عام بعد سقوط حلب: الدروس المستفادة

عام بعد سقوط حلب: الدروس المستفادة

 اشترك في نشرتنا 

عام مضى على سقوط مدينة حلب بيد النظام السوري بعد ستة سنوات من المعارك وحملات القصف الدموية، أسدل الستار عن أعنف مسرح للحرب في سوريا بخروج آخر قافلة من مهجري حلب إلى ريفها الغربي في 22 ديسمبر/كانون الأول 2016، بعد أن طرحت روسيا على فصائل الثورة السورية اخلاء جميع الثوار والمدنيين من المدينة إلى إدلب برعاية تركية.

وافقت الفصائل على الطرح الروسي بعد أن أدركت أنها غير قادرة على حسم المعركة وفك الحصار عن المدينة، وذلك بعد أن فشلت غرفتي عمليات “فتح حلب” و”جيش الفتح” في معركتين، تعتبران الأضخم، لفك الحصار عن المدينة، وذلك لعدم توازن القوى بين هذه الفصائل والنظام السوري المدعوم بكل شيء من روسيا وإيران. أخطأت الفصائل في انتقاء محاور المعركة الأولى لفك الحصار والتي انطلقت في أغسطس/آب من عام 2016 من جنوب غرب حلب في منطقة كثّف النظام السوري فيها كثيراً من تواجده العسكري، ففشلت المعركة الأولى بعد أن خسر الثوار مئات القتلى والجرحى، بالإضافة إلى الكثير من العتاد الثقيل، لأن المعركة وصلت إلى مشارف المدينة وتم فك الحصار عنها بطريق ضيّق جداً وتوقفت بدون أسباب منطقية. أعادت غرفتي العمليات المعركة نفسها تماماً لفك الحصار للمرة الثانية لكنها لم تحقق نصف ما حققته المعركة الأولى، وفشلت أيضاً بعد أن خسر الثوار الكثير من المقاتلين والعتاد.

حصل كل ذلك بعد سنوات من بدء معركة دبيب النمل التي أطلقها النظام السوري وتمكن خلال أربع سنوات من ضرب طوق متين جداً يبدأ من جنوب شرق المدينة حتى شمال غربها والسيطرة على طريق الكاستيلو، الطريق الوحيد الذي بقي يربط المدينة بريفها، هذه المعركة التي حضرت فيها سياسة الأرض المحروقة بقوة، واجهها الثوار بإمكانيات محدودة جداً، خاصة عندما وصلت قوات النظام إلى شمال شرق المدينة وبات الحصار قاب قوسين أو أدنى، فقدت الفصائل العسكرية خلال هذه السنوات نخبة مقاتليها.

 وقع الثوار في أخطاء عسكرية في محاولتهم لايقاف تقدم قوات النظام لحصار حلب، كان أهمها التنافس الفصائلي الذي حال دون تشكيل جسم عسكري واحد للمدينة على الأقل لتنظيم العمل العسكري في أعنف ساحات القتال في سوريا، ولم يكن هذا التنافس معطلاً فقط، إنما كان أهم أسباب سقوط المدينة لاحقاً، عندما تحالفت حركة نور الدين الزنكي مع جبهة النصرة للقضاء على تجمع “فاستقم كما أمرت” (أكبر فصيل عسكري في المدينة) في أيام حلب الأخيرة، وبعد أن سقطت العديد من الأحياء بيد النظام، حيث كان الثوار قادرين على الصمود داخل الحصار أكثر من عام لولا هجوم الزنكي و النصرة على تجمع فاستقم.، فقبل هذا الاقتتال سقطت فقط خمسة أحياء في يد النظام، ولكن بعد الهجوم على تجمع فاستقم، سقطت باقي الاحياء بشكل مطرد وسريع.

أيضاً انسحاب الفصائل الكبيرة (جبهة النصرة وأحرار الشام و قسم من لواء التوحيد) من المدينة إلى أريافها وإلى ادلب تدريجياً، وذلك بعد بدء قتال تنظيم داعش في بداية عام 2014، حيث خسرت جبهة النصرة أغلب مقاتليها وعتادها لصالح داعش الذي بايعه الكثير من مقاتلي النصرة، بينما أبقت حركة أحرار الشام على بضع مئات من مقاتليها هم في الأصل من أبناء المدينة، وكذلك الأمر بالنسبة للواء التوحيد الذي سحب قواته من أبناء الريف الشمالي بعد أن أصبح الريف الشمالي تحت تهديد داعش، وبعد أن تم تشكيل خط رباط بين الثوار وداعش من مدرسة المشاة شمال مدينة حلب حتى حدود تركيا.

منذ بداية عام 2014 حتى حصار حلب، أصبح العبء في الدفاع عن المدينة على عاتق باقي الفصائل التي كانت ضعيفة المقومات بالمقارنة بالفصائل التي انسحبت من المدينة، وبدأت هذه الفصائل بزيادة أعدادها بشكل ملحوظ على حساب النوع الذي يتميز به مقاتلي الجيش الحر، وذلك نتيجة لازدياد المناطق الملتهبة بالمعارك ووجود خط رباط بين الثوار والنظام داخل المدينة وعلى أطرافها الجنوبية والشرقية يحتاج لآلاف المقاتلين.

لم تنجح الفصائل التي حاولت مواجهة تقدم النظام في تشكيل خط دفاع متين مبني على أسس الهندسة العسكرية المعروفة من حيث حفر الأنفاق أو الخنادق وتدعيم نقاط الحراسة لمواجهة القصف العنيف، أو انشاء حقول ألغام أمام قوات النظام، كان النظام في كل مرة ينجح في كسر خط الدفاع الضعيف ويتقدم ليقوم بعد ذلك الثوار بتشكيل خط دفاع آخر، وهكذا حتى وقع الحصار.

الدعم المحدود بالسلاح والذخائر والمال من غرفة عمليات الموم التي تضم فصائل الجيش الحر ومجموعة دول أصدقاء سوريا، حيث لم يكن الدعم متناسباً على الاطلاق مع حجم المعركة التي تخوضها الفصائل للدفاع عن المدينة، بل كانت أكثر الأسلحة نوعيةً التي تتلقاها الفصائل من غرفة الموم هي صواريخ التاو المضادة للدروع، وكانت تصل خلال العام الأخير من معركة حلب معطوبة وغير صالحة للاستخدام، كما أن الذخائر التي تصل للفصائل كانت ذخائر للأسلحة الخفيفة والمتوسطة فقط.

العزلة الأمريكية والفراغ الذي خلفته في الملف السوري -والذي نتج عنه تدخل روسيا بشكل مباشر ميدانياً، والذي يبدو أنه حدث بموافقة دولية- حسمت المعركة لصالح النظام، حيث كان السلاح الروسي الحديث وسلاح الجو الروسي حاسماً في كثير من المعارك.

كانت هذه أهم الأسباب العسكرية التي أدت إلى سقوط المدينة بعد سنوات من المعارك والهزائم. لم تستفد الثورة في المجمل من خروج آلاف المقاتلين الذين كانوا مستنزفين داخل حلب، والذين لو كانوا خرجوا دون قتال داخلي وبقليل من المعنويات والتنظيم؛ لكانوا قادرين على فتح معارك جديدة تغير من خارطة النفوذ إما باتجاه الساحل أو حماة.

أما سياسياً فقد كانت التحالفات غير واضحة في ذلك الوقت، سوى أن العلاقات بين تركيا وروسيا كانت في تحسن مع مرور الوقت. يعزو العديد من الثوار سقوط المدينة إلى التفاهم التركي الروسي، الذي حدث ضمن صفقة طويلة الأمد بين الدولتين، في وقت كانت تركيا تقترب من مدينة الباب ضمن معركة درع الفرات، وبالتالي الوصول إلى تماس مع قوات النظام السوري، وكانت تركيا في هذا الوقت لا تريد أية مواجهة مع أي طرف سوى تنظيم داعش، كما أن تركيا إلى جانب قطر دعمت بشكل كبير جداً بالمال والسلاح والذخائر معركة فك الحصار الأولى التي نجحت نجاحاً باهراً في فك الحصار مؤقتاً، الأمر الذي جعل تركيا تفرض نفسها على روسيا على أنها هي المتحكمة بفصائل المعارضة ودعمها ومجريات المعارك من ناحية انطلاق المعارك و توقفها، وهذا ما يفسر توقف معركة فك الحصار الأولى فجأة و بدون أسباب واضحة.

مع مرور الوقت بدى التفاهم التركي الروسي أكثر وضوحاً ومتانة، فكان أهم ما نتج عن سقوط حلب، انطلاق  محور أستانة التفاوضي بين تركيا وروسيا، وقبلت تركيا لاحقاً بوجود إيران فيه كدولة ضامنة، ما يفتح الباب أمام مؤتمر سوتشي للحوار الوطني، الذي ستعقده روسيا مطلع الشهر المقبل. فروسيا ترى أن الحل السياسي في سوريا قائم على إصلاح دستوري وانتخابات يحق للأسد المشاركة فيها باشراف دولي. يأتي ذلك بعد أن أصبحت المعارضة السياسية بعد مؤتمر الرياض 2 خليطاً من الائتلاف الوطني ومنصتي القاهرة وموسكو وتغييب الهيئة العليا للتفاوض، وبالتالي وجود أطراف لا تتمسك بمبادئ الثورة السورية وأهمها اسقاط النظام السوري، بل إنها قررت القبول بما بات يعرف بـ “الواقعية السياسية” أو الحل السياسي على الطريقة الروسية، وخاصة بعد التغير الملحوظ في المواقف التركية والسعودية وتحييد الهيئات والشخصيات الثورية التي ما زالت تتمسك بشرط اسقاط النظام في سبيل أي حل سياسي، ووجود فصائل غير قادرة على مقاومة توجيهات الدول الداعمة لها، وغير قادرة على فتح أي معركة تغيّر فيها من موازين القوى وخريطة النفوذ.

من خلال مجربات الأحداث، يبدو أن إسقاط الأسد الآن ليس في مصلحة غالبية الفاعلين الدوليين، فهل خسرت الثورة السورية آخر حلفائها بعد أستانة والرياض 2؟ سؤال يترك الثوار من عسكريين ومدنيين وسياسيين آملين في تغيّر الظروف في سوريا أو العلاقات الدولية بعد فترة، ما يجعل من إزاحة الأسد ممكن التحقق.

 اشترك في نشرتنا English

عبد الله الموسى

باحث في الشأن السوري ومحلل عسكري، لديه أربع سنوات من الخبرة عمل فيها مسؤولا ميدانياً لدى منظمات دولية. يعمل حاليا مدير قسم مؤشر الرأي في منظمة هوز (Hooz).

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة