تنظيم القاعدة يشرع في صراعه المؤجل مع فصائل المعارضة السورية

يدرك معظم  قادة المعارضة في الشمال السوري حقيقة مفادها لا مفر من الصراع مع تنظيم القاعدة، حيث سبقه الصراع مع تنظيم داعش، في الآونة الأخيرة بدت ملامح هذا الصراع تظهر وكان أخرها هجوم عناصر جبهة فتح الشام والسيطرة على معظم مقرات جيش المجاهدين في الشمال السوري، وهى احدى فصائل المعارضة المعتدلة، على الرغم من الاسم الذي يحمله يشير إلى الطابع الجهادي، ومؤخراً أيضا انتهت الجبهة من السيطرة على معظم مقرات “صقور الشام،” الفصيل الذي يضم قرابة ثلاثة الاف مقاتل، ويحسب على التيار الجهادي الموازي لتيار القاعدة والمقرب منه،  مصدر مقرب من فتح الشام قال في اتصال هاتفي، “لن ينام عناصر فتح الشام حتى يتم القضاء على كل صوت معارض مقرب أو غير مقرب،” ووجه تهديداً بشكل علني، “ليعلم القريب والبعيد أن فتح الشام ليست فصيلا صغيراً، وليعلم الجميع أننا نعلم كل من يزود الأمريكان بإحداثيات مقراتنا وتشكيلاتنا،” وقال أخيراً “الأيام القادمة ستكون سوداء على هؤلاء الناس”.

 تفيد أخر أخبار المعارك المحتدمة في الداخل السوري بسيطرة عناصر القاعدة على معظم أجزاء جبل الزاوية، الجبل الذي خرج عن سيطرة النظام في عام 2012، على الرغم من تواجد أحرار الشام فيه، لكن الحرب التي شنتها القاعدة ليست عليهم فقط، بل على جميع الفصائل التي أعلنت نيتها قتال القاعدة، بما فيها: صقور الشام وجبش الإسلام والجبهة الشامية وجيش المجاهدين وتجمع فاستقم. ولم تفلح محاولات هذه الفصائل بإعلان انضمامها لأحرار الشام في محاولة لتجنّب القتال مع القاعدة، حيث بدأت معركة ضد جيش المجاهدين، أسفرت عن السيطرة على جميع مقراته في ريف حلب الغربي وريف ادلب وريف اللاذقية، وقد أعلن ما تبقى من مقاتليه الانضمام إلى الأحرار، وعند الانتهاء منه أعلنت فتح الشام قتالها الصقور.

الصحفي أحمد عاصي من جبل الزاوية قال “إن تنظيم القاعدة سوف يستهدف كل من لديه القدرة على قيادة عمل ضدهم، وعندما انتهى من جيش المجاهدين انتقل إلى صقور الشام،” وذلك على خلفية اعلان أبي عيسى الشيخ، قائد الصقور، النفير العام لقتال ما سماه “فتح الاجرام” في إشارة الى “فتح الشام”.

أصدر المجلس الإسلامي السوري بيانا مكوّنا من ثلاث صفحات بتاريخ 26 يناير/كانون الثاني، يدعو فيه إلى وجوب قتال من وصفه ب “البغاة المعتدين،” وأشار البيان إلى حرمة الانتماء إلى القاعدة أو فتح الشام، واصفاً إياهم “بقاطع الطريق الذي يرتدي عباءة المجاهد” واستشهدوا بالآية القرآنية “قَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ” وتعني وجوب قتال المعتدين لو كانوا من المسلمين، حتى يعودوا إلى جادة الصواب، وطالبوا الفصائل بالاندماج في كيان واحد، وأشار البيان إلى دور المدنيين بوصفهم “حواضن للثورة ” بضرورة منع الفصائل من العدوان، عبر النزول إلى الشوارع ومحاصرة مقراتهم.

ردت فتح الشام على بيان المجلس الإسلامي السوري اليوم التالي، وقوضت في بيانها شرعية مشايخ المجلس الإسلامي، قائلة إن هؤلاء المشايخ بعيدين عن أرض الواقع. ولم يكن البيان يحمل أي طابع عدائي بشكل مباشر، لكنه طالبهم بضرورة النزول إلى الداخل السوري وفهم ما يجري، مبررين قتالهم لفصائل المعارضة بأنه وأد للمؤامرة التي تحاك ضد فتح الشام، خصوصاً من الفصائل التي حضرت مؤتمر الاستانة الأخير، وسبق هذا البيان أخر أصدرته الجبهة في 25 يناير/كانون الثاني، يشرح الأوضاع ويبرر قتالهم لجيش المجاهدين بمنع تكرار مأساة حلب الأخيرة، واتهمتم بالحديث عما ليس لهم فيه شأن، أو عما ليسوا مؤهلين فيه، خصوصا بشأن المفاوضات الأخيرة، وبأنهم على علاقة بالولايات المتحدة.

صدر في اليومين الأخيرين أكثر من 15 بياناً من فصائل المعارضة، أبرزها ما أصدرته أحرار الشام، وقبولها انضمام الفصائل المستهدفة، ووجهت رسالة قوية بأن كل من يعتدي على هذه الفصائل هو اعتداء على الحركة، التي وجه أميرها أبو عمار التفتنازي بضرورة النزول إلى الشارع ومنع الاقتتال، وحذا حذوهم كل من فصيل نور الدين زنكي ولواء الحق وفيلق الشام.

تعرض الداعية الجهادي عبد الله المحيسني للطرد من قبل عناصر فتح الشام، عند محاولته التدخل في قضية سجن ادلب المركزي، حيث حاصرت عناصر متشددة السجن مدة 5 ساعات، بعد أن تحصن فيه قرابة 25 مقاتل من صقور الشام، وانتهت عملية الحصار بتسليم السجن للجنة أمنية مشتركة من جيش الفتح، ولم تجد فتوى المحيسني التي تحرّم على عناصر فتح الشام قتال باقي الفصائل أي صدى لدى العناصر المتشددة.

وعلى الصعيد الداخلي لفتح الشام، شهدت انشقاق علي العرجاني الملقب بابي حسن الكويتي، وهو من المنظرين الشرعيين للقاعدة، وأعلن ذلك من خلال حسابه على توتير، وطلب أبو ماريا القحطاني من مقاتلي فتح الشام إما قتال النظام أو الجلوس في البيت، لأن باقي المقاتلين هم أخوة، ولا يجب على المقاتلين طاعة قادتهم في هذا الأمر.

حتى الآن تشير الوقائع إلى قوة فتح الشام، فلا البيانات كانت ذات صدى، ولا الانشقاقات أحدثت فرقاً في بنيتها الداخلية، وعدم تدخل أحرار الشام إلى جانب باقي الفصائل شكل عامل قوة إضافية للجولاني، سيما وأن جميع فصائل المعارضة كانت تنتظر هذه اللحظة، إلا أنها لم تحدث، مما أعطى عناصر فتح الشام القوة والاسبقية في القتال وسحق قوات المعارضة، فلم يعد هناك أي وجود لجيش المجاهدين ولا الجبهة الشامية ولا صقور الشام، الفصائل التي لها صولات وجولات منذ أكثر من ثلاث سنوات، ويبلغ تعداد هذه الفصائل أكثر من 15 ألف مقاتل، حسب ما تعلنه أمام الرأي العام، لكن على أرض الواقع لم يكن هناك أكثر من 4 ألاف مقاتل، قابلهم من فتح الشام فقط 4 ألاف مقاتل، ساعدهم في ضربتهم السريعة حجم الضعف الذي تعاني منه هذه الفصائل وحقيقة الأرقام الوهمية.

سيستمر مسلسل التهام الفصائل واحدا تلو الأخر، سيما وأنهم رفضوا الاندماج مع بعضهم، على الرغم من الهجمة التي طالتهم مؤخراً، او أي شكل من أشكال التوحد، منذ ثلاث سنوات وحتى الآن قضت النصرة ثم فتح الشام على أكثر من 15 فصيلاً يرفع علم الثورة السورية، أبرزهم “جبهة ثوار سوريا” وتبعهم حركة حزم.

اكتفت حركة أحرار الشام بدورها بالنفير العام لمنع الاقتتال، ولم تفلح في منع ذلك، لكنها بجانب أخر حافظت على قوتها، وزادت منها، نتيجة الانضمامات الأخيرة، التي من شأنها أن جاهزيتها لأي قتال مستقبلي ضد النصرة، فيما فصائل المعارضة الأخرى من تشكيلات الجيش الحر لم تجرأ على الوقوف في وجه فتح الشام بشكل علني، واكتفت ببيانات حيادها، كجيش ادلب الحر والفرقة الساحلية الأولى وجيش النصر وأجناد الشام وغيرهم.

في خطوة اضافية لتخفيف الاحتقان الذي خلفته فتح الشام بمهاجمتها فصائل المعارضة في الشمال السوري، أعلنت الجبهة حل نفسها ضمن تشكيل جديد يقوده أبو جابر هاشم الشيخ، يحمل مسمى “هيئة تحرير الشام” يضم فصائل أخرى، هي حركة نور الدين زنكي ولواء الحق وتجمع فاستقم وجبهة أنصار الدين وجيش السنة.

كما حظي التشكيل الجديد بانضمام العديد ممن انشقوا عن فتح الشام، كالداعية مصلح العلياني، وأعلن المحيسني أيضا انضمامه على الفور الى التشكيل الجديد.

لم تتوقف سلسلة الهجمات التي تشنها عناصر القاعدة بغطاء فتح الشام على الرغم من الاندماج في التشكيل الجديد، وكان أخرها الهجوم على مدينة دارة عزة، والسيطرة على دار القضاء، والهجوم على كتائب أبن تيمية، المنضوية تحت لواء احرار الشام، ولم يصدر أي بيان من الأخيرة حيال هذا الهجوم.

يقود التشكيل الجديد أحد أمراء أحرار الشام السابقين المعروف بقربه من تيار القاعدة، يلقب بأبو جابر هاشم الشيخ المهندس من ريف حلب، حيث أعلن انشقاقه وانضمامه إلى “هيئة تحرير الشام” برفقة أبو يوسف المهاجر المتحدث العسكري السابق لأحرار الشام، كما شهدت الاخيرة انشقاقات عديدة، أبرزها لواء التمكين، حيث سارع على الفور في الانضمام إلى ابو جابر قائد تحرير الشام.

تأتي خطوة فتح الشام الأخيرة بإعلان حل نفسها ضمن التشكيل الجديد، لتنتقل إلى إطار أكبر، وتضمن لنفسها حماية مؤقتة من عمليات الاغتيال التي عادة ما تطال قادتها ورموز قوتها العسكرية، وتحمي نفسها أيضا من شبح الاستهداف، الذي قتل العديد منهم، أبرزهم أحمد سلامة الملقب بأبي فرج المصري، الرجل الثاني للقاعدة في سورية.

وعلى الصعيد الداخلي تعتبر هذه الخطوة عقبة اضافية في وجه أحرار الشام، الفصيل الاخر الذي يرفع راية الجهاد دون أي ارتباطات بمشروع القاعدة، ويحمل الأخير قبولاً لدى دول الجوار خصوصا تركيا وقطر، فتح الشام بهذه الخطوة وجهت رسالة قوية لكل من يفكر بأن يحاربها، خصوصا من أحرار الشام، ومفاد هذه الرسالة أن القاعدة اليوم باتت أكبر وأقوى من أي وقت مضى، وهي بذلك تصبح حجر عثرة أمام قوى الثورة السورية، قبل أي قوى أخرى إقليمياً أو دوليا.

Read in English

سليم العمر

صحفي سوري مستقل يكتب للجزيرة والقدس العربي والعربية وعربي 21.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط