نحو حضور أكبر على الساحة الدولية: دور الأزهر في مكافحة الإرهاب

شهد الأسبوع الأخير من شهر مايو/أيار زيارة قام بها شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب إلى العاصمة الألمانية برلين، لحضور احتفال الكنيسة البروتستانتية بمرور خمسة قرون على تأسيس حركة الإصلاح الديني، وخلال الزيارة التقى الطيب برئيس البرلمان الألماني وعدد من الوزراء الآخرين. وجاءت هذه الزيارة عقب زيارة البابا فرانسيس الثاني بابا الفاتيكان لمصر، تلبية لدعوة تلقاها من الإمام الاكبر، لحضور المؤتمر العالمي للسلام، الذي عقده الأزهر يومي 27-28 أبريل 2017. تأتي هذه التحركات واللقاءات السياسية رفيعة المستوى لتجدد الحديث عن الطلب المتزايد على دور يمكن أن يلعبه الأزهر على الساحة الدولية لمواجهة تنامي ظاهرة الإرهاب على المستوى العالمي؛ الأمر الذي يثير التساؤل حول مؤشرات صعود هذا الدور ومدى فاعليته وامكانيات نجاحه.    

مع ظهور تنظيم داعش، وتزايد موجات تدفق اللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين إلى أوروبا، فضلاً عن احتدام الصراع السني-الشيعي، وتصاعد وتيرة العمليات الإرهابية في الغرب، برز ما يمكن اعتباره رهاناً على الأزهر كشريك ديني للغرب في احتواء الأزمات السياسية والاجتماعية والأمنية والثقافية المرتبطة بالشعوب والأقليات المسلمة ومكافحة الإرهاب، لاسيما وأن الأزهر لا يرتبط بمشروع سياسي توسعي مثير للجدل، كما أنه يمثل أكبر مرجعية إسلامية في العالم يمكن التعويل عليها لدعم الاعتدال وتجاوز الانقسام المذهبي من وجهة النظر الغربية.

مؤشرات تصاعد الدور

برزت ترجمة التوجهات الأوروبية في عدد من المحطات، من أبرزها حالة الاحتفاء السياسي والدبلوماسي على أرفع المستويات تجاه شيخ الأزهر من قبل دول أوروبية كبيرة، فقد تمت دعوته لإلقاء خطابات في كل من البرلمانين البريطاني “مجلس اللوردات” والألماني “البوندستاج”، واستقبال الرئيس الفرنسي له في قصر الإليزيه، مصحوباً بحملة إعلامية وصلت لأن وصفته إحدى المجلات الفرنسية على غلافها بأنه “الرجل الذي يمتلك مفاتيح الإسلام الحق”؛ وكذلك قيام المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بزيارة الطيب في مقر مشيخة الأزهر، وإعلانها التعاون معه لمكافحة الإرهاب؛ واستقبال الطيب أيضاً لرئيس مجلس الشيوخ الفرنسي. بشكل عام مثلت هذه الزيارات تدشيناً للتعاون في هذه المجالات، فبدأ الأزهر في كسب مساحات نفوذ جديدة على حساب المرجعيات أخرى.

حين عقد مجلس الأمن جلسة لمناقشة جهود مكافحة الإرهاب، كان الأزهر هو المرجعية الإسلامية الوحيدة التي تمت دعوتها للمشاركة في النقاش، ممثلة في الدكتور محيي الدين عفيفي رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية. فضلاً عن زيادة وتيرة التعاون، كمياً ونوعياً، مع اليونيسكو واليونيسيف، في قضايا نشر التسامح ومناهضة العنف والإرهاب ومواجهة الإسلاموفوبيا وقضايا المرأة والطفل. كما دشّن الأزهر للمرة الأولى تعاونه مع الفاتيكان، وتجلى التقارب بين الطرفين في الزيارة التي قام بها الشيخ أحمد الطيب للفاتيكان، والتي رد عليها البابا فرانسيس بزيارة مصر بدعوة من الأزهر للمشاركة في مؤتمر عالمي للسلام.

هذا الرهان الغربي على دور أكبر للأزهر يلتقي مع رؤية الأزهر لذاته كأكبر مرجعية إسلامية في العالم تعلو على كافة المرجعيات، ولعله من المفيد، للتعرف على مدركات القيادة الأزهرية لوضعية المؤسسة ومكانتها العالمية، العودة إلى تصريح قديم للطيب في عام 2010، حين استقبل وفداً مشتركاً من الأوقاف السنية والشيعية في العراق، حيث ردّ على دعوتهم له بزيارة العراق قائلاً “سآتيكم وأنا أبٌ للسنة والشيعة”، وهو ذات المعنى الذي كرره خلال استقباله لعمار الحكيم. ومع ذلك فإن هذه الدعوة لم تتم تلبيتها، رغم تكرارها من مختلف المسؤولين العراقيين لاحقاً، ودعوتهم للأزهر لممارسة دور أكبر هناك.

ويتمتع الأزهر بنفوذ كبير في بعض المجتمعات التي تشهد توترات مذهبية، سواء في علاقته بالأطراف السنية أو الشيعية أو المسيحية، وهو ما يمكن أن نلمحه في رصد زيارات كبار المسؤولين اللبنانيين والعراقيين لمصر، على مستوى رؤساء الجمهورية أو الحكومة أو البرلمان أو وزير الخارجية وكذلك كبار القيادات الدينية من مختلف المذاهب، ، حيث يكون الذهاب إلى مقر المشيخة والتباحث مع الإمام الأكبر بنداً رئيسياً في برنامج كل زيارة.

وفي هذا السياق يسعى الأزهر إلى تنشيط دوره على الساحة الليبية المضطربة، في ضوء ما تشهده من انتشار الجماعات الدينية المتطرفة، بشكل يتعارض مع النزعة الصوفية السائدة تاريخياً هناك، حيث أطلق الأزهر مشروع دعم الروح الوسطية في الأمة الليبية. ويولي الأزهر كذلك أهمية لتنشيط دوره على الساحة الأفريقية، سواء في الأقاليم التي تشهد مداً جهادياً غرب وشرق القارة على السواء، وكانت أبرز التحركات هي اتخاذ شيخ الأزهر من نيجيريا منبراً لمخاطبة شعوب القارة والمسلمين حول العالم.

النجاح السياسي الأبرز للأزهر كان في دولة أفريقيا الوسطى التي شهدت حرباً أهلية بين المسلمين والمسيحيين، حيث لعب الأزهر دوراً سياسياً في الوساطة بين أطراف الصراع، فضلاً عن الدور الإغاثي في تقديم المساعدات للمسلمين والمسيحيين على السواء؛ ومن الأمور ذات الدلالة هنا هي مطالبة وزير خارجية أفريقيا الوسطى وعدد من القيادات الدينية المسلمة والمسيحية بترشيح الشيخ الطيب لجائزة نوبل للسلام نظراً لدوره في تحقيق المصالحة الوطنية في بلادهم.

عوامل تقويض متباينة

هذا الدور المتزايد للأزهر على المستوى الخارجي يواجه العديد من العوامل التي تقوّض منه وتحدّ من فرص نجاحه، على رأسها الصعوبات الموضوعية المرتبطة بتعقّد الصراعات الإقليمية، وما ينتج عنها من مظاهر تدعم التطرف والإرهاب والطائفية، لكن خلاف ذلك تأتي أيضاً الصعوبات المرتبطة بسلوك الفاعلين الآخرين، داخلياً وإقليمياً ودولياً.

داخلياً تأتي العلاقات المتوترة بين الأزهر والنظام على رأس هذه العوامل، حيث يسعي النظام إلى محاولة إضعاف استقلالية مؤسسة الأزهر والسيطرة عليها، وكان أبرز هذه المحاولات مؤخراً المقترح الذي كان ينوي النائب البرلماني محمد أبو حامد تقديمه لتعديل قانون تنظيم الأزهر، فضلاً عن محاولة الإعلام ترسيخ الانطباع بمسؤولية الأزهر عن انتشار الفكر المتطرف وتزايد العمليات الإرهابية. في مواجهة هذه المحاولات، يحاول الأزهر تثبيت صورته كقوة اعتدال داخليا وخارجياً؛ مؤخراً، أعلن شيخ الأزهر عن تقديم مشروع قانون لمكافحة الكراهية والعنف باسم الدين لرئاسة الجمهورية.

خارجياً، ثمة تحديات محتملة من بعض الفاعلين، لاسيما من الدول التي لديها مرجعيات دينية منافسة، ومن بين هذه الدول تأتي المملكة العربية السعودية وتبنيها للسلفية الوهابية، والتي تمثل وفق رؤية الأزهر عقيدة منحرفة عن عقيدة أهل السنة، وهو ما كان محل صدام بين الأزهر والسعودية بعد بيان الطيب في مؤتمر أهل السنة المنعقد في الشيشان أغسطس/آب 2016.

وقد تمثل سياسات إدارة ترامب دفعة للصدام بين السعودية والأزهر؛ فعلى العكس من إدارة أوباما ومن مواقف الأطراف الأوروبية والمنظمات الدولية، لا يعكس خطاب ترامب اكتراثاً بتبني سياسة تدعم توجهات معتدلة داخل المجتمعات المسلمة، لكنه على العكس من ذلك يتعامل مع “الإسلام” كدين متطرف. إضافة إلى أن أولى زيارات ترامب الخارجية كانت إلى السعودية، حيث النسخة الثقافية الأكثر انغلاقاً من الإسلام، وهو ما قد يمنح الدولة السعودية ثقلاً كبيراً كممثل للمسلمين السنة؛ وتزداد خطورة هذا التوجه في ظل ما يتواتر من تحليلات عن سعي ترامب لتأسيس حلف سني إسرائيلي ضد إيران، بما يؤشر على إمكانية تأجيج الصراع المذهبي، ومن ثم تقويض دور الأزهر كمرجعية قادرة على احتواء الصراعات المذهبية.

هناك أيضاً الدور الإماراتي، والذي يتداخل مع موقف نظام السيسي من الأزهر؛ ففي ظل تمسك الأزهر باستقلاليته ، فإنها سعت لتقديم الدعم والرعاية لتيار صوفي محسوب على الأزهر وموالي لنظام السيسي، بقيادة رموز مثل علي جمعة وأسامة الأزهري وغيرهم؛ فضلاً عن تأسيسها لمركز “صواب” للرد على الفكر المتطرف، وهو مجرد استنساخ لفكرة “مرصد الأزهر” الذي يصدر إلكترونياً بتسع لغات، ويرصد ما تبثه التنظيمات المتطرفة ويرد عليها. ومع ذلك هناك سقف منخفض لما يمكن أن تذهب إليه الإمارات في هذا الصدد، بالنظر إلى أنها تسعى من ناحية أخرى إلى الاستفادة من ثقل الأزهر عبر تأسيس “مجلس حكماء المسلمين” برئاسة شيخ الأزهر، لتعزيز السلم في المجتمعات المسلمة، ثم تأسيس فرع لجامعة الأزهر في الإمارات، فضلاً عن الرفض الإماراتي التقليدي للنموذج الإسلامي المنغلق الذي تروجه السعودية.

خلاصة الأمر أنه في ظل تصاعد موجات الإرهاب التي ضربت مناطق عديدة في العالم، يبدو أن هناك رهاناً غربياً على دور أكثر اعتدالاً يلعبه الأزهر في تفكيك الرؤي المتطرفة التي تستند عليها مجموعات إرهابية مثل تنظيم داعش، ونزع الشرعية الدينية عنها، والتي تستغلها تلك المجموعات في تجنيد مزيد من العناصر في صفوفها. إلا أن هذا الطلب على دور أكبر للأزهر يواجه العديد من التحديات المرتبطة بتعقيد الظواهر والصراعات المطلوب منه التعامل معها، ورفض البعض لمثل هذا الدور بل وتحديه.   

اشترك في نشرتنا Read in English

بلال عبد الله

باحث مصري متخصص في الشئون الداخلية والسياسة الخارجية المصرية، يكتب حالياً رسالة الماجستير الخاصة به عن القبلية في ليبيا.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة