مكافأة الحلفاء: الأسد يستثمر ملف إعادة الإعمار سياسياً

مكافأة الحلفاء: الأسد يستثمر ملف إعادة الإعمار سياسياً

 

اشترك في نشرتنا

قبل أشهر قليلة خرج رئيس النظام السوري بشار الأسد بخطاب أمام رجال الأعمال السوريين المغتربين يعلن من خلاله قرب انتصاره العسكري على ما سماه الإرهاب، بفضل دعم حلفاءه روسيا وإيران وحزب الله، واعداً المغتربين الموالين له بحصص في مرحلة إعادة الإعمار، ومشدداً في الوقت ذاته على أن الشركات الأمريكية والغربية والخليجية لن يكون لها دور إطلاقاً في هذا المشروع.

ورغم نسبة الدمار الكبيرة التي حلّت بالبلد وانهيار الاقتصاد والعملة السورية وزيادة نسبة الفقر في البلاد لأكثر من 83% بفعل العمليات العسكرية، تحدّث الأسد عن عزمه الاعتماد على شركات محلية سورية لتقوم بهذه المهمة، بالتعاون مع أصحاب رؤوس الأموال البارزين في الدولة، وهو ما فسره البعض من المعارضين بأنه امتيازات جديدة يمنحها الأسد لمن وقف بجانبه في سنين الحرب لاسيما من أقرباءه وطائفته.

  صفقات مشبوهة

يعتبر رامي مخلوف رجل الأعمال وابن خال الرئيس السوري واحداً من أقوى الشخصيات الاقتصادية في سوريا على الإطلاق، تجاوزت ثروته مؤخراً بحسب مجلة فورين بولسي27  مليار دولار، ليتفوق على أمراء ورجال أعمال خليجين بارزين ومنهم رجل الأعمال السعودي الوليد بن طلال.

 مخلوف دخل مؤخراً على خط إعادة الإعمار من خلال استحواذه على 70% من حصة شركة المدينة للتطوير العقاري، وهي الشركة التي منحها نظام الأسد رخصة استثمارمشاريع استراتيجية وعمرانية في العديد من المناطق المنكوبة في ريف دمشق وحمص.

يعتبر مخلوف أحد أقوى حلفاء الأسد الذين دعموه خلال فترة حربه ضد المعارضة، وهو متهم من قبل جهات غربية بأنه ستار اقتصادي وتجاري لبشار الأسد يغسل له الأموال، وإنهما متورطان في صفقات فساد كبرى بالمليارات.

وسبق لوزارة الخزانة الأميركية أن فرضت على مخلوف عقوبات اقتصادية في عام 2008 واتهمته بأنه المستفيد والمسئول عن الفساد العام في سوريا، وأنّ نفوذه واتصالاته داخل النظام سمحت له بالسيطرة على صفقات مربحة لأنواع محددة من السلع. كما اتهمته بالتدخل في النظام القضائي واستخدام أجهزة الأمن والمخابرات في إرهاب منافسيه.

وفي سؤال حول دلالة حصول مخلوف على الحصة الأكبر في شركة المدينة الحاصلة من قبل نظام الأسد على حق الاستثمار العقاري، رأى الخبير الإقتصادي محمد عزو أنّ هذا الخبر لايشكل مفاجأة “لأنّ بشار الأسد اعتمد منذ سنوات على قرابته ليكون له ستاراً يمكنه من السيطرة الاقتصادية على أهم المشاريع الاقتصادية في البلد”.

ويسرد عزو من خلال حديثه لائحة طويلة من صفقات الفساد التي استغل فيها مخلوف علاقته بالرئيس الأسد ومنها السيطرة على قطاع الاتصالات الخلوية في الدولة، والاستحواذ على أكثر من 31 شركة في مجالات متعددة مثل البنوك والأسواق الحرة والسيارات والبترول وغيرها بدعم من مؤسسات الدولة الرسمية.

ويؤكد الخبير الاقتصادي أنّ الأسد لا ينظر إلى إعادة الإعمار بأنه وسيلةً للتعافي الاقتصادي والإصلاح الاجتماعي، بل هو “فرصة للإثراء الذاتي، وطريقة لمكافأة الموالين ومعاقبة المعارضين”.

الإعمار من جيوب الفقراء

وقبل نهاية العام الجاري أقرّ مجلس الشعب التابع لحكومة نظام بشار الأسد مشروع قانون لفرض ضريبة على المواطنين لأجل “المساهمة الوطنية لإعادة الإعمار” وتبلغ قيمتها 10 %.

وفي تعليق له على هذا القرار انتقد النائب في مجلس الشعب، خليل طعمة، سعي الحكومة لتحصيل أموال إعادة الاعمار من الفقراء، ورأى أنه سيزيد الفقير فقراً بدلاً من تحصيل الأموال من أمراء الحرب الذين صاروا من أصحاب الثراء الفاحش وليس من المواطنين.

وعقب صدور القرار أكدّ الخبير الاقتصادي أنس حموي أنّ حكومة الأسد ستلجأ لاقتطاع رسم إعادة الإعمار من رواتب وأجور ذوي الدخل المحدود. واضاف حموي أنّ لائحة التشريع الجديد شملت بالإضافة إلى ضريبة الدخل ضرائب إضافية أيضاً على العقارات والمهن والحرف الصناعية والتجارية ورسوم الري وحماية البيئة والأمن العام ورسوم السيارات، وهو ما يعني أنّ “المواطن الفقير سيكون المتضرر الأكبر”.

