تبعات الربيع العربي في شمال إفريقيا

مع اندلاع الانتفاضة السياسية التي بدأت في شمال إفريقيا عام 2010، واجهت الدول الأربعة: الجزائر وليبيا والمغرب وتونس، نفس التحديات الاقتصادية والسياسية؛ على مدى السنوات الست الماضية، تبنت هذه الدول اقترابات مختلفة للتعامل مع هذه التحديات، إلا أن الصورة الاقتصادية اليوم بشكل عام تبدو قاتمة في خضم البيئات السياسية المتباينة. في تقريرهما الجديد “تبعات الربيع العربي في شمال إفريقيا”، يتعرض المؤلفان محسن خان وكريم مزران لمسألة ما إذا كانت الدول الأربعة في شمال إفريقيا كانت ناجحة في تلبية متطلبات سكانها، الذين عبروا عنها في انتفاضة 2010-2011، وما هي التحديات المستقبلية المتبقية التي عليهم مواجهتها.

بالرغم من أن الأوضاع السياسية في الدول الأربعة في عام 2010، فضلا عن أسباب الانتفاضات، تتشابه إلى حد كبير، إلا أن خان ومرزان يدرسون عن كثب الفروق الكبيرة في التوجهات السياسية التي حدثت عقب الثورات؛ دشنت تونس عملية إصلاح في بنيتها السياسية والتشريعية، للانتقال إلى نظام أكثر تعددية وشمولا، إلا أن تهديداً يواجه تقدم البلاد بسبب انعدام الأمن والتحديات الاقتصادية. أما الجزائر والمغرب فقد تمكنا من الحيلولة دون توسع الاحتجاجات واحتدامها في عام 2011، من خلال تبني إصلاحات دستورية. في المغرب، يبدو أن اتفاقا بين الملك والإسلاميين قد حافظ على الاستقرار، وفي ذات الوقت يسمح بتقدم، وإن كان بطيئاً، نحو انفتاح سياسي. إلا أن النظام السياسي في الجزائر مستمر في الخضوع لإدارة تبدو مبهمة كما هو الحال المعتاد. لم تستطع نخب ما بعد الثورة في ليبيا التصدي للتحديات السياسية والاقتصادية الحادة للبلاد، وأخذت في اقتراف الخطأ وراء الخطأ. اليوم، تؤول ليبيا إلى دولة فاشلة بحكم الواقع، حيث فشلت المفاوضات بقيادة الأمم المتحدة، لحل الصراع الأهلي في البلاد وإعادة توحيدها تحت قيادة واحدة.

على الصعيد الاقتصادي، أوضح كلاً من خان ومرزان أن وضع الاقتصاد الكلي في الجزائر وليبيا والمغرب وتونس الجيد نسبيا في عام 2010 كان يخفي في الواقع تصدعات بنيوية عميقة في الاقتصادات الأربعة؛ تم الكشف عن هذه التصدعات – خاصة ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب – في أثناء الاضطرابات السياسية التي حدثت في عام 2010 و2011، وفي أعقاب هذه الاضطرابات السياسية، تم تأجيل الإصلاحات الاقتصادية، حيث كان ينظر بعين الاعتبار نحو الاستقرار السياسي الذي أخذ أهمية أكبر من الاستقرار الاقتصادي والنمو.

الصورة العامة للاقتصاد اليوم قاتمة، حيث إن اقتصادات الدول الأربعة ليست في حال أفضل، بل ربما في بعض الحالات في حال أسوأ مما كانت عليه في عام 2010، ويطرح المؤلفان أهمية الإصلاحات في سوق العمل وتحسين مناخ الأعمال لمساعدة تلك الدول على الخروج من شرك انخفاض معدلات النمو وارتفاع معدلات البطالة.

يستخلص كلاً من خان ومرزان الدرس المستفاد من دراسة التطورات الاقتصادية والسياسية ما بعد 2011 في هذه الدول الأربعة، هو أنه في أثناء البحث عن عقد اجتماعي جديد يؤسس لشرعية سياسية مبنية على التوافق، على النخب أن تبدي استعداداً لاعتماد إصلاحات وانفتاح في المجال السياسي، وفي ذات الوقت تبني إصلاحات اقتصادية بعيدة المدى. فالخبرة المكتسبة من الماضي بالنسبة للدول الأربعة هو أن تأجيل الإصلاحات الاقتصادية يمكن أن يهدد، أو ربما يقوض، التقدم الذي يتم إحرازه على الصعيد السياسي.

Read Full in English

مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط

بقيادة خبراء مقيمين، يقوم مركز رفيق الحريري بدراسة قضايا حل النزاعات وإعادة الإعمار/الإصلاح الاقتصادي، والتغيرات المجتمعية.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط