هل هناك تغير في السياسة تجاه ليبيا؟

بينما يزداد الوضع سوءا في ليبيا، وعقب انتخاب دونالد ترامب كرئيس للولايات المتحدة، يقوم الخبراء في الشأن الليبي بدراسة أفكار جديدة فيما يخص سياسات الولايات المتحدة حيال ليبيا، أحد هذه الأفكار هي تخلي المجتمع الدولي عن جهوده لخلق حكومة وحدة ليبية، وفقا لما ورد في اتفاق الصخيرات في ديسمبر، والقيام بدعم فريق أقوى يستطيع تحقيق استقرار سريع للبلاد عوضا عن ذلك. بقول آخر، فإن هذا يعني التحول من دعم المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة الوطنية برئاسة فايز سراج، إلى دعم الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر؛ فهل هذا التحول عملي ومرغوب؟

إن السياسات الأمريكية والأوروبية عالقة بين دعمها المعلن لحكومة سراج، وهي نتاج 18 شهراً من المفاوضات بين الفرقاء الليبيين برعاية الأمم المتحدة، وبين ملاحظة أن الجهود والموارد المستثمرة في حكومة سراج لا تأتي بالنتائج المرجوة، فمازالت سلطاتها محدودة في نطاق أجزاء من طرابلس، كما أن الدعم الشعبي الذي تحظى به يتناقص بسرعة؛ فقد ذهب العديد من المعلقين إلى أن الاتفاق السياسي الليبي الذي عقد في الصخيرات قد فشل برمته. تشعر العواصم الغربية بهذا المأزق، ومن ثم بدأت في البحث عن بديل يسمح بالخروج من هذا المأزق.

أما القوى التي أخذت، نظرياً، على عاتقها دعم حكومة سراج فهي الآن منقسمة على نفسها، كما أنها غالباً في صراع مفتوح مع بعضها البعض؛ من الصعب تأسيس ترتيب واضح للقوى، بشكل يسمح للمجلس الرئاسي بالعمل وبشكل يبدو مستقلا في ظل هذه الفوضى، كما أن انعدام الاستقلالية يجعل من إمكانية اعتراف القوى الشرقية المعادية بالمجلس الرئاسي أمر غير وارد. وبناء عليه، فإن المجلس الرئاسي، وفي ظل الظروف الحقيقية التي يجد نفسه فيها، لديه القليل من الفرص لتوسيع دوره في البلاد، والنجاح في مواجهة الخصوم. على العكس من ذلك، فإن القوات التي يقودها الجنرال خليفة حفتر، والتي تعادي المجلس الرئاسي وحليفه مجلس النواب الشرقي، تزداد في قوتها العسكرية والسياسية.

من ثم، فإن البعض يتساءل، ماذا إذا ازداد نفوذ حفتر، ووصل إلى نقطة تسمح له ببسط قوته على المقاطعة الغربية باتجاه طرابلس، فهل من الحكمة بالنسبة للولايات المتحدة والأوروبيين الانضمام إليه ودعم حملته؟

الانتقال إلى دعم حفتر يستلزم خطوات عديدة، مثل رفع الحظر الذي فرضته الأمم المتحدة على الأسلحة، والذي سيسمح للجيش الوطني الليبي بالحصول على أسلحة ومعدات أثقل، مما سيزيد من قوته لشن هجوم على القوات المناهضة له في الغرب. السماح لحفتر ببيع النفط من المحطات الشرقية، وعليه فإن العائدات ستزيد من قوة جيشه، وتسمح للجيش الوطني الليبي بإجبار معارضيه على الاستسلام؛ كما أن دعم حفتر قد يكون على شكل إجبار سراج على قبول صفقة بحيث يعترف حفتر رسميا بحكومة سراج، في مقابل تولي كامل للقوات المسلحة الليبية، ويصبح هو الحاكم الفعلي للبلاد. يمكن للخيار الأخير أن يحفظ ماء وجه المجتمع الدولي، حيث إنه سيضمن كامل السيطرة لحفتر، بدون انسحاب رسمي من دعم حكومة سراج.

هل قرار كهذا يقع تحت بند الدهاء السياسي من جانب المجتمع الدولي ويعود بنتائج إيجابية على الشعب الليبي؟ للإجابة على هذا السؤال، علينا دراسة السيناريو الدولي المعقد، فالجانب الاوروبي والأمريكي مع القوى الإقليمية الفاعلة يندمجون لخلق نسيج سياسي معقد.

التأثير الإقليمي والدولي

أخذت الدول الأوروبية على عاتقها التحالف مع المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة الوطنية، لكن في الواقع، تصرفت بشكل غامض، حيث أن كلا من فرنسا والمملكة المتحدة قامتا بتقديم الدعم العسكري لقوات حفتر بشكل غير مباشر، عبر إمداده بالتدريب والمشورة، وبشكل مباشر عبر توظيف قواتها الخاصة على الأرض لمساعدة مقاتلي الجيش الوطني الليبي، بينما كانت إيطاليا متسقة مع ذاتها في دعمها لسراج والمجلس الرئاسي، إلا أن بعض الشائعات قد سرت عن إمكانية التقارب مع حفتر، تحدث مسئولون إيطاليون رفيعو المستوى على الملأ عن الحاجة لوجود حفتر كجزء من الحل الليبي.

كانت الولايات المتحدة متسقة، قولا وفعلا، حين أعلنت دعمها لسراج، وقدمت الغطاء الجوي لقوات مصراته، حينما كانت تحارب تنظيم داعش في سرت، إلا أن تغير الإدارة يبعث الشكوك حول استمرارية هذا الدعم، خاصة مع ما يبدو من تفضيل الرئيس المنتخب الجديد للرجال الأقوياء، وقدرتهم على فرض الاستقرار في البيئات المتقلبة. وبالرغم من أن الفاعلين الإقليميين الأساسيين وهم مصر وتونس والجزائر يؤثرون على مجرى الأحداث وخلق الظروف في ليبيا، إلا أن كلا منهم ليس لديه نفس الموقف.

بالنسبة لتونس، فإن الاضطرابات على حدودها مع ليبيا يشكل تهديدا مستمرا على استقرار ديمقراطيتها الانتقالية الهشة، عبرت القيادة التونسية عن دعمها للمجلس الرئاسي وعن اعتراضها على أي تدخل أجنبي في ليبيا، كما حاولت تونس القيام بدور الوساطة بين الفرقاء الليبيين المتنافسين. وللجزائر نفس الموقف، مع الوضع في الاعتبار هشاشة اللحظة السياسية التي تمر بها، بسبب قضية من سيكون خلفاً للرئيس عبد العزيز بوتفليقة، الذي يعاني من المرض؛ تدعم الجزائر رئاسة سراج، وتدخلت في عملية المفاوضات من خلال استضافة مقابلات واجتماعات الموائد المستديرة، لتسهيل الوصول إلى اتفاق بين الفرقاء الليبيين. كما أن الجزائر تعترض بشدة على التدخل الأجنبي في ليبيا، ليس فقط من الولايات المتحدة وأوروبا، ولكن أيضا من الممثلين الإقليميين مثل مصر.

يبدو الموقف المصري هو الأكثر دقة، إذ أن مصر يحركها معارضة الحركات الإسلامية، والخوف من الاضطرابات على حدودها، ولذا فإن القيادة المصرية تضع رهاناتها على المائدة. على جانب، فإن القاهرة قد عبرت عن دعمها لعملية المفاوضات برعاية الأمم المتحدة، إلا أنها على الجانب الآخر قد عززت موقف حفتر، كوسيلة لتحقيق النظام في المقاطعة الشرقية في ليبيا، وتأمين الحدود المشتركة بين مع وليبيا؛ إن دعم الجيش المصري الكامل والمؤثر لقوات حفتر قد ضمن له الإمداد المستمر بالسلاح والتدريب السريع للقوات؛ سمحت المشورة الاستراتيجية والدعم التنفيذي من مصر لقوات حفتر بالسيطرة السريعة على محطات النفط الكبرى، وإجبار الجهاديين على التراجع، والوصول إلى مستوى من التنسيق مع مسلحي مصراته – وهم الداعمين الأساسيين لسراج. إن التدخل المباشر والكبير لمصر على المسرح الليبي قلل من شأن عملية المفاوضات، حيث سمح لحفتر بالاعتقاد بأن النصر العسكري على الأرض هو هدف يمكن تحقيقه.

في هذا الإطار، فإن تغير سياسات الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيين لصالح تطلعات حفتر للسيطرة؛ سيكون أمر مرحب به من قبل مصر، لكنه لن يكون كذلك في كل من الجزائر وتونس. بالنسبة للجزائر، والتي تشكل دعامة التوازن الجغرافي السياسي في شمال إفريقيا، فإن هيمنة مصر على المشهد الليبي سيعتبر فشلا للنخبة الحاكمة، وسيخلق مستوى عالٍ من التوتر، والذي، وفي هذا الظرف الحرج، قد يتسبب في تصعيدات تهدد الاستقرار في البلاد. وكذلك سيتحقق نفس السيناريو في تونس، حيث يتمتع حزب النهضة الإسلامي بالنفوذ، ولن يستجيب لانتصار قيادة معادية للإسلاميين مثل حفتر بشكل إيجابي.

هناك ممثلون دوليون آخرون لديهم باع فيما يخص تطور الوضع في ليبيا؛ تركيا وقطر، واللتان يحبذان رؤية نجاح حلفائهم، بالتحديد، جماعة الاخوان المسلمين وبعض الحركات الإسلامية الأصغر، بينما يعني هذا النتيجة الأسوأ بالنسبة للإمارات العربية المتحدة، والتي أعلنت بوضوح دعمها لحفتر ومعاداته للحركات الإسلامية. وفي إطار المساعي التاريخية الروسية للحصول على موطئ قدم في منطقة البحر المتوسط، فإن روسيا ترى فرصة في ليبيا للوصول إلى هذا الهدف، كان حفتر قد سافر إلى موسكو للحصول على معونة، وتلقى دعماً مشجعاً من القيادة الروسية، سرت شائعات حول اتفاق لتسهيل حصول روسيا على قاعدة عسكرية في شرق ليبيا، ولكن لم يتم تأسيسها أو على الأقل مازالت سابقة لأوانها، إلا أن احتمالية حدوث هذا كافي لبعث القلق في الولايات المتحدة، ويمكن أن تتحول إلى عنصر هام في أثناء دراسة إمكانية التقارب مع حفتر.

داخل الحدود الليبية

ما هي التبعات المحلية التي ستنتج عن تحول تحالفات الولايات المتحدة وأوروبا من حكومة الوحدة الوطنية لقيادة الجيش الوطني الليبي؟ هذا التعزيز والتأمين يمكن أن يدفع حفتر إلى القيام بمفاوضات مباشرة مع معارضيه الأساسيين في مصراته والمدن الأخرى في الغرب، للوصول إلى توافق حول دوره وسياساته بشكل عام. إذا نجح في هذه المحاولة، سيكون الطريق إلى طرابلس والقيادة الوطنية مفتوحاً أمامه، مع وجود معارضة صغيرة ومتوقعة من قبل جماعات الإسلام المتطرف.

إن نوع النظام الذي سيتم تأسيسه في هذه الحالة غير واضح، لكن يمكننا الحكم عبر النظر إلى عسكرة شرق ليبيا تحت سيطرة حفتر وتعيين مسئولين عسكريين كمحافظين للمدن الرئيسية، وبذلك فلن تكون مفاجأة حين يطبق حفتر نفس النظام على كامل البلاد.

على صعيد آخر، إذا ما فشلت المفاوضات ونجحت خطط معارضي حفتر في السيطرة، فإن البلاد يمكن أن تنقسم إلى منطقتين نفوذ أو أكثر، والأسوأ، فإن حرباً قد تنشب بين الجيش الوطني الليبي ومعارضيه في الغرب، مما سيؤدي إلى تبعات تدميرية تلحق بالشعب.

قد يكون الاعتقاد بأن الولايات المتحدة وأوروبا، عبر تحويل تحالفاتها ودعم حفتر، يمكن أن تحل الموقف المتأزم في ليبيا بشكل إيجابي وسلمي، اعتقاد مبالغ في التفاؤل، حيث أن الوضعين الخارجي والداخلي في ليبيا معقد وهش، مما يعني أن التحول المفاجئ قد يضر أكثر مما ينفع.

إذن فمن الأفضل الاستمرار في دعم المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة الوطنية، والعمل على حل مشكلة عدم فاعلية الاتفاق السياسي الليبي، وتقديم مزيد من الدعم الفعال للمجلس الرئاسي؛ أحد الطرق لتحقيق ذلك هو تقديم تشكيل حكومي جديد لمجلس النواب لإقراره، ويتكون هذا التشكيل الحكومي من شخصيات ذات ثقل، يمكن أن تحقق القوة على الأرض وتعزز نفوذ المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة الوطنية؛ تشكيل حكومي كهذا سيكون له القدرة الفعالة على تحقيق التوافق وتوفير الإمكانات التنفيذية للحكم في البلاد. هذا لا يعني غلق الباب مع حفتر بأي شكل من الأشكال. على العكس تماماً، فإنه على الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين إظهار التماسك والاتساق والتجانس في الهدف والمقاصد، وبذلك فإنهم يساعدون الجنرال حفتر على فهم حقيقة أن الأفضل له ولليبيا هو الوصول لاتفاق، عبر المفاوضات والتفاهم السياسي والاقتصادي، الذي يمكن أن يغير وضع البلاد المأسوي ويفتح الطريق للوحدة والرخاء، أما فيما يخص القوى الخارجية فالنصيحة بسيطة: القياس بدقة قبل القطع.

Read in English

كريم ميزران

هو كبير باحثين في مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، حيث تركز اهتماماته البحثية على عمليات التغير في منطقة شمال افريقيا.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط