القاعدة تريد إقامة إمارة في سوريا ولكن ليس الآن

تحذر عدة تقارير صدرت في الآونة الأخيرة من اعتزام جبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة الإعلان عن إمارة إسلامية خاصة بها في سوريا في المستقبل القريب، ولكن على الأرجح أن هذه التحذيرات تستبق الأحداث. ولا شك أن هدف جبهة النصرة على المدى الطويل هو إقامة إمارة إسلامية في سوريا، ولكن على عكس تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، فهي تريد فعل ذلك عن طريق كسب قلوب وعقول الناس. وتوجد عقبتان رئيستان تحولان دون قيام النصرة بذلك وهما: إنتماء النصرة لتنظيم القاعدة، حيث لا يؤيد كثير من أعضائها فكرة إقامة خلافة، ورفض معظم السوريين هذه الفكرة.

وما يدعم هذه التكهنات هو وصول عدد من الشخصيات البارزة في تنظيم القاعدة إلى سوريا مؤخراً، والذي يُنظر إليه على كونه محاولة من جبهة النصرة تأمين الدعم الكافي للإمارة، عن طريق إقناع جماعات أخرى بالإنضمام إليه. وقد فسر المحللون الرسالة الصوتية الأخيرة لزعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري على أنها تمثل تأييداً شعبياً لفكرة انفصال جبهة النصرة عن التنظيم الأم من أجل إقامة إمارة. وبالرغم من كون هذه الحجج ذات قيمة، لا تزال جبهة النصرة تواجه العديد من التحديات الداخلية والخارجية، والتي تمنعها من الإعلان عن إمارتها. ومن ناحية أخرى، يمكن أن تُفهم هذه التطورات على أنها مجرد محاولة لمساعدة جبهة النصرة في التغلب على التهديدات المتزايدة وعلى فقدان الدعم الذي تواجهه. 

تأسست جبهة النصرة في سوريا في أواخر عام 2011، واكتسبت مكانة كبيرة بين السوريين بسبب إسهامها العسكري الكبير. وجعلت الجبهة لنفسها اسماً بمحاربتها للفساد وتقديمها للخدمات، بينما تجنبت السياسة والتدخل في شئون الناس. ذلك النهج الذي حصلت به على تأييد المجتمعات المحلية. ولكن في عام 2014، بدأت الجماعة في تغيير استراتيجية القوة الناعمة التي كانت تنتهجها، وبدأت في مهاجمة بعض الجماعات المعارضة، بما في ذلك الجماعات التي تتلقى دعماً من الولايات المتحدة، وذلك للقضاء على أي تهديد محتمل، ولفرض سيطرتها دون غيرها على المناطق التي سوف تكون جزءاً من إمارتها المستقبلية. وقد حطم هذا التحول في استراتيجية الجماعة التأييد الشعبي لها، وأوجد توتراً مع الجماعات الثورية الأخرى.

ويرفض معظم السوريين خطة جبهة النصرة لإقامة إمارة قريباً فى أى وقت. وتتزايد أعداد التظاهرات ضدها، مما يشير إلى الغضب الشعبي المستمر ضد حكم النصرة المفروض عليهم. وعلى الأرجح أن أي محاولة لإقامة إمارة ستحلق مزيداً من الضرر بشعبية الجماعة. وقد تظاهر السوريون مؤخراً في كل من معرة النعمان وإدلب اعتراضاً على هجوم النصرة على الفرقة الثالثة عشر، التابعة للجيش السوري الحر، والتي تتلقى دعماً من الولايات المتحدة. وقد استمر المواطنون في الأتارب على التظاهر ضد الجماعة الجهادية منذ أن أوقعت جبهة النصرة الهزيمة بحركة حزم (جماعة أخرى تابعة للجيش السوري الحر مدعومة من الولايات المتحدة) هناك في عام 2015. وقد بلغت التظاهرات ضد النصرة منحنيا جديداً مؤخراً.

فقد تحول الناس في كفرنبل من التظاهر ضد انتهاكات الجماعة إلى مهاجمة واحدة من نقاط تفتيشها وحرقها. ولم يكن هذا النوع من الحوادث موجوداً من قبل، ولكن أصبح أكثر شيوعاً الآن. ويدرك الناس أن تطبيق أحكام الشريعة، والتي أثارت بها جبهة النصرة غضب السوريين مع بدء تطبيقها في بعض المناطق، سوف يكون أكثر حدة بعد تأسيس الإمارة الإسلامية. وبالتالي على الأرجح أن هذا سوف يخلق مزيداً من الغضب تجاه النصرة، ويحول دون حصولها على الدعم المحلي الذي تحتاجه لتأسيس إمارتها المزعومة. 

لن تكون المساعدة العسكرية التي يمكن أن تقدمها النصرة للجماعات الثورية التي تحارب ضد الأسد كافية للضغط على هذه الجماعات للقبول بإمارة النصرة. ووفقاً لتشارلز ليستر، الزميل البارز في معهد الشرق الأوسط، فقد أخبره أحد الأشخاص السوريين ذوى التوجه الإسلامي بأن السوريين قد تعاملوا بشكل سلبي جداً مع اقتراح النصرة تأسيس إمارة. وقد وضعت كلٌ من الولايات المتحدة وروسيا الجماعات الثورية تحت ضغط هائل لإبعادهم عن النصرة. وبالرغم من توخي هذه الجماعات الثورية الحذر بشأن النأى بنفسها علناً عن النصرة، فقد قبلت العديد من الاتفاقيات التي تستبعد جبهة النصرة بشكل واضح. وأهم هذه الاتفاقيات هي اتفاقية وقف الأعمال العدائية والتي نُفذت في أواخر شهر فبراير/شباط عام 2016، وقد اسُتبعدت جبهة النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية من هذه الاتفاقية. وقد شكل ذلك تهديداً للنصرة، حيث أظهر اعتزام هذه المجموعات الثورية التخلي عن هذه الجماعة المتطرفة بالرغم من قوتها العسكرية.

وسمح استئناف القتال في سوريا وفشل وقف إطلاق النار للنصرة بتحسين تعاونها مع الجماعات الثورية الأخرى. ولكن، يعد هذا التعاون تكتيكياً وليس أيدولوجياً. فجبهة النصرة تحتاج إلى الجماعات الثورية لأنها توفر لها شرعية ودعم أنصارها، مما يصعب من عملية استبعاد الجماعة. وبهذا، تواجه النصرة خطر فقدان حلفائها إذا تم التوصل إلى حل طويل المدى. وفي هذا السياق، فسر بعض الخبراء الرسالة الصوتية للظواهري على أنها طمئنة للثوار بأن القاعدة لا تنوي الإنفراد بحكم سوريا. ويقول المحلل المتخصص في القضية السورية سام هيلر “إن حديث الظواهري عن إقامة حكومة إسلامية، بدا على الأغلب انها نظرية، فقد كان يتحدث بشكل عام عن الهدف الأساسي للمجاهدين في سوريا، وليس عن إصدار نداء عاجل لإقامة إمارة إسلامية في سوريا.”

وربما يفسر هذا ايضاً إرسال القاعدة لكبار مقاتليها إلى سوريا لمساعدة النصرة في استعادة علاقاتها مع الجماعات الأخرى. وبحسب ما قاله ليستر، عندما كانت جبهة النصرة في أزمة عام 2014، وذلك بعد أن تم تأسيس تنظيم الدولة الإسلامية وإنشقاق عدد من مقاتلي جبهة النصرة الأجانب وانضمامهم للتنظيم الجديد، أرسلت القاعدة قيادياً بارزاً لاستعادة مكانة جبهة النصرة في سوريا. لن يتمكن هؤلاء القادة الكبار الذين وصلوا حديثاً لسوريا من تحسين تصورات السوريين بشأن الجبهة بجعل أسوأ مخاوف الثوار حقيقة ألا وهى تأسيس إمارة. 

وفي هذا السياق، تجدر مقارنة إقامة تنظيم داعش للخلافة بأي محاولة محتملة لجبهة النصرة للقيام بذلك. فقد مكّن عنصر المفاجأة داعش من طرد الجماعات الثورية، التي افتقر العديد منها إلى الخبرة ولم يترسخ وجودها، بينما تتمتع الجماعات في غرب سوريا بخبرة أكبر. ولم تقاوم المجتمعات المحلية تنظيم الدولة كثيراً لأنه وعد في البداية بتوفير الخدمات والاستقرار، والمعاملة العادلة التي تحتكم إلى الشريعة الإسلامية، وذلك في المناطق التي اعتادت الحكومة السورية إهمالها. وقد تم تأسيس خلافة تنظيم داعش أيضاً عندما كانت الجماعات الثورية تسيطر على الكثير من الأراضي، حيث كانت هذه المجموعات قادرة على الانتقال إلى غرب سوريا لمواصلة القتال ضد الأسد. وتسيطر هذه المجموعات الثورية الآن على جزء فقط من أراضيها السابقة، ولن تتمكن من الانتقال إلى مناطق أخرى في حال تأسيس جبهة النصرة لإمارتها.

وقد جعل تأسيس داعش لخلافتها المناطق الواقعة تحت سيطرتها أكثر أماناً، حيث يتجنب النظام السوري مهاجمتها، بينما سيدفع تأسيس إمارة جبهة النصرة النظام لجعل مهاجمتها أولوية له. وتعي الجماعات المحلية نوايا جبهة النصرة جيداً، وقد عارضتها بقوة، خاصةً بعد رؤية نتائج تجربة تنظيم الدولة الإسلامية. وعلاوةً على ذلك، فقد كانت تتمتع جبهة النصرة بشعبية، نظراً لأنها تعمل مع الجماعات الأخرى، ولكن على الأرجح أن القيام بتـأسيس إمارة سوف يعزلها ويضعفها.

وتوجد عقبات أخرى تواجه إمارة النصرة، فلم يؤيد حتى علماء المسلمين المحافظين قيام هذه الإمارة، مثل الباحث الجهادي السوري أبو نصير الطرطوسي. فسوف تجعل هذه الإمارة من استهداف جبهة النصرة والجماعات التابعة لها أولوية لروسيا وللتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة. وسوف يتم استبعاد الثوار الذين يدعمون قيام الإمارة من أي حل سياسي، وعلى الأرجح سيتم تصنيفهم كجماعات إرهابية. وبالإضافة إلى ذلك، يتطلب تأسيس الإمارة من النصرة بأن تنأى بنفسها عن القاعدة للحصول على دعم الجماعات الأخرى، ولكن بدون التنظيم الأم، سوف تكون النصرة أكثر ضعفاً، ولن تتمكن من الإبقاء على وجودها.

ويظل هدف جبهة النصرة بعيد المدى هو إقامة إمارة في سوريا، ولكن من غير المرجح أن تشرع في هذا الآن. إن القيام بهذا الأمر يتعارض مع أساس نجاحها في سوريا حتى الآن. وستظل جبهة النصرة الأقوى في حال اندماجها مع المعارضة، ويمكنها الإبقاء على شعبيتها من خلال نجاحاتها الميدانية. وحتى إذا قررت النصرة عدم إنشاء إمارتها الإسلامية قريباً، فسوف تستمر في كونها خطراً على السوريين المعتدلين وعلى أي تسوية سياسية شاملة هناك.   

Read in English

حايد حايد

باحث غير مقيم في مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، متخصص في الشأن السوري.