ماذا تعني الانتخابات البرلمانية الجزائرية للدولة والمجتمع؟

تشهد الجزائر اليوم تغييرًا في عددٍ كبير من المجالات المترابطة بين بعضها البعض. ولذلك، سوف تُجرى الانتخابات النيابية المقبلة في الخامس من مايو/آيار في جوّ من الغموض المتزايد. وقد علمت القوة الحاكمة أنّ الوقت قد حان للتغيير، فاتخذت خطواتٍ لتنويع الاقتصاد وإجراء تعديلاتٍ دستورية في السنوات الأخيرة، ما يعني أنّ هذه الانتخابات قد تحدث تغييرًا في البرلمان.

أوّلًا، تبرز التحديات الاقتصادية، فقد بدأ انخفاض أسعار النفط بإرغام المخططين الاقتصاديين على إيجاد استراتيجياتٍ للابتعاد عن اعتماد البلاد على عائدات الوقود الحفري. وقد عمدت الجزائر في السنوات العدة الأخيرة إلى تخفيض احتياطي العملات الأجنبية، ويقال أنّه من المتوقّع أن ينفذ هذا الاحتياطي مع نهاية عام 2018. وتتردّد الحكومة في تنفيذ الإجراءات التقشفية المناسبة (التي قد تؤدّي إلى عدم الاستقرار الاجتماعي)، فلجأت إلى طرق أخرى لتفادي أزمة في تسديد المدفوعات، ومنها تأجيل مشاريع البنى التحتية. ويشكّل غياب استراتيجية واضحة تسمح للدولة بتجنّب أزمةٍ مالية، من دون التخلي عن جذور الجزائر الاشتراكية مصدرًا مهمًا للغموض.

ثانيًا، تبرز مسألة هوية خليفة الرئيس المتقدّم في السن والمريض عبد العزيز بوتفليقة. وتستعد الحكومة الحالية لمرحلة الانتقال هذه، وتفكّر المجموعات الموالية لبوتفليقة بترشيح شقيقه سعيد بوتفليقة للرئاسة القادمة، إلّا أنّ عددًا كبيرًا من الجزائريين يعارضون هذا الأخير، ومنهم صنّاع القرار من ذوي النفوذ. إنّ العلاقة متوتّرة بين الرئيس وحلفائه من جهة والجيش والقوات الاستخبارية من جهةٍ أخرى منذ بداية عهد بوتفليقة. وقد يكون لمحاولتهم السيطرة على الرئاسة القادمة نتائج وخيمة، إذا قررت القيادة الأمنية أن تعرقل هذا الخيار من خلال تفضيل مرشحٍ آخر من الحزب الحاكم. والأسوأ من ذلك إن اتخذ الجيش إجراءاتٍ أكثر تشددًا، ومنها شنّ انقلاب. وقد يترشّح بوتفليقة نفسه لولايةٍ خامسة طالما تسمح له صحته بذلك (سوف تُجرى الانتخابات الرئاسية القادمة عام 2019). وتشير بعض النظريات إلى أنّ بعض المقربين من بوتفليقة، على غرار رئيس أركان الجيش ونائب وزير الدفاع الجزائري أحمد قايد صالح ورئي الوزراء عبد المالك سلال، قد ينافسان سعيد بوتفليقة على هذا المنصب. لذلك، يتسبّب كل من التوقيت والتوجّه ومستوى عدم الاستقرار في التغيير الوشيك للقيادة في خلق هذا الغموض.

أخيرًا، ما زالت الجزائر تواجه عدم استقرارٍ اجتماعي ومخاوف أمنية، إذ إنّ التظاهرات تعمّ المدن بشكلٍ متكرّر ومنتظم (ومنها تلك التي نشبت في وقتٍ سابق من هذه السنة احتجاجًا على الإعلان عن تقليص الدعم). ويشهد جنوب البلاد تظاهراتٍ واعتداءاتٍ إرهابية متكررة. وفي حين يرى المحللون أنّ خطر انتشار عدم الاستقرار واسع النطاق ضئيلٌ نظرًا للذكرى الأخيرة للحرب الأهلية في التسعينات من القرن المنصرم وقوّة الجيش الجزائري، لا يزال عدم الاستقرار الناجم عن التظاهرات الأخيرة في دول عربية أخرى يثير قلق النظام الجزائري. بالإضافة إلى ذلك، إنّ شرعية نظام بوتفليقة مهددةٌ في الأساس. فقد نال تقدير الشعب عندما أعاد إحلال الاستقرار في البلاد بعد حربٍ أهلية دامت عقدًا من الزمن، إلّا أنّ جيل الشباب الذي لم يشهد هذه الحرب يتنامى. وجاءت مناورات بوتفليقة الهادفة لتعديل الدستور السابق ليسمح له بالحكم لولايةٍ رابعة لتخفف من مصداقيته. أضف إلى ذلك أنّه في حال تدخّل الجيش لتهدئة التظاهرات، سوف يفسد ذلك التوازن المدني-العسكري، الذي يعمل الرئيس على تحقيقه. ولكلّ هذه الأسباب، تتوخّى الحكومة اليوم حذرها من أجل تفادي تظاهراتٍ كبيرة.

فما هو التغيير، إن وُجد، الذي ستحدثه الانتخابات النيابية القادمة في قدرة الحكومة على إدارة هذه التحديات؟ ففي نهاية المطاف، يبدو أنّه من غير المرجّح أن تغيّر الانتخابات تركيبة الحكومة تغييرًا جذريًا. ويسيطر على البرلمان اليوم الحزب الذي يحكم البلاد منذ الاستقلال، وهو جبهة التحرير الوطني وحزبٌ آخر مدعوم من الحكومة، وهو التجمع الوطني الديمقراطي. إلّا أنّ الائتلاف المعارض المعروف بـ” هيئة التشاور والمتابعة للمعارضة” قد تردّدت في قرارها بمقاطعة الانتخابات. ويتمتّع قائد الائتلاف علي بن فليس بمصداقيةٍ عالية، بيد أنّه من غير المتوقع أن يحقق نجاحًا في حال خاض المعركة الانتخابية. وقد برز في الآونة الأخيرة انشقاقٌ علني بين الأحزاب الإسلامية المعارضة حول ما إذا كانت سوف تتعاون مع الحكومة أم لا، وبالتالي، حول ما إذا كانت ستدعم الاتفاق مع الحزب الإسلامي الذي قاد العصيان المسلّح ضدّ النظام (بما فيه الجيش) في التسعينات من القرن المنصرم، ما أضعف قدرة هذه الأحزاب على مواجهة النظام.

إلّا أنّه منذ الانتخابات النيابية الأخيرة عام 2012، وقع عددٌ من الأحداث الأساسية التي تعطي هذه الانتخابات أهميتها، ومنها الانتفاضات الشعبية في أوائل عام 2011 (على غرار تونس ومصر وغيرها) التي ردّت عليها الحكومة أوّلًا بتوزيع المساعدات وتوعّدت بعدها بإصلاحاتٍ دستورية اعتمدها البرلمان في الأشهر الأولى من العام المنصرم. وكانت هذه الإصلاحات، على الرغم من محدوديتها، اعترافًا واضحًا بعدم استدامة الوضع الحالي. وبالإضافة إلى جلب هيئةٍ مستقلة للإشراف على الانتخابات، وسّعت هذه الإصلاحات نطاق سلطة البرلمان كمشرفٍ على السلطة التنفيذية. بالإضافة إلى ذلك، فرض قانون عام 2012 حصصًا لتمثيل المرأة في لوائح الأحزاب، ما أحدث ارتفاعًا كبيرًا في تمثيل المرأة في البرلمان. إنّ التعديلات الدستورية الجديدة، إلى جانب حرصها على الحقوق الفردية الأساسية واعترافها باللغة الأمازيغية (البربرية) لغةً رسمية، تعزز وجود الشباب في الجسم السياسي. وإنّ هذه الخطوات الصغيرة نحو إدارة التغيير الاجتماعي الحتمي، إلى جانب واقع أنّ الأحزاب الإسلامية لم تختفِ على الرغم من الانشقاق فيما بينها وسيطرة الدولة، تعني أنّ البرلمان ليس بمؤسسةٍ عقيمة. وإذا كان تشكيل الهيئة الانتخابية المستقلة وربما زيادة مشاركة الناخبين سوف يساعدان على إعطاء المصداقية للعملية الانتخابية بكاملها، فقد تشكّل هذه الانتخابات فرصةً لترسيخ بعض إصلاحات الحوكمة هذه.

وقد أشارت قيادة البلاد أيضًا إلى أنها تقرّ بالحاجة إلى التغيير الجذري لكي تتمكن من التعامل مع الغموض الأمني والاقتصادي المتزايدين. وتشمل الخطوات التي تم اتخاذها في المجال الاقتصادي زيادة الضريبة على الدخل، والإصلاحات المشجعة للاستثمار، وجهود محدودة للتنويع في قطاع الطاقة. ويقال إنّ القوى الأمنية تتفوّق على المتطرفين. إلّا أنّ أي من هذه الإجراءات لا تشكّل ما يقارب الحلول الفعالة، فغالبًا ما يحمل الخطاب الرسمي حول الإصلاحات الاقتصادية المخطط لها تناقضات ويتجاهل المشاكل الأساسية كالبطالة مثلًا. ويرى الكثيرون أنّ الإصلاحات السياسية والقانونية الأخيرة غير كافية لتعزيز المساواة بين الجنسين وحماية الحريات الفردية وحقوق الأقليات. وتسود الجزائر أيضًا المخاوف من أنّ الإصلاحات الدستورية لم تضمن انتقالًا أكثر وضوحًا في السلطة في حال وفاة بوتفليقة. ومن المرجّح أن يتسبب عدم الوضوح هذا بدوره في شلل الحكومة.

وبشكلٍ عام، لا يمكن للانتخابات النيابية وحدها، ولو كانت تبدّل التوازن بين الأحزاب الحاكمة والأحزاب المعارضة، أن تكمّل جهود الحكومة غير المكتملة. والأكيد أنّ المجتمع الجزائري أظهر علاماتٍ عن القيام بهذه المهمّة بنفسه، ومنها دائرة ريادة الأعمال الاجتماعية. بيد أنّ السياق الأوسع الذي ستجرى فيه الانتخابات – وهو جوٌّ من الغموض مع إقرار أصحاب السلطة بحتميّة التغيير – يجعل منها انتخاباتٍ تستحقّ المتابعة.

Read in English

سابينا هينيبيرج

طالبة دكتوراة في كلية الدراسات الدولية المتقدمة في جامعة جون هوبكنز.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط