تنظيم الدولة والاقتصاد العراقي

أحد أفراد القوات الكردية يحرس جزء من مصفاة لتكرير النفط. صورة من رويترز.

في الوقت الذي يقوم فيه الجهاديين المنتمين لتنظيم الدولة – والمعروف باسم تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام – باحتلال المزيد والمزيد من الأراضي داخل الدولة العراقية، فإن السؤال الذي يلح على عقول المراقبين هو ما سيكون عليه مصير الدولة العراقية؟ إن الدول الموجودة في الاقليم وعلى مستوى المجتمع الدولي يركزون على المخاطر التي يمثلها تنظيم الدولة الاسلامية بالنسبة للأمن والاستقرار السياسي والجيوبولوتيكي، إلا أن هناك تبعات اقتصادية أيضاً في هذا السياق، إذا كان الاقتصاد العراق مقدراً له أن يتدهور بصورة كبيرة، فإن هذا من شأنه أن يضيف إلى عوامل عدم الاستقرار السياسي، وسوف يعظّم هذا الأمر من عوامل انعدام الأمن في العراق والدول المجاورة له.

ومن أجل تحديد التأثير المحتمل لاستمرار تنظيم الدولة الاسلامية في تحقيق المكاسب والاستمرار في القتال، فإن علينا أن نفهم البنية الأساسية للاقتصاد العراقي، هذا الاقتصاد يتسم بملمحين رئيسيين:

أولاً: يعتبر النفط هو الدعامة الرئيسية للاقتصاد العراقي، تقدر الاحتياطات النفطية في العراق عند مستوى 143 مليار برميل، مما يجعلها تقع في المرتبة الخامسة عالمياً من حيث حجم الاحتياطي، وأكبر دولة بها احتياطي نفطي في منطقة الشرق الأوسط بعد المملكة العربية السعودية وإيران، ويبلع مستوى الانتاج الحالي من النفط أكثر من ثلاثة ملايين برميل يوميا، وهو المستوى الذي يجعل العراق في المرتبة الثانية في انتاج النفط بعد المملكة العربية السعودية، ويبلغ نصيب النفط من الناتج المحلي الاجمالي في البلاد حوالي 54% من اجمالي الناتج المحلي الاجمالي الذي يبلغ 230 مليار دولار، ويبلع نصيب النفط 99% من اجمالي الصادرات العراقية، كما يشكل النفط نسبة 93% من اجمالي العوائد المالية الحكومية، وعلى الرغم من حقيقة أن صناعة النفط تمثل أكثر من نصف اجمالي الاقتصاد العراقي، فإن القطاع يعتبر من القطاعات كثيفة رأس المال ويعمل فيه فقط حوالي 1% من اجمالي قوة العمل العراقية، والتي تبلغ أكثر من ثمانية ملاين فرد. 

وبسبب هذا الاعتماد عالي الدرجة على قطاع النفط، فإن مستوى الانتاج ومستوى الأسعار في الأسواق العالمية يؤثر بصورة كبيرة على الاقتصاد العراقي، فعندما بدأت مستويات انتاج النفط في التزايد بصورة كبيرة ما بين عامي 2011 و2012 ارتفع مستوى النمو إلى أكثر من 10% (شكل رقم 1)، وفي نفس الوقت فإن مستوى النمو يتأثر بالموقف الأمني في البلاد، تماماً كما كان الأمر في عام 2006 وبعد ذلك في عام 2013.

شكل (1) معدل النمو وانتاج النفط في العراق (2005-2013)
شكل (1) معدل النمو وانتاج النفط في العراق (2005-2013)

ثانياً: يعتبر الاقتصاد العراقي اقتصاداً مسيطراً عليه من قبل الدولة، تتجه غالبية عوائد انتاج النفط من المبيعات المحلية والأجنبية إلى خزانة الحكومة، والقطاعات غير النفطية من الاقتصاد تتأثر فقط عندما تقوم الحكومة بإنفاق هذه العوائد، ونتيجة لهذا الأمر فإن الحكومة من خلال سيطرتها على قطاع النفط يمكن أن تٌأثر على مجمل النشاط الاقتصادي تقريباً في البلاد، ويلعب القطاع الخاص دوراً ثانوياً وهامشياً في هذا الإطار.

وبعيداً عن القطاع النفطي، فإن المشاريع المملوكة للدولة تتركز في قطاعات الزراعة والتجارة والتصنيع، ولأن هذه المشروعات المملوكة للدولة يتم دعمها بصورة كبيرة وتمويلها من خلال التحويلات القادمة من الحكومة، فإن القطاع الخاص  يعتبر في وضع غير موات وغير قادر على المنافسة والتطور، وأكثر من ذلك فإن الحكومة قامت بتقييد القطاع الخاص من خلال حزمة مختلطة ومعقدة من الاجراءات التنظيمية التي تحكم عملية تأسيس وعمل الشركات الخاصة، بالإضافة إلى تقييد قدرة هذا القطاع على الحصول على الائتمان، ففي تقرير ممارسة الأعمال لعام 2014 – الذي يصدره البنك الدولي – كان ترتيب العراق في المرتبة 151 من بين 189 دولة، وهو أمر يثبت عدم اهتمام الحكومة العراقية بالقطاع الخاص. 

ويمكن أن نجد مزيداً من الأدلة حول الدور الرئيسي الذي تلعبه الحكومة في الاقتصاد العراقي في احصاءات سوق العمل، حيث يقوم القطاع العام بتوظيف حوالي 40% من إجمالي قوة العمل، فالقطاع الحكومي يوفر الأمان الوظيفي ويدفع مستويات أعلى من الدخول ومزايا أكبر من تلك التي يقدمها القطاع الخاص، وبما أن البدائل للقطاع الحكومي محدودة فإن معدل البطالة يدور حول نسبة 15%، هناك أيضاً  تفاوتات ملحوظة في مستويات البطالة عبر المحافظات العراقية المختلفة، ففي بعض المحافظات – خاصة تلك التي تقطنها أغلبية سُنية مثل محافظة الأنبار – يصل معدل البطالة إلى ضعف نظيره على المستوى القومي، فمن الواضح تماماً أن الحكومة تفضل السكان الشيعة، من خلال استخدام عملية التوظيف في القطاع العام، اعتماداً على نظام المحسوبية، وبجانب عملية التهميش السياسي، فإن السكان السٌنة لديهم مظالم اقتصادية مشروعة، هذه المظالم تُمكن تنظيم الدولة الاسلامية من استخدامها وتوظيفها والاستفادة منها. 

باختصار، إن هيكل الاقتصاد العراقي لم يتغير بصورة كبيرة منذ نهاية الاحتلال الأمريكي في عام 2004، لقد كان لدى سلطة الائتلاف الانتقالية رؤية كبيرة للعراق، من خلالها يتحول الاقتصاد العراقي إلى اقتصاد حيوي ومتنوع وحديث يقوده القطاع الخاص، وقد قامت هذه السلطة الانتقالية بتحديد الاصلاحات الاقتصادية والمؤسسية التي عن طريقها تتحقق هذه الرؤية، إلا أن العراق اليوم ما يزال يعتمد بصورة شبه حصرية على قطاع النفط، وما تزال الدولة تسيطر على الاقتصاد، وهي صورة لم تتغير تقريبا منذ عهد اقتصاد صدام حسين، ولم تقم الحكومة العراقية بتنفيذ أي اصلاحات اقتصادية رئيسية، أو تطوير المؤسسات الاقتصادية خلال العقد الماضي، من أجل تنفيذ الرؤية التي وضعتها سلطة الائتلاف المؤقتة، ومما لاشك فيه أن سياسات سلطة الانتقال المؤقتة من أجل تحويل الاقتصاد العراقي قد فشلت فشلا ذريعاً. 

ولأن اقتصاد العراق ما يزال معتمداً على منتج واحد فقط، فإن القتال مع تنظيم الدولة سوف يؤثر على الاقتصاد من خلال إرباك امدادات قطاع النفط، وحينما يكون هناك انخفاض ملحوظ في انتاج العراق النفطي فإن التأثير على الاقتصاد العراق سيكون كارثي، ويمكن أن نجد حالة شبيهة في مثال ليبيا، حينما تدهور الاقتصاد بصورة كبيرة نتيجة لقيام الانتفاضة التي اطاحت بمعمر القذافي، هذه الانتفاضة نتج عنها انخفاض كبير في انتاج النفط، هذا الانخفاض في انتاج النفط حدث من معدل انتاج 1.6 مليون برميل يوميا في عام 2010، إلى أقل من نصف مليون برميل يومياً في عام 2011، وهذا الانخفاض أدى بالتبعية إلى انخفاض الناتج المحلي الاجمالي بأكثر من النصف – من 75 مليار دولار إلى 35 مليار دولار، وهو انخفاض كارثي للناتج المحلي الاجمالي بكل المقاييس، وعلى مدار العام الماضي حيث كانت المليشيات المسلحة تتقاتل من أجل تحقيق أهدافها السياسية، انخفض انتاج النفط بصورة كبيرة – شهد الاقتصاد الليبي مرة أخرى  انهياراً اقتصادياً.      

هل يمكن أن يتكرر السيناريو الليبي في العراق؟ حتى الأن لم يتمكن تنظيم الدولة من السيطرة على أياً من الأجزاء الرئيسية في حقول النفط الرئيسية في العراق، تمكّن التنظيم فقط من السيطرة على بعض الحقول الصغيرة وأكبر مصفاة للنفط في العراق والواقعة في مدينة بيجي، هذه المصفاة توفر غالبية إمدادات البنزين والديزل للمناطق الشمالية في العراق، وتسيطر القوات الكردية الآن بصورة كاملة على حقل نفط كركوك العملاق، ولو استمرت سيطرة الأكراد على حقل نفط كركوك، فإن العراق يمكن أن يخسر ما يقرب من ربع انتاجه من النفط، بالإضافة إلى ذلك فإن خط أنابيب كركوك-جيهان – والذي تقدر سعته بـ 1.6 مليون برميل يومياً – قد تم غلقه نتيجة لتعرضه لهجمات متكررة منذ شهر مارس من هذا العام، كما أن صادرات النفط من الحقول الموجودة في شمال العراق قد تقلصت بشكل حاد.

وبالرغم من خطورة هذا الاتجاه فإن العراق ما يزال قادراً على إدارة هذه الخسارة في انتاج النفط، إن الناتج المحلي الاجمالي الحقيقي – والذي كان من المتوقع له أن ينمو عند معدل 6% في عام 2014 – يمكن أن يظل كما هو أو ينخفض لينمو بنسبة تتراوح بين 2% و3%، والسبب في أن هذا الانخفاض ليس كبيراً هو أن حوالي ثلاثة أرباع انتاج النفط العراقي موجود في المناطق الجنوبية من البلاد، حيث يتمركز غالبية السكان الشيعة، والذين ما يزال دعمهم للحكومة حياً، وقد لعبت شركات النفط الأجنبية دورا رئيسياً في تنمية وإعادة تأهيل حقول النفط الجنوبية، كما أن معظم انتاج النفط العراقي يتدفق من خلال موانئ ساحل مدينة البصرة على الخليج، ويضاف إلى ذلك أن الحكومة تنفق بعضاً من اجمالي العوائد الدولية البالغة 80 مليار دولار من أجل تعويض خسائر عوائد صادرات النفط التي تأتي من الأجزاء الشمالية في البلاد.

وطالما لم تتصاعد الحرب الدائرة الآن مع تنظيم الدولة أكثر، وظل الأكراد جزء من الدولة العراقية فإن الاقتصاد من المحتمل أن يكون قادراً على مواكبة هذه التطورات، وفي العراق – كما هو الحال في دول الشرق الأوسط الأخرى المنتجة للبترول – فإن مسيرة الاقتصاد مرتبطة بإنتاج النفط، ولا تملك الحكومة الكثير لتقوم به من أجل الحفاظ على مسيرة الاقتصاد ثابتة أو ربما منخفضة، ولكن لديها الحافز من خلال انتاجها من النفط واسعار النفط العالمية، وهذا هو السيناريو الجيد المتفائل نسبيا.

 إلا انه لا يمكن استبعاد احتمالية حدوث السيناريو القاتم المتشائم، فالدولة العراقية يمكن أن تنقسم بين الشيعة والسُنة والأكراد، في ظل حقيقة أن كل طرف من هذه الأطراف يسيطر على المناطق التي يتمتع فيها بأغلبية، هذا الانقسام للدولة ليس من المحتمل أن يحدث بصورة سلمية، فالأكراد يمكن أن يعلنوا استقلال الدولة، تاركين الحكومة العراقية وتنظيم الدولة يتقاتلون حول المناطق التي يرغب كلا منهما في السيطرة عليها، إن الحرب الأهلية الطائفية واسعة النطاق الناتجة عن هذا الانقسام سوف يكون لها نتائج كارثية على العراق، وفي إطار هذا السيناريو فإن العراق ليس من المحتمل أن يكون مثل ليبيا، ولكن أكثر مثل سوريا حيث التكلفة الاقتصادية للحرب الأهلية  تتزايد بصورة مذهلة

وعلى الرغم من أن الاحتمالات ما تزال في صالح السيناريو المتفائل، فإن احتمالية حدوث السيناريو المتشائم ليست صغيرة للدرجة التي يمكن تجاهلها، ما يزال التركيز حتى الآن على الأمن والسياسة، إن تجاهل الاقتصاد هو خطأ، لا بد من أن يتم وضع الجوانب الثلاثة في الاعتبار مع بعضهم البعض، فلو أن الحكومة العراقية التي يقودها الشيعة في العراق تسعى إلى صنع السلام مع السكان السُنة وهزيمة تنظيم الدولة فإن عليها أن تتبني عملية اندماجية على المستويين السياسي والاقتصادي، وعلى مدار العقد الماضي للأسف لم تقم الحكومة بآياً من الأمرين.

Read it in English

محسن خان

هو كبير باحثين غير مقيم مع مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، حيث تركز اهتماماته البحثية على الأبعاد الاقتصادية لعمليات التحول في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.