تنظيم القاعدة وقيادته، ولذلك كان خطاب زعيم التنظيم الأخير “أيمن الظواهري” منتقداً بوضوح لتوجه الجولاني الأخير، وهو أول انتقاد رسمي منذ إعلان فك الارتباط.

وبلغ هذا التوتر ما بين هتش وتركيا عدة أوجه بعد الجولة الأخيرة من الأستانة، حيث تم إقرار اتفاقية مناطق وقف التصعيد من قبل تركيا وروسيا وإيران، والتي تتضمن استثناء جبهة النصرة من الاتفاق، تصاعد شعور الجولاني بالتهديد وأن خطواته لإظهار الاعتدال والمرونة لم تنجح في رفع التصنيف عنه، وهو ما يزيد من سلوكه العدواني تجاه الفصائل الأخرى، ولكنه يزيد من براجماتيته مع الدول أيضاً للقبول باتفاقيات تنقذه من مأزق التصنيف وتضمن استمراريته على الأرض.
وفي الوقت نفسه تشعر تركيا بالمسؤولية عن حدودها الشمالية، من جهة منع قيام كيان كردي على حدودها، ومن جهة ضمان عدم حصول موجة أخرى من القصف والتهجير في أكبر تجمع حضري وعسكري تبقى للثوار السوريين، ما سيكون الأعلى كلفة لها اقتصادياً وسياسياً، وهي الحملة التي أعلنت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) نيتها القيام بها من جهة عفرين – المحاذية لإدلب – حيث كان هناك زيادة واضحة في الحشود العسكرية الروسية خلال الفترة الماضية، وأعلن كذلك إعلام نظام الأسد مراراً عن نيته التوجه هناك مع استمرار معاركه في ريف حماة الشمالي، وهذا التحالف المشترك ما بين روسيا وإيران ونظام الأسد وقسد، يمكنهم من فتح معركة من عدة محاور (ريف حلب الجنوبي والغربي، ريف ادلب الشمالي والغربي، ريف حماة الشمالي) بهدف إحداث انهيار، ولكن الاعتراض التركي والأمريكي على حملة مشابهة قد يقلل من فرص بدئها، ولكن لا يلغي التهديد الذي تشعر به فصائل المنطقة أو تركيا.

ولذلك بدأ التلميح التركي للفصائل المقربة منهم –خاصة في درع الفرات- منذ قرابة شهرين باحتمالية التدخل العسكري في ادلب، بشكل مشابه لما حصل في درع الفرات، وهو السيناريو الذي يضمن منع القصف وعدم حدوث حملة روسية إيرانية بحجة جبهة النصرة، ولكنه سيفرض على تركيا القيام بمهمة إنهاء جبهة النصرة في هذه المنطقة ، ولذلك بدأت الحشود التركية تظهر مقابل الحدود وفي الوقت نفسه استنفرت هيئة تحرير الشام لتحصين وجودها على المنطقة الحدودية، وتصادمت مع حركة أحرار الشام لتحصل على مواقع في جبل الشيخ بركات في ريف حلب الغربي، حيث يحتمل أن تدخل الحشود التركية، وأصدرت هتش بياناً شديد اللهجة يهدد ما قال إنه “تحركات من قبل فلول الفصائل المفسدة سابقاً وتهدف لتوغل يستهدف الشريط الحدودي حتى عمق المناطق المحررة” وأنهم سيكونون هدفاً للقتال كنظام الأسد، في تهديد (بالأحرى تخوف) مسبق لمشروع التدخل التركي.

ورغم عدم إعلان تركيا بشكل رسمي مشروع التدخل العسكري أو موعده، فإن مجرد احتماليته تسهم في تصعيد التوتر على الأرض، وفي احتمالية نشوب اقتتال جديد ما بين هتش والفصائل الأخرى، وفي استنفار هتش وخوفها من أن تكون هدفاً عسكرياً قادماً لحملة مشتركة من تركيا وفصائل الجيش الحر، دون أن تضمن قدرتها على الصمود أو تماسك مكوناتها المتباينة والقابلة للتفكك (على مستوى فصائل هتش أو على مستوى جبهة النصرة نفسها) في حال حدوث هذه الحملة.
وفي ذات الوقت فإنه سيناريو قد يكون مكلفاً للطرف التركي فيما لو حدثت مواجهة عسكرية واسعة، وهو ما قد يحرج الإدارة التركية شعبياً.

ويبدو السيناريو الأقل كلفة هو اختفاء هتش بطريقة سلمية أو عبر اتفاق مع تركيا والفصائل الثورية، ولكن يعيق ذلك مراهنة الجولاني على إمكانية رفع التصنيف عنه وحصوله على هامش سياسي مشابه لحركات طالبان أو حزب الله بعد إعلان فك ارتباطه وإثبات براجماتيته وقوته على الأرض.

خلاصة هذه السيناريوهات، أن تركيا لن تغامر بخسارة أكبر وأهم منطقة تتبع لحلفائها من الثوار السوريين لصالح الأكراد أو نظام الأسد، ولن تتحمل كلفة موجة لجوء أضخم مما سبق، وفي ذات الوقت لن تقبل ببقاء هتش بعد الصدام المتكرر معها ولضمان قطع حجة الإرهاب عن هذه المنطقة، ولذلك فالمعطيات ترجح احتمالية التدخل التركي في إدلب، والذي سيفرض إن حصل تحولات جذرية في طبيعة القوى المسيطرة، ومستقبل الصراع ما بين الثوار ونظام الأسد في الشمال.

اشترك في نشرتنا Read in English

أحمد أبازيد

كاتب وباحث سوري، مختص بقضايا الثورة السورية والجماعات المقاتلة، وله أوراق منشورة في مراكز دراسات وصحف مواقع عربية.

شاهد أيضاً

تركيا: إدارة التوترات وخيارات للتعاطي

يستكشف هذا التقرير أيضا الأسباب الجذرية للتوترات الأمريكية التركية، ويقدم عدداً من خيارات السياسة للمساعدة في إدارة العلاقات بين الطرفين.

دير الزور: خط التماس القاتل

مع احتدام السباق نحو مدينة دير الزور شرق سوريا، تحاول قوات النظام السوري والقوات الرديفة لها والمدعومة من روسياً، السيطرة على المدينة ذات الأهمية الاستراتيجية الكبيرة، وذلك عبر التقدم في المنطقة شمال نهر الفرات

مصير إدلب يحدده الصراع بين هيئة تحرير الشام وروسيا

في أواخر شهر سبتمبر/أيلول، قصفت الطائرات الروسية مدينة حارم لأول مرة منذ بداية الثورة عام 2011، لم تسلم قرية أو مدينة في غرب إدلب من قصف الطيران الروسي هذه المرة، فقد شملت الغارات الجوية مدن حارم وإدلب وجسر الشغور وخان شيخون وبلدات جبل الزاوية.

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط