هل من طريق نحو اندماج فصائل المعارضة المسلحة السورية؟

عاد الحديث عن اندماج الجماعات المقاتلة في الشمال السوري لاسيما بعد خسارة الفصائل المعارضة لنظام الأسد مدينة حلب أكبر مدن الشمال السوري، والتي دخلتها منذ العام 2012، ما أدى لتراجع شعبيتها وخروج مظاهرات ضدها تطالبها بالتوحد وتنسيق جهدها العسكري لمقاومة تقدم قوات النظام السوري والمليشيات الطائفية الإيرانية.

ورغم أن مناطق الشمال السوري قد شهدت محاولات سابقة لدمج الجماعات المقاتلة في كيان واحد، يرى البعض أن هذه الفترة ستكون حاسمة ومؤثرة في مصير وجود المعارضة المسلحة، لا سيما بعد أن بدأت تخسر شعبيتها بين الناس الذين يحمّلون الفصائل المشتتة والمنقسمة على بعضها مسؤولية ما ألت إليه الأوضاع، لعدم قدرتها على اتخاذ قرارات موحدة وفاعلة.

ويرى البعض أن أسباب الفشل في الاندماج كثيرة أهمها التباين في الأيديولوجيات واختلاف سياسات ومصالح القوى الداعمة لهذه الفصائل من جهة، وبسبب الصراعات التي تدور داخلها، لمحاولة السيطرة على القرار، وتمثيل المعارضة عسكريا وسياسيا.

ولعل أبرز أسباب عدم نجاح مشروع اندماج الفصائل هو كثرة الفصائل، حيث يقاتل نحو 220 فصيل مسلح في سوريا بقيادة وراية مستقلة عن الأخرى، دون وجود مرجعية عسكرية وسياسية تتفق عليها هذه القوى.

ويعود آخر مشروع اندماج حقق نتائج بارزة على الأرض إلى تجربة جيش الفتح في مارس/آذار 2015، حين سيطر على محافظة ادلب، وجمع حينها أقوى الفصائل العسكرية، متمثلة في حركة أحرار الشام الاسلامية وجبهة النصرة (جبهة فتح الشام حاليًا) وفيلق الشام وغيره. لكن هذا التجمع سرعان ما فشل بعد حدوث انشقاقات داخله، وانسحاب عدد من الفصائل، وبروز خلافات واسعة بين أكبر فصيلين فيه، وهما أحرار الشام السلفية المدعومة من بعض الدول الخليجية، وجبهة فتح الشام المصنفة على لوائح الارهاب لمجلس الأمن.

جيش فتح جديد

ويبدو أن الضغط الشعبي المتزايد وظهور حركة احتجاجية واسعة تطالب قادة فصائل المعارضة بالتنحي، وانتشار شعارات توحدوا أو موتوا جميعا أدى لمحاولات جديدة مؤخراً للاندماج، حيث يجري الحديث حالياً عن مشاريع مختلفة، بعضها يغلب عليه الصبغة الاسلامية، والأخرى وطنية تجمع معظم فصائل الجيش الحر، التي ترفع علم الثورة السورية.

ومؤخراً عقدت العديد من الاجتماعات، وتداول ناشطون صوراً لاجتماع قادة من فصائل جبهة فتح الشام وحركة نور الدين الزنكيّ والحزب الإسلامي التركستانيّ وجبهة أنصار الدين وأجناد الشام ولواء الحقّ وحركة أحرار الشام” وهي فصائل يغلب عليها الصبغة الاسلامية، فيما انقسمت، حركة أحرار الشام، وهي أبرز تلك الفصائل وأقواها، بين مؤيدين لهذا المشروع ومعارضين له.

وجاء هذا المقترح بعد دعوة أبو محمد الجولاني زعيم جبهة فتح الشام لتأسيس ما يسمى الهيئة الاسلامية السورية، على أن يرأس أبو عمار العمر القائد الجديد لأحرار الشام التشكيل المزمع تشكيله، وأن يكون أبو محمد الجولانيّ قائداً عسكرياً له، وتوفيق شهاب الدين القائد الحاليّ لحركة الزنكيّ رئيساً لمجلس الشورى، وهو مشروع شبهه البعض بأنه قريب من تجربة جيش الفتح السابق.

لكن هذا المشروع يواجه صعوبات كبيرة في الوقت الحالي وفق قائد عسكري في حركة أحرار الشام مطلع على سير المفاوضات، وأرجع القائد الذي فضل عدم ذكر اسمه السبب إلى “وجود خلافات على آلية الاندماج، ووضع شروط معقدة من قبل كل طرف لاسيما فتح الشام والتي تصر على تعيين الجولاني كقائد عسكري للتشكيل الجديد، وهو ما يعني وضع مخازن السلاح تحت أمرته.

