أهالي الباب يعودون ببطء لمدينتهم بعد تحريرها من داعش

تحررت مدينة الباب في شمال سوريا من تنظيم داعش بعد ثلاث سنوات تحت سيطرة التنظيم الإرهابي. وكانت، مثل كثير من المدن السورية، مظلومة إعلامياً بعد عام 2011، فالصورة النمطية التي فُرضت عنها في السنوات الثلاث الماضية، أنها من أقوى الحاضنات الشعبية لداعش في سوريا، وأن أهلها دواعش، بيد أن واقع الحال يقول إن معظم عادات وتقاليد المدينة دفنها داعش، وأكثر من ثلث أبنيتها تم تدميرها خلال فترة سيطرة التنظيم المتطرف عليها.

شاركت المدينة في الثورة ضد النظام السوري عام 2011، احتضنت الكثير من المظاهرات، التي كان أحد المشاركين والداعين إليها الشاب المعتصم بالله، المقيم في تركيا حالياً.

يتذكر الشاب أيام المظاهرات في مدينته خلال عام 2011، ولا ينسى اعتداءات قوات النظام على المتظاهرين، قبل أن يخرجوا من المدينة بتاريخ 21-7-2012، على يد فصائل معارضة وإسلامية، بما فيها لواء التوحيد، والقوة 21 ولواء الأمويين وأحرار الشام وجبهة النصرة، لتدخل الباب في مرحلة جديدة، تعززت ببدايتها قوة الحراك المدني، متمثلاً في الناشطين السلميين والمجلس المحلي، قبل أن تبدأ الفصائل الإسلامية بالتدخل ومحاولة فرض سيطرتها وقوانينها، وفي النصف الثاني من عام 2013، بدأ يتحرك مناصرو تنظيم داعش في المدينة، الذي دخل وسيطر عليها في الشهر الأول من عام 2014.

انتهت فرحة الأهالي بالخلاص من سطوة النظام السوري في الباب مع دخول داعش، ففي بداية هذه المرحلة، هرب الكثير من أبناء المدينة المعارضين، منهم المعتصم بالله، الذي كان ملاحقاً من مناصري داعش بمدينته، وغير متفق مع قوانين التنظيم.

بحسب المعتصم بالله، والذي كان أحد أعضاء تنسيقية الباب خلال الحراك ضد النظام، لا تتجاوز نسبة مؤيدي داعش من المدينة حاجز الـ 40%، مؤكداً أن الباب بالأصل مدينة محافظة، لكن الكثير من أبنائها المناصرين لداعش، اكتشفوا أن قوانينه وشريعته غير التي اعتادوا عليها، وبدأت تظهر ردود فعل معاكسة، موضحاً “بعض الناس اعتكفوا عن الصلاة في الجوامع، خلال حكم داعش.”

وفي أواخر عام 2013 حتى بداية دخول داعش إلى الباب، كان هناك شخص مصري يُدعى أبو عبد الرحمن المصري، أحد دعاة التنظيم وأمرائه، كان له دور كبير في الدعوة لتنظيم داعش، حتى أنه تحدى شيوخ المدينة، ومنع الشيخ زاهر الشرقاط، الذي اغتيل في غازي عنتاب التركية عام 2016، من اعتلاء منبر جامع أبو بكر الصديق بالمدينة، لإلقاء خطبة في يوم جمعة.

وخلال فترة حكم داعش، استطاع التنظيم القضاء على الكثير من عادات وتقاليد المدينة، كما فعل في مناطق سورية أخرى، وحول ذلك يقول مصعب عبد الرحمن أحد أبناء المدينة “داعش قضى على كل العلاقات والعادات الاجتماعية في المدينة من خلال القيود التي فرضها على الناس، فرض الحجاب الخاص به على نساء المدينة، تقاليد الأفراح والأعراس تم إنهاؤها بكل الأشكال، وفرض التنظيم على الرجال إطالة ذقونهم، وأوقف محلات الحلاقة عن العمل، كان أهالي الباب يسهرون في ليالي الصيف لوقت متأخر، أيضاً منعهم من السهر، ومنع الأهالي من زيارة أقاربهم أول أيام العيد.”

وبسيطرة التنظيم على الباب، قضى على منطقة توزيع وإمداد البضائع، بكل مناطق المعارضة بالريف الشرقي لمدينة حلب، من هنا تبدأ أهمية المدينة استراتيجياً، وتستمر وصولاً إلى الأشهر الخمس الأخيرة، حين بدأت قوات درع الفرات، المدعومة من تركيا، بالتجهيز لتحرير المدينة من داعش.

استمرت معركة الباب قرابة ثلاثة أشهر، وتحررت بتاريخ 23-2-2017، يؤكد مصعب عبد الرحمن، مضيفاً “حتى تم تحريرها من داعش، بلغ عدد الضحايا المدنيين خلال فترة المعركة فقط 675 شخصاً، بين ضحايا القصف التركي والتحالف، وبين ألغام داعش التي زرعها التنظيم على طرق النزوح وفي منازل المدنيين.”

يوضح عبد الرحمن أن عدد قتلى داعش يقارب الـ 300 عنصر. وهكذا كانت كلفة خروج المدينة عن سيطرة التنظيم المتطرف، بضحايا أكثر من أبنائها، لكن حلم العودة إليها يراود العديد من أهلها النازحين إلى خارجها وخارج الأراضي السورية.

عائلة المعتصم بالله من بين الأهالي المنتظرين العودة، عودة بدأت عجلتها بالدوران منذ شهر فبراير/شباط، عقب إزالة الكثير من الألغام. فالحنين للأرض أقوى من صراع القوى المتنازعة على مدينة الباب الاستراتيجية.

هذا الصراع برز جلياً في الأشهر الأخيرة، فقوات درع الفرات مدعومة تركياً دخلت المدينة، سبقت قوات النظام السوري، وفصائل قوات سوريا الديمقراطية، فأنقرة مستعجلة أكثر لتوطيد الحاجز الذي يكسر حلم بعض الأحزاب الكردية بوصل هلال عفرين- كوباني، فالباب هي ثاني الخطوات بعد جرابلس، لمنع هذا الأمر.

يسود الهدوء في المدينة حالياً، حركة عودة الأهالي إليها مستمرة بوتيرة خفيفة، ولا يمكن تحديد مصيرها مستقبلاً حتى اللحظة؛ بيد أن التخمينات تتوجه إلى أنها ستكون مثل جرابلس، ولن تتخلى عنها أنقرة لأي من جهات الصراع في الشمال السوري. كما أن سيطرة درع الفرات على الباب، تُجهض أفكار النظام العسكرية بما بعد حلب، فالسيطرة الكاملة على ريف المدينة الأكبر في الشمال السوري، تبدو صعبة جداً على قوات النظام، من دون المرور عبر الباب، كما أن معظم أهالي المدينة الباقين والعائدين، لا يفضلون عودة النظام للسيطرة على منطقتهم بأي حال، بالتالي سيناريوهات منبج وغيرها تبدو بعيدة.

وبعيداً عن الأهمية الاستراتيجية للباب، تبدو إعادة الإعمار أولوية، يقول عبد الرحمن “نسبة الدمار الكلي في الباب تصل إلى 25%، ونسبة الدمار الجزئي تصل إلى 65%”، هذه نسب يتمنى أهل الباب النازحون أن تتغير، لتعود مدينتهم إلى سابق عهدها، مكاناً آمناً لأهالي ريف حلب الشرقي، ومصدراً مهماً للمنتجات المشهورة بها كالألبان والأجبان البابية.

Read in English

حسن عارفه

صحفي سوري مقيم في تركيا.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط