في ظل خلافات الفصائل: النظام يستعد للسيطرة على الغوطة الشرقية

لم يكن ما بعد تاريخ 15 مايو/أيار 2017 كما قبله، بعد هذا التاريخ، بدأت عمليات إخلاء حي القابون الدمشقي من مقاتلي المعارضة وأهله، وفق اتفاق بين قوات النظام السوري والفصائل التي تقف ضده. الحي الذي يقع بالشمال الشرقي من العاصمة، يُعتبر خط الدفاع الأول للمعارضة السورية بالغوطة الشرقية، في وجه قوات النظام، ويأتي هذا الاتفاق بعد اتفاقين مشابهين في حي تشرين وحي برزة القريبين من القابون. بعد تنفيذ هذه الاتفاقات، أصبحت ميادين الغوطة مكشوفة بشكل أكبر أمام قوات النظام والمجموعات المسلحة الداعمة لها، وبقيت العقبة الأهم حي جوبر، الذي يعتبر خاصرة دمشق، وخط الدفاع الأقوى لفصائل الغوطة بمختلف تصنيفاتها. 

لكن رغم هذه المخاطر، لم تقف آلة الخلاف الداخلي بين الفصائل في الغوطة، متمثلة في جيش الإسلام وفيلق الرحمن بصورة رئيسية، فالمعارك استمرت، والمدنيون خاسرون، والنظام يتربص ليرى من سينتصر. فيما تغيرت أطراف المعارك مؤخراً، مع دخول هيئة تحرير الشام وحركة أحرار الشام على خط المواجهات.

في شهر أغسطس/آب الحالي المعروف بحرارته المرتفعة، زادت حدة صيفه مع معارك جديدة في الغوطة، هذه المرة يقف جيش الإسلام وفيلق الرحمن في صف واحد ضد هيئة تحرير الشام، التي يتشكل تعدادها الأكبر من عناصر جبهة النصرة سابقاً، ومعها الحليف والعدو في إدلب حركة أحرار الشام.

يقول مازن الريفي أحد الناشطين من أبناء الغوطة حول تطورات المعارك خلال الفترة الماضية بغوطة دمشق الشرقية “حركة أحرار الشام وهيئة تحرير الشام تقاتلان في صف واحد ضد فيلق الرحمن، على عكس الشمال السوري”، في إشارة إلى المعارك بإدلب وريفها بين حركة أحرار الشام وهيئة تحرير الشام.

لكن الأمور داخلياً تبدو أعقد، يكمل الريفي حديثه “جيش الإسلام يشن هجوماً على فيلق الرحمن في بلدة سقبا، وفيلق الرحمن يصد اقتحام قوات النظام من جهة عين ترما، ويصد اقتحام هيئة تحرير الشام وأحرار الشام في محاولة للسيطرة على بلدة سقبا، معقل الفيلق”، ويعلق الناشط باللكنة العامية “يعني شغلة فايته بالحيط”، أي أن الأمور بالغة التعقيد.

وبحسب الناشط، جرى اتفاق تهدئة بين جيش الاسلام والفيلق، ينص على قتال هيئة تحرير الشام وحركة أحرار الشام المساندة لها، والهدف استئصالهما بشكل نهائي أو اندماجهما بالفصائل. لكن في نفس الوقت، النظام السوري يقصف الغوطة وعين ترما بذريعة وجود الهيئة هناك، فيما يبدو تمهيداً لبداية إخراجها إلى إدلب، بينما عينه على الموقع الاستراتيجي الأهم وهو جوبر. وجدير بالذكر انه في أبريل/نيسان صعّد النظام من هجماته على حي جوبر.

وحذر مؤخراً الناطق باسم فيلق الرحمن وائل علوان، مما وصفه بهجوم بري ضخم لقوات النظام السوري لاستعادة حي جوبر والسيطرة عليه، مضيفاً أن عناصر الفيلق يستعدون للتصدي لهذا الهجوم المُتوقع أن يتم من محوري طيبة وعين ترما شرق جوبر.

تحذيرات علوان، تأتي بعد تصعيد عنيف من قبل النظام في قصف جوبر خلال الأيام الماضية، وخاصة بعد إعلان فيلق الرحمن يوم الاثنين مقتل أكثر من 20 عنصراً وجرح العشرات وأسر جندي من الفرقة الرابعة التابعة للنظام في جوبر.

وحول عمليات فيلق الرحمن يتحدث خالد أبو جعفر الناشط الاعلامي في الغوطة “فيلق الرحمن يقاتل جبهة النصرة، ويطرد أحرار الشام من القطاع الذي يسيطر عليه بالمنطقة، أيضاً فيلق الرحمن يقاتل النظام على جبهة جوبر وعين ترما، بينما جيش الأسلام يقاتل جبهة النصرة على جبهة الأشعري وسيطر على منطقة الأشعري بشكل كامل.”

وبحسب ناشطين في الغوطة، عقدت عدة اجتماعات بين فيلق الرحمن وحركة أحرار الشام الإسلامية، في الأيام الماضية، تم الاتفاق بعدها على حل الخلاف والاقتتال الحاصل بين الطرفين في الغوطة الشرقية.

وتؤكد “وكالة أموي للأنباء” الناشطة على التيليجرام والمتخصصة بأخبار الغوطة، أنه تم الاجتماع بين القيادات بوساطة الهيئة الشرعية لدمشق وريفها، وبحضور رئيسها الشيخ حسين درويش، ونشرت بنود الاتفاق التي تنص على “وقف إطلاق النار الفوري بين الفصيلين، وإخراج جميع المعتقلين من الطرفين، وإعادة السلاح، وعدم ملاحقة المنشقين من الفصيلين، إضافةً لفتح الطرقات من جديد بين معقل الحركة الرئيسي وهو مدينة حرستا والقطاع الأوسط في الغوطة وهو معقل فيلق الرحمن.

ويأتي الاتفاق، في حال تم كاملاً، بعد اقتتال بين الفصيلين دام لثلاثة أيام، وقد خلف هذا القتال إصابات وجرحى ومتعقلين، يضافون إلى خسائر المعارك المليئة بالمواجهات المتفرقة بين الأطراف.

قد يكون أساس الخلاف الأخير، وسعي جيش الاسلام وفيلق الرحمن لطرد الأحرار والهيئة، متعلق بمحادثات الأستانة، فالطرفان الأخيران رفضا المشاركة بها، بينما الجيش والفيلق من الأطراف الفاعلة بالمحادثات، وقد يكون الأمر صراع نفوذ لا أقل ولا أكثر، وهنا تبدو مشكلة كبيرة، فهل توجد ضمانات لعدم نشوب خلافات جديدة بين الفيلق والجيش الذي سقط منهما العام الماضي والحالي مئات القتلى خلال اقتتالهما؟

وبعيداً عن تعقيدات الوضع، يصب الصراع الداخلي بين فصائل المعارضة في هذه المناطق في صالح النظام، حيث ظل النظام في فترات كثيرة من العام الماضي والحالي يتابع هذه الصراعات، ويهجم على مناطق معينة ليحقق مكاسب له، آخرها كان إخراج حي القابون من المعادلة الدمشقية، والآن، يستعد لإنهاء قصة حي جوبر الواقع شمال شرقي العاصمة، الذي يعتبر عقدة كبيرة لقوات النظام على مدار أكثر من ثلاث سنوات، وفي حال استطاع تحقيق هدفه بالسيطرة عليه، يمهد الطريق نحو كامل الغوطة الشرقية، وتصبح مناطق عين ترما، وكفر بطنا، وسقبا، وحمورية، وعربين وحرستا مكشوفة بالكامل أمام قواته، وبالتالي، سيتمكن النظام من تأمين إطار ريف دمشق الشرقي، وضمّه لمشروع ما يسمى سوريا المفيدة، والبدء فعلياً به من جبهات العاصمة.

اشترك في نشرتنا English

حسن عارفه

صحفي سوري مقيم في تركيا.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة