ما بعد الاستفتاء: التفاوض ما يزال ممكناً

ما بعد الاستفتاء: التفاوض ما يزال ممكناً

نتج عن استفتاء الاثنين في كردستان وضع لا يتمتع فيه جميع الأطراف بخيارات جيدة. بداية يمكن القول إن مسعود برزاني، رئيس اقليم كردستان، نجح في تحقيق مكاسب سياسية فورية، وتمكن من حشد قواعده من خلال الدعوة لعقد استفتاء بالرغم من الاعتراضات الدولية. بالقيام بذلك، فإنه قوّى موقفه السياسي وأجبر منافسيه الأكراد على اتباعه كقائد، بما يعوض النقص في شرعيته الدستورية والقانونية بعد التمديد له باتفاق حزبي إثر انتهاء ولايته قبل عامين. ولكن بعد الاعلان عن التصويت بشكل كاسح للاستقلال يأتي السؤال الصعب: ماذا سيفعل برزاني مع الاستفتاء ونتائجه؟

إذا ما قرر برزاني استخدام الزخم وإعلان الاستقلال من جانب واحد، فإنه بذلك سيستدرج رد فعل مضاد، وربما عمل عسكري من قبل بغداد وأنقرة وطهران. إن تحرك كهذا سينتج عنه صراع مفتوح لا يبدو أن توازنات القوى فيه هي لصالح الأكراد. بملاحظة ذلك، فإن برزاني أسقط هذا الخيار منذ البداية من خلال التصريح بإن الاستفتاء لا يؤدي بشكل آلي إلى الاستقلال لكنه يعبر بشكل مبدئي عن إرادة الشعب الكردستاني. غير أن البديل ليس مغرياً أيضا. إذا ما هدّأ برزاني من لغة خطابه وطالب بمفاوضات حول الاستقلال، كما فعل في أول خطاب له عقب الاستفتاء، فإنه سيواجه لامبالاة بغداد التي ليس لها أي مصلحة في البدء في المفاوضات معه، مع الأخذ في الاعتبار أن بغداد ترى ما يجري بوصفه “استفتاء غير شرعي”. أجبر تحرك برزاني المنفرد رئيس الوزراء حيدر العبادي على اتخاذ موقف متشدد، بالتحديد كرد فعل للضغط المتنامي من قبل قاعدته العربية (بأغلبية شيعية في الأساس) لاعتماد اجراءات أكثر تشدداً ضد القيادة الكردية. بناء عليه، فإن المكاسب قصيرة المدى التي حققها برازاني، بتصميمه على تنفيذ الاستفتاء يمكن أن تذهب سدى بسبب الثمن الباهظ الذي سيدفعه في الاختيار بين خيارين صعبين: إما أن يستخدم الاستفتاء في إعلان الاستقلال من جانب واحد، أو يتجاهله ويعتبره ممارسة رمزية.

كما أن العبادي ليس في موقف جيد أيضا، فإذا ما قبل دعوات البرازاني أو الولايات المتحدة وشركائها لعقد مفاوضات غير مشروطة، فإنه سيبدو ضعيفا في مواجهة المتشددين من الشيعة والسنة، خاصة أمام منافسه الأساسي ورفيقه في الحزب، نوري المالكي. ومن ثم، فإنه تحت ضغط كي يأخذ موقفاً أكثر صرامة. قبل ذلك، أصدر البرلمان قرارا بإلزامه بالتحرك العسكري في كركوك ومناطق النزاع الأخرى. أما في يوم الاستفتاء، فإن العبادي أمر حكومة إقليم كردستان بتسليم مطاراتها ونقاط حدودها للحكومة الفيدرالية، مهددا بوقف الطيران الدولي لأربيل والسليمانية إذا لم يتم تنفيذ أوامره. إلا أنه إذا ما قرر اتخاذ المزيد من التدابير ضد كردستان، خاصة إذا استتبعتها تحركات عسكرية، فإنه ربما لا يتمكن من السيطرة على تبعات موجة جديدة من العنف. فعلى عكس الحرب ضد تنظيم داعش حيث كانت الحكومة العراقية تحظى بدعم دولي وبدعم شعبها، فإن صراعاً عرقياً في كركوك والمناطق المتنازع عليها بين حليفين للولايات المتحدة سيكون أكثر تعقيداً ولا يمكن التنبؤ بنتائجه. هذه المواجهة ستعزز من رصيد الجماعات الشيعية المسلحة التي كان يسعى العبادي لاحتوائها، عبر منحها ساحة جديدة للصراع والتعبئة، خاصة أن لدى بعض هذه الجماعات امكانيات عسكرية مهمة في المناطق المتنازع عليها.

أمر مفهوم أن يسعى العبادي إلى تصعيد محسوب من أجل مقاومة الضغوط من قبل العرب، المعارضون بشدة للاستفتاء والذين يطالبون بتحرك صارم. لكن الآن، العبادي وبرزاني لديهما شيء مشترك: الرغبة في تجنب صراع مفتوح. وفي هذا الصدد، من الملاحظ أنه في أثناء الخطاب التصعيدي المتبادل، لم يهاجم العبادي أو برزاني أحدهما الآخر شخصياً. إلا أن الافتقار للخيارات الجيدة قد يكون خطراً إذا ما سعى أياً من الطرفين خلف مكاسب قصيرة المدى وتجاهل التبعات طويلة المدى. في الواقع، إن هذه الأزمة هي نتاج لعادة الفرقاء العراقيين في إعطاء الأولوية للمكاسب الزائلة والتكتيكية على حساب إيجاد إطار مستدام لمواجهة هذه الخلافات.

إن حاجة العبادي وبرزاني لتجنب الصراع قد تكون النقطة التي تضمن خروجاً آمناً من الأزمة. على المدى القصير، قد يستحيل منع بغداد من اتخاذ تدابير تمنح العبادي المزيد من النفوذ في التعامل مع المتشددين الشيعة. لكن إذا كانت هذه التدابير غير مصحوبة بإعداد للمحادثات وتصور عن تسوية سياسية، فإنها ستعمق من الانقسام وتخدم المتشددين من الجانبين. على كل من الولايات المتحدة والمجتمع الدولي فهم موقف العبادي ودعمه في تأكيد سلطته داخل الحكومة الفيدرالية، باعتبار أن تدابيره لا تهدف إلى البدء في نزاع عسكري خطير. كما أن تحسين موقفه السياسي في بغداد سيجعل الأمر أسهل بالنسبة للعبادي من أجل الترويج لمفاوضات مستقبلية لدى قواعده. إلى جانب ذلك، ينبغي على الولايات المتحدة وشركائها إرسال رسالة تحذير واضحة لبرزاني والقيادة الكردية فيما يتعلق بالنتائج المترتبة عن إعلان الاستقلال من جانب واحد.

  إذا تمكن العبادي من اتخاذ تدابير مُسيطَر عليها ومحسوبة بدقة لمواجهة الاستفتاء من جانب واحد في كردستان والمناطق محل النزاع، فإن ذلك سيساعده سياسياً بدون أن يقوض تماماً برزاني والقيادة الكردية. إذا كانت هذه التدابير مصحوبة بضبط النفس وتجنب التحركات الراديكالية (مثل دعم محاولات المعسكر المؤيد للمالكي خلع الرئيس أو البدء في عمليات عسكرية موسعة ضد قوات البشمركة)، فإنه من الممكن تصور وضع لا يخرج فيه أي من الطرفين بخسارة مذلّة. إذا تم تحقيق هذا التوازن، يمكن عندها أعادة طرح خطة الولايات المتحدة وشركائها لدعم المفاوضات بين الجانبين، على أساس جدول زمني محدد وتحكيم ووساطة دوليين، والتي قد تم عرضهما بالفعل على برزاني قبل الاستفتاء. عقب إجراء الاستفتاء، من الأرجح أن برزاني سينفتح على هذا الخيار بما أنه بالفعل قد صرح بأن الاستفتاء ستتبعه مفاوضات. أما بالنسبة لعبادي، فإن إجراءاته المضادة يمكن أن تمنع المعارضين من احتلال المشهد وستسهل عليه التسويق لـ أو الانخراط في مفاوضات ذات مغزى قبل أو بعد الانتخابات البرلمانية في العام القادم. هذه ليست خارطة الطريق المثلى، لكن، في هذه اللحظة، تبدو الأقل خطورة في مشهد مليء بالخيارات السيئة.

اشترك في نشرتنا English

حارث حسن القرعاوي

كبير باحثين غير مقيم بمركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، حيث يقود مبادرة المركز حول العراق.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة