المضي قدماً لإقامة سلطة محلية في ليبيا

المضي قدماً لإقامة سلطة محلية في ليبيا

أندريا تايلور وإليسا ميلر

بالرغم من توقيع الاتفاق السياسي الليبي في الصخيرات في عام 2015، إلا أن الوضع السياسي في ليبيا يبدو أنه لا يقترب من الحل. الحقيقة، هناك اتفاق واسع داخل ليبيا وبين الدول المعنية على أن الاتفاق السياسي الليبي يجب أن يتم تعديله، ففي العامين الماضيين، تعمق الانقسام الليبي مع تصاعد التدخل من أطراف إقليمية ودولية، لديها مصالح متباينة، في هذا الصراع. أدت حالة الانقسام السياسي على المستوى الوطني إلى تأخير عملية إعادة الإعمار والتعافي المعتمدة على نهج من أعلى إلى أسفل. كخطوة مؤقتة، وبالتزامن مع جهود أوسع لإصلاح الاتفاق السياسي، على الأمم المتحدة التفكير في عملية تفويض بعض السلطات والصلاحيات لمؤسسات حكومية محلية.

للإيضاح، فإن الأمر لا يتعلق باللامركزية الكاملة، المرتبطة بالعودة إلى نموذج الثلاث دول التاريخية في ظل نظام فيدرالي الذي كان مطبقاً في ليبيا في الماضي، وإنما هو طرح يفترض أن هناك حكومة مركزية قوية تمنح المزيد من السلطات للمستويات المحلية مما يعزز شرعيتها من خلال سماحها بنظام أكثر كفاءة في الاستجابة للمتطلبات المحلية. إن تفويضاً ناجحاً للسلطات، بالتعريف، يتطلب وجود حكومة مركزية موحدة قادرة على العمل مع المجالس المحلية والمسئولين المحليين من أجل توزيع المسئوليات بشكل مناسب. إلا أنه على المدى القريب، فإن رؤية واضحة لنقل السلطات يمكن أن تؤدي إلى منافع ملموسة لصالح الليبيين، والمساهمة في بناء نظام الحكم من خلال تحسين الخدمات العامة وتقوية شرعية الحكومة. إلا أن إعادة هيكلة نظام الحكم الليبي يحتاج إلى التغلب على بعض التحديات الصعبة.

التحدي الأول: الإطار القانوني

تحت حكم القذافي، كانت الدولة هي القائم الأول على تقديم الخدمات. منذ انهيار نظامه، فإن غياب حكومة مركزية ونقص التمويل والتحديات الأمنية الدائمة عقدت من قدرة المجالس المحلية على تقديم الخدمات. كما أن الإطار القانوني الحالي، خاصة القانون رقم 59 والذي يؤسس لنظام إدارة محلية تقوده مجالس محلية منتخبة على طول البلاد، لا يقدم إطار واضح للسلطات والحقوق والواجبات لهذه المجالس. في بعض الأمثلة، قامت المجالس المحلية بجمع الضرائب لتمويل عملياتها الإدارية والخدمات العامة، إلا أن أنهم قاموا بذلك في ظل غياب تفويض قانوني واضح، حيث لا يوفر القانون 59 هذا التفويض. قامت المساعدات الأجنبية والمنح المرتبطة بالتنمية بتمويل مشاريع محدودة في بعض البلديات، لكن عوائد ذلك محدودة المجال واستمرارها غير مؤكد.

ويناقش مشروع الدستور الذي أقرته الجمعية التأسيسية لصياغة الدستور في يوليو/تموز تمكين الحكومة المحلية في ليبيا، لكن المفهوم لا يزال غامضا. وتتطلب هذه الرؤية مزيداً من التطوير والدعم الدولي لتحقيق نظام حكم أكثر فعالية. علاوة على ذلك، فإن شرعية الجمعية التأسيسية لصياغة الدستور مشكوك فيها، ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان سيتم إجراء استفتاء أم لا لإقرار الدستور. هناك خطة عمل جديدة وضعتها الأمم المتحدة لليبيا تتضع تصور لعمل المزيد فيما يتعلق بوضع دستور جديد بعد تعديل الاتفاق السياسي الليبي الذي يمدد الإطار الزمني لوضع أحكام دستورية واضحة للسلطة المحلية. ومع ذلك، فإن رؤية الجمعية التأسيسية لصياغة الدستور لنقل السلطات إلى المحليات قد توفر الأساس لإطار قانوني يمكن أن يفيد الليبيين.

التحدي الثاني: التمويل

من شأن تفويض سلطة تقديم الخدمات إلى المجالس المحلية أن ينطوي على عملية بطيئة لكن متراكمة تعتمد على الجهود الرامية إلى تعزيز الحوكمة على الصعيدين الوطني والمحلي، لكن هذه العملية تحتاج تمويل. ولا يزال الحصول على الإيرادات يمثل مشكلة حرجة بالنسبة للمجالس المحلية في ليبيا، ولا سيما في مجال تقديم الخدمات. ومع ذلك، فإن الفصل السادس من مسودة 29 يوليو/تموز للدستور، يمنح الاستقلال المالي والإداري “للوحدات الحكومية المحلية” وينص على أن “تتمتع المحافظات والبلديات بـ … موارد ذاتية بما في ذلك الضرائب ذات الطبيعة المحلية”، ومن ثم فإن الصلاحيات تشمل أيضا توليد وإدارة تدفقات الإيرادات.

وبموجب مشروع الدستور، يمكن للبلديات فرض ضرائب لزيادة المساعدات الخارجية لتمويل البرامج التي تعتبر “سلع عامة”، مثل مشروعات التجميل وتحسين البنية التحتية. ويمكن للإدارات المحلية أيضا أن تقدم خدمات مباشرة من خلال نموذج للرسوم مقابل الخدمة. فعلى سبيل المثال، يمكن لكل أسرة أن تدفع رسوماً مقابل خدمات إدارة النفايات الصلبة. وبموجب هذا النموذج، ستظل الضرائب تغطي بعض التكاليف التشغيلية لهذه الخدمة، ولكن الرسوم تسمح بالنظر في التكاليف المتغيرة من مستخدم لمستخدم. ويمكن للبلديات أيضا خصخصة خدمات مختارة من خلال نموذج للرسوم مقابل الخدمة، على الرغم من أن هذا النهج سيتطلب بيئة أكثر استقراراً وإشرافاً مناسبا لمنع الفساد. وإذا ما تم اتباع هذا الأمر، فإن خصخصة تقديم الخدمات يمكن أن يعزز الاقتصادات المحلية ويحرر إيرادات البلديات لدعم عدد أكبر من مشاريع الطرق والحدائق وغيرها من مشاريع التحسين.

وحتى مع هذه السلطة، ستحتاج بعض الإدارات المحلية إلى دعم إضافي، وسيكون توليد الإيرادات صعباً بشكل خاص في أفقر البلديات في ليبيا، وهي في أمس الحاجة إلى الخدمات الأساسية. مع الخصخصة يأتي خطر زيادة الفساد، الأمر الذي يتطلب الرقابة المناسبة لمكافحته. ومن المحتمل أن تنشأ قضايا عدم المساواة مع تكيف بعض البلديات مع المسؤوليات الجديدة والاستجابة لاحتياجات مواطنيها على نحو أفضل من غيرها. وسيتعين على الليبيين أيضا أن يعتادوا على دفع تكاليف الخدمات – سواء من خلال الضرائب أو الرسوم – مما يجعل من مساهمة الليبيين عقبة حرجة يجب التغلب عليها.

التحدي الثالث: التدريب الكافي

سعت المشاريع الأخيرة التي تمولها الولايات المتحدة والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى بناء القدرات المحلية في ليبيا وتحسين تقديم الخدمات. وقد سعت العديد من مشاريع المعونة الأمريكية ووزارة الخارجية الأمريكية إلى توفير المهارات الفردية (مثل التدريب على الحاسوب وإدارة البرامج والميزانية) والخدمات (مثل الصرف الصحي وتحسين الطرق) للمسؤولين المحليين. ويركز برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في ليبيا على خمسة مجالات رئيسية تشمل تعزيز قدرة السلطات الحكومية المحلية على تقديم الخدمات. ولتحقيق هذا الأمر، التزم البرنامج بأكثر من 37 مليون دولار للمشاريع الجارية التي تعزز قدرة المجتمعات المحلية ومرونتها. كما ركزت البرامج الممولة من الاتحاد الأوروبي على تحسين القدرات المحلية في ليبيا. وقد شارك القادة في مختلف المدن الأوروبية مباشرة مع رؤساء البلديات الليبيين لتوفير التدريب على المهارات الإدارية والتشغيلية والإدارية اللازمة لتقديم الخدمات.

وركز مشروع ممول من وزارة الخارجية الأمريكية، والذي نفذته شركة كريتيف أسوسياتس Creative Associates، على وجه الخصوص، ليس فقط على تقديم الخدمات، ولكن أيضا على بناء شراكة بين المواطنين وحكوماتهم في ست بلديات في جميع أنحاء ليبيا. وقد شدد هذا المشروع على الإدارة الفعالة التي يتقاسم فيها المواطنون وقادة البلديات المسؤولية ونجاح جهودهم. وقد ركزت الدورات التدريبية التي عقدت مع رؤساء البلديات والمجالس البلدية المنتخبة مؤخراً على القيادة المؤثرة بدلاً من الإكراه. وتعكس قنوات التواصل الجديدة – سواء كانت الاجتماعات المفتوحة مع المواطنين أو البرامج الإذاعية أو وسائل التواصل الاجتماعي – أولويات المشروع والتي تركز على أن يكون شاملاً ويعتمد على المشاركة.

وعلى الرغم من النوايا الحسنة الدولية، يمكن لعدد من العوامل الداخلية والخارجية إعاقة هذه الجهود، ولا تزال البيئة الأمنية المتغيرة في ليبيا والتمويل المحدود من المانحين الدوليين والأولويات المتقلبة تعرقل هذه المشاريع. ويواصل العديد من أصحاب المصلحة الدوليين في ليبيا تحقيق مصالحهم الخاصة في البلاد ويعملون كمفسدين في الوقت الذي يقدمون فيه الدعم الخطابي لجهود الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار. وعلاوة على ذلك، فإن الخلافات السياسية والمصالح المتباينة والتوترات الشخصية بين الليبيين يمكن أن تتداخل أيضا مع جهود بناء القدرات.

نقل السلطة يتطلب جهوداً موحدة

إن عملية نقل السلطة، التي يتم تنفيذها بشكل صحيح، لتعزيز الشرعية والاستقرار في ليبيا تتطلب دعم المواطنين والدعم الدولي في ظل غياب المصالحة الوطنية. على المجالس المحلية التعامل مع المواطنين كخطوة أولى في تقديم الخدمات لضمان تلبية احتياجاتهم وأولوياتهم. وكما هو الحال على الصعيد الوطني، تعتمد الإدارة الفعالة على المستوى المحلي على إقامة شراكة مع المحكومين. من خلال التدريب الدولي وبناء القدرات، يمكن للحوكمة المحلية أن تصبح أكثر استجابة وأن تبني المزيد من الشرعية بين الليبيين. كما أن المشاريع سريعة الأثر التي تثبت عائد الاستثمار في الضرائب و/أو الرسوم تزيد من الثقة في الإدارة المحلية. وفي نهاية المطاف، ستحتاج الحكومات المحلية إلى مصالحة وطنية ناجحة لتكون هناك حكومة المركزية موحدة يمكن التشارك معها، ويمكنها أن توفر تفويضاً قانونياً واضحاً. حتى يحدث ذلك، يمكن للإدارة المحلية الفعالة أن تساعد في تحرير الليبيين من شللية السياسة على المستوى الوطني وتوفير الأساس لإعادة الإعمار وتحقيق المصالحة على نطاق أوسع.

اشترك في نشرتنا English

مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط

بقيادة خبراء مقيمين، يقوم مركز رفيق الحريري بدراسة قضايا حل النزاعات وإعادة الإعمار/الإصلاح الاقتصادي، والتغيرات المجتمعية.

شاهد أيضاً

المجتمع الدولي يعيد إنتاج النظام السوري

هناك دولاً تريد أن يرحل الأسد في نهاية المرحلة الانتقالية، بينما بعض الدول تريد رحيل الأسد في بداية المرحلة الانتقالية، وأنه لا توجد أي دولة تريد الإبقاء على نظام الأسد، حتى روسيا لا تريد بقاءه، الخلاف هو على توقيت رحيله.

الأزمة الكردية: بغداد وأربيل والإصلاح المؤسسي في العراق

إن الصراع الدائر بين حكومة كردستان والحكومة الفيدرالية في العراق يخلق هواجس جديدة – خصوصا بعد الاستفتاء على استقلال الإقليم – فيما يتعلق باستقرار العراق على المدى الطويل.

معضلة الولايات المتحدة في سوريا: كيف ومتى ترحل؟

إن الجهود الرامية لهزيمة تنظيم داعش ميدانياً والتي تدعمها الولايات المتحدة تطورت بشكل معقد في الأسابيع الأخيرة. بالرغم من التقدم الملحوظ في تحرير الرقة من سيطرة التنظيم، سيطر النظام السوري على دير الزور في بداية سبتمبر/أيلول مما وضع عناصر النظام والروس والإيرانيين بالقرب من قوات سوريا الديمقراطية (قسد)