التأسيس الثاني لجماعة جند الإسلام: فصل جديد من الصراع بين القاعدة وداعش

شبه جزيرة سيناء من الجانب الإسرائيلي. رويترز: 10 فبراير/شباط 2016

التأسيس الثاني لجماعة جند الإسلام: فصل جديد من الصراع بين القاعدة وداعش

 

عاد اسم جماعة جند الإسلام لواجهة المشهد في سيناء بعد غياب أكثر من أربع سنوات ليعلن عن فصل جديد من فصول التنافس المحموم بين تنظيمي القاعدة وداعش، حيث نشر التنظيم تسجيًلا صوتيًا يتبنى فيه عملية  استهداف عناصر تنظيم داعش في سيناء (ولاية سيناء)، الذين وصفهم بالخوارج، وطالب قيادتهم بتسليم أنفسهم. تطرح هذه العملية أسئلة كثيرة متعلقة بدلالات التوقيت المفاجئ لظهور جماعة جند الإسلام مرة أخرى، وعلاقة ذلك بتنظيم القاعدة، والآثار المتوقعة نتيجة تجدد العداء القديم بين عناصر ولاية سيناء وعناصر جند الإسلام.

تأسست جماعة جند الإسلام عقب خلع الرئيس الأسبق حسني مبارك في فبراير/شباط 2011 وليس عام 2013 كما ذكرت بعض التقارير؛ استغل التنظيم الانفلات الأمني الذي حدث بعد الثورة في التدريب والتجنيد وجلب السلاح من ليبيا، لم يذع صيت التنظيم مقارنة بجماعة أنصار بيت المقدس التي استهدفت خط تصدير الغاز المصري مرات عديدة. ظهر اسم جماعة جند الإسلام للمرة الأولى في 12 سبتمبر/أيلول 2013، حين أعلنت مسئوليتها عن تفجير مبنى المخابرات الحربية برفح، ووعدت بنشر تفاصيل العملية في إصدار مرئي لاحق. مثلت هذه اللحظة تحولًا تاريخياً في خطاب جماعات السلفية الجهادية في سيناء التي كانت أنشطتها محصورة في استهداف السياحة الإسرائيلية وخط الغاز في سيناء أو أهداف داخل اسرائيل.

غابت جماعة جند الإسلام ميدانيًا عن ساحة القتال في سيناء بعد عمليتها الوحيدة التي تبنتها بسبب قيام تنظيم ولاية سيناء -أنصار بيت المقدس سابقا- باستهداف عناصرها ومصادرة سلاحهم واجبارهم بقوة السلاح على تفكيك تنظيمهم، بعدما أجبرهم على التقاضي أمام محكمة شرعية تابعة لتنظيم داعش، والتي قضت لاحقا بحل الجماعة بسبب رفضهم مبايعة البغدادي ورفضهم القتال تحت راية داعش. وبلغ الصدام ذروته في مطلع عام 2016 حينما احتجز تنظيم ولاية سيناء عناصر تابعة لـ جند الإسلام من بينهم قادة في التنظيم.

 بسبب هذه الظروف لم تنشر الجماعة الإصدار المرئي عن عملية استهداف مبنى المخابرات الحربية حتى تاريخ 12 أغسطس/آب 2015. وكان هذا الإصدار فرصة للجماعة للتأكيد على التمايز والاختلاف الفكري مع تنظيم ولاية سيناء، حيث ورد في الإصدار مقتطفات من كلمة لأيمن الظواهري، في دلالة واضحة على ولاء جماعة جند الإسلام لتنظيم القاعدة، وهو ما سيتم تعزيزه من خلال الإصدار الثاني للجماعة.

نشرت جماعة جند الاسلام في 29 أكتوبر/تشرين الأول 2015 إصدارها المرئي الثاني، أكدت من خلاله انحيازها الواضح لتنظيم القاعدة من خلال استخدام كلمة من تسجيل صوتي لضابط الصاعقة المصري المفصول، أمير تنظيم المرابطين، هشام عشماوي الأيقونة الأهم لتنظيم القاعدة في مصر. لكن من المهم الإشارة الى أن الروابط الفكرية والمعنوية بين تنظيم القاعدة وجماعة جند الاسلام لم يثبت تطورها إلى روابط تنظيمية، حيث ظلت في إطار احتفاء الجماعة برموز القاعدة.

عادت الجماعة للاختفاء لمدة عامين ولم تظهر إلا في يوم 29 أكتوبر/تشرين الأول الماضي من خلال بيان لدعم مبادرة بعض منظري السلفية الجهادية للصلح بين بعض التنظيمات الجهادية في سوريا. ثم جاء التسجيل الصوتي الأخير الذي أصدرته الجماعة في 11 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري بعنوان “تبني عملية أمنية لدفع صيال خوارج البغدادي بسيناء” معلنًا استهداف عناصر من تنظيم ولاية سيناء. جاء الإصدار مختصرا، حيث لم يتعرض لاستراتيجية التنظيم في التعامل مع الجيش أو مع داعش بشكل واضح، لذلك أتصور أن الجماعة سوف تصدر قريبا اصدارًا آخر يوضح استراتيجيتها ومعالم منهجها.

حمل هذا الإصدار عدة نقاط مهمة، أولاً: وصفهم لعناصر ولاية سيناء بـ “خوارج البغدادي”، والتأكيد على استعدادهم لقتالهم.  ثانيا: الشخص الذي ألقى البيان لهجته غير بدوية مما يشير إلى أن التنظيم يضم عناصر مهاجرة من خارج سيناء، كما أنهم وصفوا الجيش المصري بأنه (مرتد)، وهو ما يؤكد اعتزامهم تنفيذ عمليات ضد الجيش المصري في سيناء أو أنهم قد نفذوا بالفعل ولكن لم يعلنوا ذلك حتى لا يصطدموا بتنظيم ولاية سيناء. ثالثا استخدم الإصدار خطابًا عاطفيًا تجاه أهالي سيناء ووصفهم بـ (أهلنا) في محاولة لمخاطبة مشاعر المدنيين ولبناء حاضنة مجتمعية فقدها تنظيم ولاية سيناء بسبب تصرفاته العدائية ضد قطاع من المدنيين، وذكرهم أن التنظيم انتهك حقوق الابرياء وحاصر المسلمين في غزة.

دلالات الظهور

يرجع ظهور جماعة جند الإسلام في هذا التوقيت إلى عدة أمور أبرزها تغير موازين القوى بسبب حالة الضعف التي يمر بها تنظيم ولاية سيناء مقارنة بنشاط التنظيم خلال عامي 2015 و2016 نتيجة التعاون المصري الحمساوي في ضبط الحدود، والخسائر الفادحة التي مني بها التنظيم بعد عدة عمليات استهداف ناجحة متتالية نفذها الجيش المصري، أما السبب الأهم هو   تراجع تنظيم داعش في سوريا والعراق وخسارته لمعظم الأراضي التي سيطر عليها، الأمر الذي أثر على مصادر التمويل المادي و اللوجيستي لفرعه في سيناء. وبالتالي يعتبر التوقيت منطقيا لعودة جماعة جند الإسلام للظهور على الساحة في سيناء مرة أخرى، وهو الأمر الذي لم يكن ليجرؤ التنظيم على فعله قبل عامين بسبب قوة وشراسة تنظيم ولاية سيناء وقتها.

لكن احتمالا آخر ذو وجاهة يربط بين صعود نجم تنظيم القاعدة وبين ما يمكن أن نسميه تأسيسا ثانيا لجماعة جند الإسلام؛ ويمكن أيضا بناء على هذه الفرضية تفسير ظهور تنظيم جديد يسمى “أنصار الإسلام” القريب من القاعدة أيضا، والذي أعلن مسئوليته عن عملية الواحات التي وقعت في صحراء مصر الغربية، على بعد أكثر من ثلاثمائة كيلومتر جنوب غربي العاصمة القاهرة في أكتوبر الماضي.

يأتي هذا الأمر بعد العودة القوية لتنظيم القاعدة في أفريقيا في 2 مارس/آذار 2017 وتحديدًا في منطقة الساحل والصحراء بعدما استطاع توحيد كُلٍّ من “إمارة منطقة الصحراء الكبرى” و”تنظيم المرابطون” و”جماعة أنصار الدين” و”جبهة تحرير ماسينا” في تحالف جديد يسمى “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” بقيادة إياد غالي. هذا الإعلان لا يعني عودة جديدة لتنظيم القاعدة الأم للواجهة فحسب، لكن يأتي أيضا في سياق قراءات استراتيجية مختلفة، حيث يمكن رؤيته في سياق التنافس بين تنظيم القاعدة وتنظيم داعش، الذي يتطلع بدوره إلى أفريقيا حتى تكون أحد مراكزه البديلة مع تراجع مناطق سيطرته في منطقة الشرق الأوسط.

ويبدو أن استراتيجية تنظيم القاعدة ترتكز على تقوية وتسليح الفروع المحلية ودمج شركاء جدد وملئ مساحات الفراغ التي خلفها تراجع تنظيم داعش، وهو ما تشير إليه تصريحات أبو هشام أبو أكرم، عضو مجلس شورى تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، في يناير/كانون الثاني 2017، التي قال فيها أن “داعش انتهى من الجزائر سواء من حيث اسمه أو تركيبته”. وفيما يبدو أن القاعدة تحقق نجاحا ملحوظا في هذا الملف؛ فعلى الرغم من الضغوط التي تعرض لها تنظيم القاعدة منذ 16 عام بعد هجمات الولايات المتحدة 2001 وحتى الآن إلا أنه استطاع الاستمرار والبقاء على قيد الحياة.

الآثار المتوقعة لظهور جند الإسلام

استخدمت جماعة جند الإسلام في إصدارها الأخير خطاباً عاطفيا تجاه أهالي سيناء ووصفهم بـ (أهلنا) من أجل محاولة بناء حاضنة مجتمعية له. يبدو أن الجماعة تسعى لتدارك أخطاء تنظيم ولاية سيناء، الذي فقد جزءًا كبيرًا من تعاطف السكان المحليين، بعدما عادى شرائح مختلفة من المجتمع المحلي في سيناء، مثل قبيلة الترابين والمهربين وغيرهم من المدنيين، الذين تضرروا من تعامل التنظيم باعتباره سلطة الأمر الواقع التي جاء بقوانين وأجهزة رقابية خاصة به. الأمر الذي تختلف عنه التنظيمات القريبة من القاعدة والتي تقدم نفسها باعتبارها جزء من المجتمع المحلي يدافع عن مصالحه وليست نائبا عنه أو حاكما له. إضافة إلى ذلك، خاطب الإصدار الأخير مشاعر المدنيين المتضررين من المقاربة الأمنية وسياسة العقاب الجماعي التي ينتهجها الجيش المصري. أخيرًا، حاول التنظيم استمالة التيار السلفي الجهادي في قطاع غزة، حيث أشار الإصدار إلى أن تنظيم ولاية سيناء انتهك حقوق الأبرياء وحاصر المسلمين في غزة. تحاول جماعة جند الإسلام جذب مزيد من الأنصار والمقاتلين من خلال خطابها الأقل تشددا مقارنة بتنظيم داعش، حيث تحرص على ابداء تسامحًا كبيرا تجاه تنظيمات الإسلام السياسي، كما يحرص على عدم التوسع في تكفير المخالفين له.

إن قدرة جماعة جند الإسلام على إحداث تغييرات ميدانية يبقى مرهونا بنجاح استراتيجيتها الإعلامية الهادفة للتعبئة والتجنيد عبر اتخاذ موقعا معادياً لكلًا من الجيش وتنظيم داعش، فقدرات جماعة جند الإسلام العددية والتسليحية تظل محدودة خصوصا بعد الإجراءات العقابية التي مارسها ضدهم تنظيم داعش بعد رفضهم مبايعة البغدادي. وعلى الرغم من الخطاب العدائي تجاه الجيش المصري الا أن النظام المصري ربما يفكر في الاستفادة من ظهور الجماعة في بناء استراتيجية جديدة تقوم على إتاحة الفرصة لهم للنمو والاشتباك مع تنظيم ولاية سيناء من أجل استنزاف الطرفين، وهي استراتيجية حدثت في سوريا حينما مولت واعتمدت قوى إقليمية على جماعات راديكالية لا تتمتع بشرعية دولية مثل جبهة النصرة وحزب الله من أجل القضاء على تنظيم داعش.

اشترك في نشرتنا English

أحمد سالم

أكاديمي مصري وباحث متخصص في شئون سيناء وحركات العنف.

شاهد أيضاً

تقرير | إعادة إعمار سوريا

يعرّف هذا التحليل "إعادة الإعمار" على أنه تلبية مجموعة من الاحتياجات والجهود والأهداف التي تندرج تحت بند الاستقرار أو إعادة الإعمار. وينبغي أن تخدم هذه الأهداف الرئيسية إعادة توطين النازحين وتسهيل التنمية الشاملة الموجهة محليًا التي تساعد على إرساء الشرعية السياسية.

قيود تركية جديدة على عمل المنظمات الدولية واللاجئون السوريون يدفعون الثمن

سحبت السلطات التركية خلال الآونة الأخيرة تراخيص العمل من عدد من المنظمات الدولية الانسانية العاملة على أراضيها والتي تقدم الدعم للاجئين السوريين، لأسباب عديدة بعضها متعلق بدواع أمنية، وأخرى قيل إنها بسبب شروط جديدة

هل يمكن أن تضع ليبيا العربة أمام الحصان؟

في أعقاب تجديد مجلس الأمن بعثة الأمم المتحدة في ليبيا في سبتمبر/أيلول الماضي، يجري حاليا في ليبيا استكمال لجهود الوساطة التي تقودها الأمم المتحدة والتي يقوم بها ممثل خاص جديد للأمين العام. تأمل الأمم المتحدة مرة أخرى في التوصل إلى اتفاق بين الأطراف الفاعلة الرئيسية في الأزمة الليبية