وكان  لبيب النحاس مدير العلاقات الخارجية السياسية لحركة أحرار الشام الإسلامية قد أشار قبل أيام قليلة عبر تغريدات له على موقع التواصل الاجتماعي تويتر إلى معارضة تيار واسع من مقاتلي الحركة لهذا التشكيل الذي يجري الإعداد له، موضحاً أن هناك “من يدعو إلى تحالفات خطيرة وانتحارية، ويقوم بإدخال عناصر داعشية إلى ادلب،” شدد على أن “الاندماج الصحيح لا يبنى على اتفاقيات سرية والتهديد والاستقواء بالغلاة، ولا يتسبب في زيادة عزلة الثورة، بل يُبنى على تأييد شعبي حقيقي” في إشارة واضحة إلى رفضه لمثل هذه المقترحات.

مشاريع موازية

وأمام هذا التعقيد استبقت بعض الفصائل الصغيرة في الشمال السوري، وعددها 10، دعوات الاندماج وأعلنت في 28 ديسمبر/كانون الأول الماضي مبادرة لجمع الجهود، داعية جميع القوى العسكرية في المنطقة للالتحاق بها دون وضع أي شروط.

ووفق المعلومات الواردة، طرحت هذه الفصائل مشروعا كاملاً، وقد وتضمن هذا المشروع تشكيل مجلس شورى من قادة الفصائل، وقيادة عسكرية مشتركة، ومجلس سياسي موحد، إضافة إلى توحيد الإدارة المدنية والقضاء والحواجز وغيرها، وأن ينحل جميع المقاتلين بما فيهم عناصر فتح الشام وحركة أحرار الشام ضمن مشروع وطني سوري رايته الثورة السورية، وأن يتم “إبعاد جميع العناصر المتطرفة عنه، والبدء بشكل عاجل بتنظيم الأمور المدنية وحل مشكلة الحواجز المتعددة التابعة للفصائل.”

ورغم أن هذا المشروع لم يعلن عنه، إلا أنه يبدو الأقرب حالياً للتنفيذ، لاسيما مع تكثيف الاجتماعات لقادة المعارضة في تركيا، وتسريب بعض قادة الجيش الحر أنباء عن قرب اعلان جيش وطني جديد، يضم جميع المقاتلين المعتدلين.

ويبدي البعض تخوفه من تشكيل كيانين منفصلين أحدهما يضم جبهة فتح الشام والآخر أحرار الشام وهو ما يعني حالة تنافس على إدارة المناطق المحررة وحدوث انقسام وخلافات حادة على الأرض قد يؤدي للصراع.

ويرى البعض أنه حتى في حال نجاح الفصائل بتشكيل جيش عسكري موحد يضم جميع الفصائل المعتدلة، فإنّ هذه الخطوة ستكون جيدة نحو تنسيق جهودها العسكرية والسياسية ضد النظام السوري وحلفائه فقط، إلا أن ذلك الأمر أتى متأخراً، وذلك بالنظر لعدد من العوامل الإقليمية والدولية؛ حيث لم يعد أمام المعارضة بديلاً سوى اللجوء إلى التفاوض مع نظام الأسد، حاليا على الأقل، خاصة بعد أن تخلى عنها حلفاؤها.

طريق المفاوضات

ويحضر حالياً أعضاء المعارضة السورية محادثات السلام في آستانة، عاصمة كازاخستان، التي ترعاها تركيا وروسيا، لإيجاد حل سياسي للأزمة السورية عن طريق المفاوضات. ورغم أن النظام السوري وحلفاءه واصلوا عملياتهم العسكرية في ريف دمشق أثناء الهدنة، قبلت المعارضة حضور المفاوضات بضمانات تركية وفق ما أعلنت. وعلى غير ما كانت عليه المفاوضات السابقة، يجتمع النظام وممثلي المعارضة في نفس الغرفة، ولكن المجموعات المتمردة رفضت التفاوض المباشرة، وقد قال النظام إن التصريحات الصادرة عن المعارضة “وقحة واستفزازية.”

واتفقت القوى العسكرية والسياسية للمعارضة على اختيار القائد السياسي لـ جيش الاسلام محمد علوش رئيسا للتفاوض، حيث سيكون تثبيت الهدنة ونشر مراقبين المطلب الأول.

ويرى البعض أن هذه المفاوضات ستكون حاسمة لمستقبل هذه الفصائل ووجودها، لأن فشل الحل السياسي سيعني إطلاق جولة جديدة من الحرب وهذه المرة في ادلب المعقل الرئيسي لقوات المعارضة.

Read in English

حسام الجبلاوي

صحفي ومدون سوري.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط