أنقرة وواشنطن: هل يمكن الوصول لتوافق حول سوريا؟

تعتبر زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى البيت الأبيض فرصة جيدة بالنسبة لاثنين من حلفاء حلف شمال الأطلنطي للوصول إلى توافق حول سوريا. من المهم التوصل لهذا التوافق. إلا أنه وفقا لما هو الحال الآن فهناك شكوك حول إمكانية الوصول لذلك، ويتحمل كل طرف المسئولية عن هذا الانقسام الثنائي الذي يتسبب في أضرار نحن في غنى عنها. بالرغم من ذلك فإن الرئيسين ترامب وأردوغان لديهما القدرة لمنح تحالفهما الأولوية على حساب اعتبارات أخرى أقل أهمية تتسبب في انقسامهما.

فيما يخص الحرب على تنظيم داعش في شرق سوريا والمسألة الأوسع حول مستقبل سوريا السياسي، فإن دونالد ترامب ورث من سابقه نموذجا في التعامل مع سوريا غني بالتشكك وانعدام الكفاءة الجم.

في غرب سوريا، لم يكن هناك أي ردة فعل لإدارة أوباما على التحريض على التطرف، والقتل الجماعي للمدنيين من قبل نظام بشار الأسد: كارثة سياسية متعددة المستويات تنتشر في مجال أوسع من سوريا تم تداركها جزئيا فقط حين قامت إدارة ترامب بضربة 6-7 إبريل الانتقامية رداً على اعتداءات النظام الكيميائية ضد المدنيين.

في شرق سوريا، شنت إدارة أوباما حرباً بطيئة الحركة ضد الخلافة الوهمية، وهم مجموعة من المجرمين من البعثيين العراقيين والإسلاميين متعددي الجنسيات والذين يستخدمون الأراضي السورية للقيام بعمليات ضد حلفاء أمريكا: فرنسا، وبلجيكا وتركيا. والأهم أن القوات البرية التي اختارتها واشنطن لتنفيذ هذه العمليات التجريبية كانت (ومازالت) وحدات حماية الشعب الكردية، وهي حليفة لحزب العمال الكردستاني. حزب العمال الكردستاني هو منظمة مقرها في تركيا والعراق، وتم وصفها بالجماعة الإرهابية من قبل الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلنطي.

فيما يخص الأسد وممارساته في تدمير سوريا، فإن الرئيسين ترامب وأردوغان لديهما أرضية مشتركة يمكن البناء عليها. كان البيت الأبيض على اعتقاد تسبب في هزيمة الذات وتعريض الحلفاء للخطر ألا وهو أن المدنيين السوريين عليهم ببساطة دفع الثمن للحفاظ على الاتفاق النووي الإيراني. كان الرئيس أوباما يحسب حساب أهمية طهران حين احتفظ بالأسد في السلطة على الأقل في جزء من سوريا. كان يخشى أن يخسر الاتفاق النووي – جوهرة التاج في السياسة الخارجية – إذا ما قام بإعاقة وإحباط حرية الأسد في خوض مجازر جماعية. أظهرت إدارة ترامب في 6 و7 إبريل، أمراً عرفه الكثير من المسئولين في الإدارة السابقة: أن إيران لديها القدرة على رؤية عميلها السوري وهو يتلقى العقاب على القتل الجماعي، وفي نفس الوقت تلتزم باتفاق واضح بشكل جلي أنه يخدم مصالحها.

ما يجب أن يلتزم به أردوغان وترامب في اجتماع المكتب البيضاوي هو مشاركة ثنائية مكثفة لصياغة استراتيجية مشتركة لتعزيز الهدف المشترك للانتقال السياسي السوري بما يتفق مع البيان الختامي لمجموعة العمل المعنية بسوريا في 30 يونيو/حزيران 2012. قاومت إدارة أوباما هذه الجهود لأنها لم يكن لديها استراتيجية قائمة بذاتها بشأن سوريا، بخلاف سياسة بغيضة للتقليل من شأن الوضع الإنساني مما أسفر عن تبعات خطيرة عابرة للقارات لمراعاة الحساسية الإيرانية. إدارة ترامب ليست على هذا النحو. في صبيحة العدوان الكيميائي لم يكن لديها أي أوهام فيما يخص بشار الأسد، وعلم روسيا المسبق بهذا العدوان المريع لم يوقف إدارة ترامب، كما أن الإدارة لا ترى أي قيمة لإرجاء المواجهة مع إيران وحزب الله لصالح الاتفاق النووي الذي لدى إيران عدة أسباب لمراعاته في كافة الأحوال.

لسوء الحظ، فإن الوصول لاتفاق حول هزيمة داعش العسكرية ليس أمرا واعداً كما هو الحال مع الجهود المبذولة لتحييد سلوك الأسد، وحاشيته، المحرض على التطرف. تدعي أنقرة أن لديها استعداد لعرض بديل أفضل لما تصفه بـ”استخدام الإرهابيين لمحاربة الإرهاب”. هذا العرض لم يتم عرضه منذ سنتين خلت، قبل أن تتورط القيادة المركزية الأمريكية مع وحدات تحالف الشعب، لكن الأمر قد تخطى مرحلة الندم الآن. يقول المسئولون الأتراك بأنه قيل لهم – كما يدعون بإن ذلك قيل لهم منذ أشهر – بأن السيطرة على الرقة (عاصمة داعش في سوريا) أمر وشيك، ومن ثم فإنه بات متأخراً أن تقوم الولايات المتحدة بتغيير رهانها على القوات البرية.

قد يحترم المرء الروابط المتداخلة التي نشأت بين المستشارين الأمريكيين ومقاتلي وحدات حماية الشعب في شرق سوريا والاعتراف بفاعلية قوات سورية الديمقراطية التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب في حملتها لعزل الرقة. قد يقبل المرء القيمة الظاهرية للإحساس الملح بضرورة السيطرة على الرقة الآن، عقب اعتداءات تنظيم داعش التي نفذته في باريس وبروكسل والعديد من المناطق في تركيا. قد يتعاطف المرء مع تفضيل القيادة المركزية لحملة مضادة لداعش تعلي من شأن رجال الميليشيات على حساب تشكيل قوات تحالف برية محترفة لهزيمة التنظيم بشكل بات وزيادة الحماية للمدنيين أثناء العملية. كل ذلك مفهوم، لكن، هل هو سليم؟

وجهة النظر هنا هو أن ذلك لم يكن سليماً. على الرئيس ترامب أن ينصت إلى نظيره التركي جيداً، إذا كان الرئيس أردوغان لديه بديلاً آنياً ليقدمه – قوات برية تركية تضم الجنود المدربين إلى مناطق الصراع في الحضر – بالتأكيد فإن قبول هذا البديل سيكون معقولاً، سواء في عملية تنفيذ المعركة أو الحفاظ على علاقة التحالف. أما إذا لم يكن الرئيس التركي لديه هذا البديل فعليه قبول دور وحدات حماية الشعب باللياقة اللازمة، والاعتراف بأن تنظيم داعش لن يتم هزيمته إلا من الجو فقط، وعلى واشنطن اتخاذ الخطوات اللازمة للتأكد من أن دخول رجال الميليشيات إلى الرقة لن ينتج عنه أي كارثة إنسانية.

التحالف مع شريك من حلف شمال الأطلنطي أكثر أهمية من علاقة القيادة المركزية مع الميليشيات سواء المتصلة بحزب العمال الكردستاني أو، أحيانا، المتصلة بنظام الأسد. إن تفضيل الاستمرار في الوضع الحالي غير مفهوم، بل وغير مقبول. الأمر يرجع للرئيسين كي يضعوا تحالفهما أولاً، عليهما بذل كل جهد للوصول إلى توافق حول الوضع السوري: كامل الوضع السوري.

اشترك في نشرتنا Read in English

فريدريك هوف

مدير مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، حيث تركز اهتماماته البحثية على الصراع السوري. وهو خبير بارز في قضايا الشرعية السياسية في سوريا والشرق الأوسط.

شاهد أيضاً

الصراع وندرة المياه في اليمن وسوريا

ربما لا يبدو أن ندرة المياه هي المحرك الأهم للصراع، إلا أن في سوريا واليمن، فإن أزمة المياه عنصر هام يستمر في التأثير على البلدين. بينما يبدو أن العنف والاضطراب السياسي هما الأكثر ضغطاً، إلا أن النزاعات نفسها متصلة بنقص المياه، وتتفاقم بسبب هذه القضية الأساسية.

الحراك الشعبي في مواجهة الإدارة المدنية لجبهة النصرة

بعد أن استتبت السيطرة لهيئة تحرير الشام عسكرياً، بدأت الهيئة العمل على السيطرة على القطاع المدني عبر مبادرة أطلقت عليها "الإدارة المدنية للخدمات"، والتي تهدف من خلالها لتشكيل جسم مدني يتولى إدارة المناطق المحررة، والاشراف على عمل المجالس المحلية ومنظمات المجتمع المدني.

تراجع قوات النخبة السورية

يضر التوتر المتزايد بالعلاقة بين قوات سوريا الديمقراطية، التي يقودها الأكراد، وقوات النخبة السورية التابعة للقبائل العربية، في الوقت الذي يتعاون فيه الطرفان في معركة الرقة.

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط