المصالحات تكتيك الأسد للتخلص من معارضيه

عاد النظام السوري بعد أيام قليلة من تهجير أهالي داريا لقصف مناطق جديدة في محيط العاصمة دمشق، رغم وجود اتفاق هدنة دائمة بين قواته وفصائل المعارضة في هذه المناطق منذ عام 2014، يقضي بعدم التعرض للمناطق السكنية والنازحين، مقابل وقف قوات المعارضة هجماتها على مواقع النظام العسكرية.

وبينما ساد الهدوء على هذه المناطق طيلة الأعوام الماضية، فاجأ النظام الأهالي بقصف أحيائهم، واشترط إخراج المقاتلين وأسرهم نحو الشمال السوري، والسماح بدخول قواته كشرط لوقف القصف الجوي والمدفعي.

ويعتبر معارضون للنظام، أن هذا الخرق يأتي استكمالاً لسياسة الأسد في التخلص من معارضيه، في ظل الدعم الروسي الكبير له، في وقت استطاع فيه النظام اقتحام مدينة داريا، وحقق انتصارات عسكرية هامة في محيط العاصمة دمشق ومدينة حلب.

وتقوم فكرة الهدنة الدائمة، والتي يطلق عليها النظام السوري اسم مصالحة، على فكرة تجميد القتال في هذه المنطقة، مع بقاء كل طرف على وضعيته، والسماح للمدنيين بالتنقل بين مناطق سيطرة كل طرف. وقد توالت هذه الاتفاقيات في العديد من مناطق دمشق، ابتداءً من برزة في فبراير/شباط 2014، لتتبعها أحياء القابون وتشرين وبلدات (بيت سحم ويلدا وببيلا) في العام ذاته.

ويرى معارضون أن النظام استثمر سياسياً هذه الاتفاقيات في الترويج لنفسه أمام المجتمع الدولي قبل انتخابات الرئاسة التي فاز فيها بشار الأسد في يونيو/حزيران 2014، من خلال اظهار استعداده للحل السياسي؛ كما استفاد الأسد عسكرياً في فرض طوق أمان خانق حول العاصمة دمشق، ليحوّل جهده العسكري للتفرغ لجبهات أخرى بعيدة مثل حلب وإدلب.

في الوقت ذاته رفض الأسد اجراء اتفاقات مصالحة مشابهة في مناطق، لم يكن يرى فيها أهمية مثل أحياء حمص القديمة، وأعاد خرق بعض المصالحات الأخرى في الأوقات المناسبة له، مستغلاً الظروف الإنسانية التي يعاني منها سكانها.

مطالب الأسد الجديدة

تعتبر مدينة قدسيا ذات موقع هام للأطراف المتقاتلة، كونها تقع قرب جبل قاسيون المطل على العاصمة دمشق، والقريب من أهم مواقع النظام العسكرية (الفرقة الرابعة وقوات الحرس الجمهوري)، وتضم المدينة آلاف النازحين الهاربين من مناطق قتال أخرى، ووفقا لإحصائيات المجلس المحلي تأوى المدينة أكثر من 200 ألف نازح.

خرجت قدسيا عن سيطرة قوات النظام في عام 2012، وشهدت العديد من التظاهرات المناهضة لنظام الأسد، وضمت عدداً من المنشقين عن الجيش السوري.

وفي شهر ديسمبر 2013، وبعد حوالي شهر من الحصار، توصل أهالي المدينة إلى هدنة مع النظام، تنص على فك الحصار والسماح بدخول المدنيين وخروجهم، وإطلاق سراح المعتقلين من أهالي المدينة، مقابل وقف التظاهرات المناهضة لنظام الأسد.

هذا الاتفاق استمر العمل به طيلة الأعوام الثلاثة الماضية، لكن قبل أيام قليلة بدأ النظام السوري قصف مدينة قدسيا فجأة، وطلب من الأهالي تنفيذ شروط جديدة لوقف القصف، أهمها الاستسلام وإخراج المقاتلين المعارضين مع أسرهم نحو الشمال السوري، فيما يراه معارضون أنه مرحلة جديدة من مراحل التهجير القسري.

وبحسب الناشط الإعلامي في مدينة قدسيا معاذ الشامي، فإن النظام لم يراعي وجود آلاف المدنيين في هذه المنطقة، وأوقع خلال عملية القصف عشرات القتلى والجرحى.

ويعزو الناشط سبب خرق الأسد للاتفاق بشكل مفاجئ إلى “سعيه للاستفادة من الوقت لتحقيق انتصار عسكري، مستغلاً الظروف الدولية المتغاضية عن جرائمه والدعم الروسي، حيث بات النظام بفضل هذا الدعم يريد استعادة جميع المناطق الخارجة عن سيطرته، بعد أن كان عاجزاً عن ذلك قبل أعوام حين عقد الهدنة.”

يدل استعداد النظام لخرق المصالحات واستعادة هذه المناطق على استفادته من تكتيكاته في تثبيط المجتمع الدولي، مع مساعدة روسيا الثابتة له، وعدم رغبة الغرب، وسيما أمريكا، في القيام بأي فعل، حيث تصالح النظام لفترة فاستعاد قوته، في حين وصلت روسيا لموقف قوي تستطيع منه القول للولايات المتحدة، “لا تتدخلي في سوريا ضد قوات موالية لبشار الأسد،” وهددت بإسقاط أي طائرة تحاول ضرب تلك القوات.

التهجير القسري

في شهر يناير/كانون الثاني من عام 2013، لم يجد سكان مدينة المعضمية غرب دمشق طعاماً لأبنائهم، إثر حصار خانق فرضته قوات النظام السوري على مدينتهم، ما اضطرهم للقبول بتوقيع اتفاق يقضي بتسليم سلاحهم، والتوقف عن الخروج في مظاهرات مناهضة لنظام الأسد، مقابل وقف القصف اليومي والسماح بدخول المواد الغذائية.

ورغم تنفيذ الأهالي لهذه الاتفاقية، بقيت حواجز التفتيش التابعة للنظام تحدد كمية الطعام التي تدخل المدينة، وتكرّر القصف من جديد، حيث طلب النظام من معارضيه في الفترة الأخيرة مغادرة المدينة مهدداً باجتياحها.

وقبل أيام قليلة انتشر على موقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك” مقطع مصور يظهر تعرض حاجز الفرقة الرابعة، التي يقودها شقيق رئيس النظام ماهر الأسد، لشاحنات إغاثة تابعة للأمم المتحدة كانت في طريقها للمدينة، حيث قام أفراد الفرقة بتهشيم أكياس المعونات، واعادتها بطريقة عشوائية، حتى أصبحت غير صالحة للاستهلاك البشري، نتيجة التخريب المتعمد الذي اصابها.

ورغم عدم وجود أي تهديد عسكري تشكله المدينة على قوات الأسد، يحاول تهجير الأهالي بشكل قسري، مستغلاً حاجاتهم الانسانية ومستخدما الحصار في سبيل ذلك، على غرار ما فعل في مدينة داريا، والتي تمكن أخيراً من تهجير أهلها، وتوطين الميليشيات الطائفية التي تقاتل الى جانبه.

يتكرر الأمر ذاته في مناطق أخرى في سوريا، ففي بداية شهر أغسطس/آب من العام 2014 توصل أهالي مدينة كفر نبوذة شمال حماه لاتفاق مع قوات النظام لوقف قصف المدينة وعدم استهدافها، مقابل تعهد الأهالي بعدم جعل المدينة مركزًا عسكريًا لقوات المعارضة، ووقف جميع الأعمال العسكرية لمقاتليها.

 وإثر ذلك استفادت المدينة من هذه الاتفاقية بالفعل وعاد معظم سكانها النازحين (150 ألف نسمة) إليها، بعد ترميم المنازل المدمرة نتيجة القصف والمعارك، ولكن بعد 14 شهراً من الهدوء، خرق النظام الهدنة، حين خيّر سكانها بين جعلها مركزًا لمرور الأرتال البرية نحو قرى وبلدات ريف إدلب الجنوبي، أو تدميرها تحت وطأة القصف المتنوع، فكان الخيار الثاني، ونزح أهلها عنها مجددًا لتصبح ساحة معارك.

وبعد سنوات من بدء الانتفاضة الشعبية ضد حكم الأسد، يمكن القول أن النظام السوري استطاع استغلال الحاجات الانسانية للأهالي، ومطلبهم للأمان في عقد اتفاقات هدنة استثمرها في وقت ما لصالحه، ثم أعاد خرقها في سعيه من جديد لإعادة السيطرة على جميع المناطق الخارجة عن سيطرته.

لم يخف النظام رغبته في استعادة هذه المناطق، وكذلك روسيا لم تنحرف، منذ بداية الثورة، عن موقفها أن بشار الأسد لن يتنحى وهو يحارب الإرهابيين. المستغرب هو أن الولايات المتحدة تعايشت مع هذه السياسة، فهى تعتقد أن روسيا تسعى لإيجاد حل سياسي، رغم الأدلة على العكس، وتراجعت باستمرار عن خطوطها الحمراء. ربما ظنت الولايات المتحدة أن النظام سيتعلم من المثل العربي القديم أنه “في الحرب، ما في غالب ولا مغلوب،” ولكن في الواقع، فقد تعلم النظام أنه سيُكافَأ لإبرام المصالحات وخرقها، وأنه ليس هناك عقاب لقصف السكان ومحاصرتهم وتهجيرهم.  

Read in English

حسام الجبلاوي

صحفي ومدون سوري.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط