قيود تركية جديدة على عمل المنظمات الدولية واللاجئون السوريون يدفعون الثمن

قيود تركية جديدة على عمل المنظمات الدولية واللاجئون السوريون يدفعون الثمن

سحبت السلطات التركية خلال الآونة الأخيرة تراخيص العمل من عدد من المنظمات الدولية الانسانية العاملة على أراضيها والتي تقدم الدعم للاجئين السوريين، لأسباب عديدة بعضها متعلق بدواع أمنية، وأخرى قيل إنها بسبب شروط جديدة باتت تطلبها تركيا لاستمرار عمل هذه المنظمات انطلاقا من أراضيها.

ويأتي هذا التغيّر في سياسية الأبواب المفتوحة التي انتهجتها تركيا تجاه المنظمات الدولية منذ بداية أحداث الثورة السورية بعد حادثة محاولة الانقلاب الأخيرة ضد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، واختلاف الوضع العسكري في شمال سوريا، حيث ظهرت العديد من الاتهامات في وسائل الإعلام التركية لهذه المنظمات بتقديم دعم غير مباشر للوحدات الكردية العدو الأول لتركيا والحليف الأبرز لواشنطن.

وفي آخر هذه التطورات اعتقلت الشرطة التركية يوم الخميس 20 أبريل/نيسان عدداً من موظفي “الهيئة الطبية الدولية” (International Medical Corps, IMC) في ولاية غازي عنتاب (جنوب البلاد)، وأغلقت مكاتب المنظمة الأمريكية بتهم وجود مخالفات في تصاريح العمل، رغم نفي المنظمة لهذا الأمر.

ويأتي هذا الحادث بعد وقت قصير من سحب الحكومة التركية أيضاً الترخيص من منظمة المساعدات الإنسانية الدولية “ميرسي كور” (Mercy Corps) ، وإجبارها على وقف أنشطتها مع اللاجئين السوريين . وتعمل ميرسي كور في تركيا منذ 2012 ، وتعدّ واحدة من أكبر منظمات الإغاثية التي تعمل في سوريا، وتقدم خدماتها لأكثر من نصف مليون مدني كل شهر، كما تقدم المنظمة سلسلة من المساعدات الاجتماعية والإنسانية للاجئين في تركيا، استفاد منها قرابة مئة ألف شخص خلال عام 2016 وحده.

وفي خطوة جديدة تعكس تضييق السلطات التركية على المنظمات الدولية قال طبيب سوري يعمل في منظمة الهيئة الطبية الدولية، وهي أحد أبرز الداعمين للمشافي الطبية في الداخل السوري، أنّ السلطات التركية رفضت تجديد أذونات العمل للموظفين والأطباء السوريين العاملين في المنظمة على الأراضي التركية، واشترطت تعيين أتراك بدلاً عنهم للسماح للمنظمة بمتابعة العمل.

وأوضح الطبيب أنّ عشرات الموظفين الأجانب في منظمات أخرى “باتوا يعانون من مشكلة تجديد تصاريح العمل، بسبب صعوبة فهم اللوائح التركية، وعدم وجود شفافية في إعطاء هذه الأذونات لاسيما للموظفين السوريين”.

وخشيةً من الوقوع في مشاكل قانونية توقفت العديد من المشاريع التي تديرها هذه المنظمات لصالح اللاجئين السوريين في تركيا وبدأ بعضها مثل منظمة “Sosyal Suriye Grupları” والمدعومة من قبل الاتحاد الأوربي، تسريح العشرات من موظفيها السوريين في ولاية هاتاي التركية.

وبحسب أحد مسؤولي الإغاثة فإنّ العديد من المنظمات الأخرى مثل أنقذوا الأطفال (Save the Children) ومنظمة أَكْتَد (ACTED) ومنظمة جول (Goal) ولجنة الإنقاذ الدولية (International Rescue Committee, IRC) ومنظمة الإغاثة الطبية لسوريا (Medical Relief for Syria, MRSF) بالإضافة إلى عدة منظمات محلية سورية أخرى، تلقت مؤخراً رسائل بضرورة مراعاة الشروط التركية الجديدة للسماح بعملها أو إغلاقها.

دوافع سياسية

وحول أسباب تغيّر السياسية التركية تجاه هذه المنظمات رأى الناشط الحقوقي السوري هيثم أسعد أنّ تغيّر الظروف السياسية ودخول تركيا في حالة عداء غير معلن مع الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا فيما يخص الشأن السوري “جعل من هذه المنظمات ضحية لهذه الدوافع السياسية، لاسيما أن تركيا اتهمت بعضها بتقديم دعم غير مباشر للطرف الكردي.”

وأضاف أسعد ” ما من مبررات لمعاقبة اللاجئين السوريين بهذه السياسة، لأن المتضرر الأول هم البسطاء” مضيفاً في الوقت نفسه بأنه إذا ما أرادت تركيا حماية مصالحها القومية فإنه من الواجب أن “تحدد الإجراءات التي يجب أن تتبعها تلك المنظمات بشفافية بعيداً عن النكايات والكيدية السياسية”.

في السياق ذاته أشار أحد العاملين في المنظمات الدولية بتركيا مفضلاً عدم ذكر اسمه إلى أن أحد أسباب المشكلة القائمة تعود إلى “الإجراءات الروتينية التي يتم من خلالها منح رخص تشغيل العديد من المنظمات غير الحكومية، والتي تمر بمراحل مراجعة مطولة”. وأكد العامل الإغاثي أن عشرات الموظفين انتهت إقامات عملهم، ولم يتم تجديدها لهم رغم تقديمهم لطلب من أجل ذلك منذ أشهر طويلة.

من جهة أخرى دافع الناشط الإعلامي بلال بيوش عن هذه الإجراءات معتبراً إياها “ضمن مجال الرد الطبيعي لأي دولة للحفاظ على مصالحها وأمنها القومي”. وأضاف بيوش أنه وبسبب الأحداث في سوريا تدفقت الكثير من المنظمات الدولية إلى تركيا بحجة دعم اللاجئين السوريين، لكن الحقيقة أن “بعض الجهات الخارجية استثمرت هذا للحصول على معلومات استخبارية للوضع في سوريا أو في تركيا”.

معاناة إنسانية

قبل أيام قليلة توّقف أكثر من 7000 آلاف طفل عن التوجه إلى المدارس في مخيمات أطمة التي تضم آلاف اللاجئين السوريين المقيمين قرب الحدود التركية، وذلك بعد توقف لجنة الإنقاذ الدولية الداعم الرئيسي لهذه المدارس عن تزويدها برواتب المعلمين ومستلزمات القرطاسية قبل عدة أشهر. ويأتي هذا الإيقاف بالتزامن مع تعليق العديد من المشاريع التنموية والإغاثية مؤخراً في سوريا، وبروز الكثير من الشكاوى من قبل النازحين من تراجع مستوى الخدمات الانسانية المقدمة لهم لاسيما مع اقتراب فصل الشتاء.

ويبدو القطاع الطبي الأكثر تعرضاً للضرر في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة السورية بعد توقف العديد من المنظمات الطبية الداعمة عن عملها في الشمال السوري، حيث أطلقت بعض الفعاليات المحلية مؤخراً العديد من المناشدات الإنسانية لتجاوز هذه الكارثة.

وبحسب أخصائي اقتصادي فضل عدم ذكر اسمه لأنه يعمل في منظمة في تركيا، فإنّ أموال المنظمات تعتبر المُنشط الأول للاقتصاد في إدلب من خلال عدة أمور أهمها رواتب وأجور متطوعيها وكوادرها، وثمن وقيمة الخدمات السلعية والعينية التي تقدمها كمشاريع، أو التي تنفقها لشراء مواد وخدمات في الداخل السوري.

كما تساعد هذه المنظمات من خلال مشاريعها في تأمين فرص عمل واسعة لأعداد كبيرة من النازحين، أما المخيمات المنتشرة على طول الحدود السورية مع تركيا والتي يقطنها أكثر من نصف مليون نازح فإنّ هذه المنظمات تعتبر الداعم الأول لها.

وكانت تركيا قد أغلقت كامل حدودها في وجه اللاجئين السوريين، وأقامت جداراً اسمنتياً على طول حدودها، ومنعت عبر منافذها الرسمية دخول اللاجئين السوريين إلى أراضيها عدا الحالات الانسانية (المرضى والجرحى).

ومما لا شك فيه فإنّ التبعات الإنسانية لتراجع مشاريع المنظمات الإنسانية في وقت لايزال فيه السوريون يعانون من آثار الحرب سيفرض مزيدا ً من البؤس والشقاء على الوضع السوري المتفاقم أصلاً، وسيعني ترك آلاف النازحين لمصيرهم.

اشترك في نشرتنا English

حسام الجبلاوي

صحفي ومدون سوري.

شاهد أيضاً

تقرير | إعادة إعمار سوريا

يعرّف هذا التحليل "إعادة الإعمار" على أنه تلبية مجموعة من الاحتياجات والجهود والأهداف التي تندرج تحت بند الاستقرار أو إعادة الإعمار. وينبغي أن تخدم هذه الأهداف الرئيسية إعادة توطين النازحين وتسهيل التنمية الشاملة الموجهة محليًا التي تساعد على إرساء الشرعية السياسية.

التأسيس الثاني لجماعة جند الإسلام: فصل جديد من الصراع بين القاعدة وداعش

تأسست جماعة جند الإسلام عقب خلع الرئيس الأسبق حسني مبارك في فبراير/شباط 2011 وليس عام 2013 كما ذكرت بعض التقارير؛ استغل التنظيم الانفلات الأمني الذي حدث بعد الثورة في التدريب والتجنيد وجلب السلاح من ليبيا

هل يمكن أن تضع ليبيا العربة أمام الحصان؟

في أعقاب تجديد مجلس الأمن بعثة الأمم المتحدة في ليبيا في سبتمبر/أيلول الماضي، يجري حاليا في ليبيا استكمال لجهود الوساطة التي تقودها الأمم المتحدة والتي يقوم بها ممثل خاص جديد للأمين العام. تأمل الأمم المتحدة مرة أخرى في التوصل إلى اتفاق بين الأطراف الفاعلة الرئيسية في الأزمة الليبية