ويؤكد الحموي أنّ من شأن هذه القرارات “زيادة أعداد الفقراء بسبب زيادة الأسعار، في حين أنّ أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة لن يشعروا بتأثيره وسيواصلون جني أرباحهم من خلال كسب مشاريع جديدة”.

مكافآت الأصدقاء

وفي محاولة لترويج انتصاره العسكري واستثماره سياسياً أعاد الأسد في 17 أغسطس/آب الماضي افتتاح معرض دمشق الدولي (معرض تجاري دولي) لأول مرة منذ بداية الحرب، ورأى به “بداية لإعادة الإعمار”. وخلال المعرض وقعت حكومة النظام عدداً من المشاريع التجارية مع شركات روسية وإيرانية وأخرى من الصين والبرازيل والهند.

أبرز هذه الصفقات وقعها وزير الكهرباء السوري محمد زهير خربوطلي مع ممثل عن الجانب الإيراني وتشمل وفق ما أعلن محطة توليد كهرباء جديدة في اللاذقية (شمال شرق سوريا) بقوة 450 ميجا وات، وبناء وإصلاح محطات حرارية في بانياس وحلب وحمص.

كما منح مسؤولو النظام السوري شركات إيرانية امتياز استثمارمناجم فوسفات وسط البلاد، ورخصة شبكة هاتف جوال جديدة، وإقامة مرفأ نفطي بحري غرب البلاد، بالإضافة لامتيازات أخرى مثل استثمار في شركات أغذية ومياه كانت من نصيب الدولة السورية.

في الوقت ذاته كشف أحد مسؤولي حكومة النظام مؤخرا خلال زيارة رسمية لموسكو عن عرض فرص استثمارية في مختلف المجالات على الشركات الروسية، وخاصة في مجالات السياحة والنفط والزراعة والبنية التحتية، التي تضررت بشكل كبير بسبب الحرب الدائرة في البلاد.

ومن خلال هذه الصفقات يرى الناشط الإعلامي مهند الطويل أنّ الأسد إنما يحاول أن يظهر نفسه أمام العالم وأنصاره بأنه المنتصر في الحرب، وهو القادر على إعادة إعمار البلاد التي دمرها بنفسه بدعم من أصدقاءه، ولكنه أنه في الحقيقة يسلم ثروات سوريا لسنوات مقبلة.

ويرى الناشط أن الغرب يجب ألا يدعم إعادة الإعمار في سوريا حالياً دون التوصل لحل سياسي شامل لأنّ تلك الأموال ستذهب هباء طالما بقي النسيج الاجتماعي مهدداً بالاقتتال.

وكان موقع(يلافيد) قد نشر قبل أشهر قليلة ما قيل إنه  تقديرات خاصة بإعادة الاعمار في سوريا نقلتها مفوضة الاتحاد الأوروبي للسياسة الخارجية وشؤون الأمن، “فيديريكا موجيريني” لأمين عام جامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط. ووفق موغيريني وصلت تكلفة إعادة إعمار سوريا إلى 950 مليار دولار، ومن غير المعروف من هي الدول أو الجهات التي ستساهم في إعادة الإعمار، ومتى سيكون موعده في ظل الاختلاف الدولي على ماهية الحل السياسي في سوريا.

ووفقاً لهذه التقديرات تحتاج سوريا لمدة 50 سنة لإعادة الإعمار، لأن متوسط موازنة الدولة في السنوات الخمس الأخيرة بلغت 15 مليار دولار في العام فقط.

ومما سبق يمكن القول أنّ صفقات الفساد التي برزت في ملف إعادة الإعمار وخضوعها لأجندة سياسية لا تراعي مصالح البلد إنما هي جزء من سياسية الأسد الذي لطالما بحث عن مصلحته الشخصية بغض النظر عن بناء دولة مؤسسات قانونية وشفافة، وهو ما يؤكد على استمرار العقلية السلطوية للأسد وتحكمه بجميع مفاصل الدولة رغم الحرب الطويلة التي أنهكت البلد، وكان المطلب الأبرز فيها لمعارضيه هو تحقيق العدالة الاجتماعية.

اشترك في نشرتنا English

حسام الجبلاوي

صحفي ومدون سوري.

شاهد أيضاً

التجنيد في المغرب: عملية غير منتهية

النص النهائي للقانون لم يتم تمريره بعد، لكنه بالفعل خلق حالة من التخبط والنقاش فيما يتعلق بمستقبل السكان المغاربة، الذين يتساءلون عن كيف ستؤدي الخدمة العسكرية الإلزامية إلى مواجهة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة

خيارات مصر في تنمية السد الأثيوبي

في عام 2013، اعتراف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بأن نهر النيل أصبح بصورة سريعة أكبر تهديد لأمن مصر. على الرغم من جهودها الدبلوماسية في مختلف الدول في الإقليم

بعد ثلاث سنوات: تطور التدخل العسكري الروسي في سوريا

اليوم منذ ثلاث سنوات بدأ التدخل الروسي في سوريا، هذا التدخل الآن يشير إلى استمرار زيادة النفوذ الروسي في سوريا، خاصة في سياق مناطق خفض التصعيد وعملية الاستانة للسلام، ومؤخرا المناطق منزوعة السلاح في محافظة إدلب.