خمس سنوات من النزوح: ليلة في غازي عينتاب

لاجئين سوريين بعد وصولهم لشاطيء اليونان. 12 أغسطس 2015، صورة من رويترز.

بمناسبة الذكرى الخامسة للثورة السورية، ينشر مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط في سلسلة من المقابلات مع المحامي أيمن جلوان، وهو أحد السوريون الذين نزحوا نتيجة اندلاع الصراع المسلح في سوريا. تلقي هذه السلسلة الضوء على الخيارات الصعبة التي يواجهها السوريون بين الموت في سوريا التي أضحت منطقة حرب، أو الهرب من الأرض التي يحبونها. في العام الماضي ودع أيمن جلوان وزوجته أسرتيهما، والتحقوا بموجات المواطنين الذين غادروا البلاد، حيث تمكنوا من الوصول لتركيا أولا، ثم احتاجوا لعبور البحر المتوسط البارد وصولاً إلى اليونان. بعد ذلك كان عليهم التعامل مع المتاجرين بالبشر في أوروبا الشرقية، وصولاً إلى واحدة من قلائل الدول التي ترحب بهم وهي ألمانيا. ويشرح أيمن جلوان في سلسلة التدوينات هذه قراره بالمغادرة، والمصاعب التي واجهها هو وزوجته خلال الرحلة، والنتائج التي ترتبت على قراره. في هذه الحلقة يحكي أيمن عن تلك الليلة التي قضاها في غازي عينتاب قبل ان يبدا الرحلة الفعلية لأوروبا، التي قرر السفر لها، بدلا من المكوث في أوروبا.

اتجهنا لمدينة غازي عينتاب فور دخولنا لتركيا، ولم أكن أعرف أحدا هناك، وعندما انتصف الليل لم يكن لدي أدني فكرة إلى أين أذهب. أريد أن أستقل حافلة إلى أزمير، ومن هناك أسافر لأوروبا، لكن قبل الذهاب لأزمير، علينا أن نجد مكاناً أو فندقاً نقضي فيه الليلة ونستريح فقد كنا منهكَين، لكني لم أكن أعرف أي فندق هناك.

قابلت رجلا يتحدث العربية أتضح أنه سوري، سألته عما إذا كان يعرف فندقاً جيداً وفي متناول اليد، لقضاء الليلة فيه، سألني “هل أنت قادم من سوريا؟” قولت له نعم، أنا وزوجتي.  سأل “هل لديكما أوراق رسمية أم أنكما أتيتما إلى تركيا بشكل غير قانوني؟”  فقولت له ليس لدينا أوراق، وقد دخلنا تركيا بشكل غير قانوني، فأخبرني أن هناك فندقاً قد لا يهتم بالمطالبة ببطاقات هوية أو أوراق رسمية، لكنه مكان غير آمن، خاصة أن زوجتي معي. قُلت له لا يهم سأدفع مالا، فقال حسنًا سأدلك عليه، ولكنه مكانٌ غير آمن، فقُلت له ليس لدي أي خيار أخر، علي أن أقضي الليلة هناك. 

اتصل الرجل السوري برجل تركي كبير في السن يُدعي فوزي ولديه سيارة وقال له “يحتاج هذا الرجل وزوجته إلى فندقٍ لقضاء الليلة هناك، وفي الصباح سيقصدان أزمير، أيمكنك أن تدلهما على الفندق لقضاء الليلة؟” فرد فوزي قائلاً “لكنه مكان غير آمن وخطر للغاية،” فقُلت له لا يهم، فاعترضني قائلاً، “لا أنت لا تعرف هذه المنطقة فهي في غاية الخطورة خاصة أنكما لا تملكان أوراقا رسمية، فقد تتعرضان للسرقة، ما رأيكما في أن تقضيا الليلة ببيتي بدلاً من الفندق؟” همست إلي زوجتي وقالت “كيف لنا أن نثق فيه ونحن لا نعرفه؟ كيف لنا أن نذهب لبيته؟ لا لا يمكننا الذهاب معه.”لم أكن أعرف ما يتحتم علي فعله، وأصر الرجل، قائلاً “تعاليا معي ولا تخافا، أعيش وزوجتي فقط يا ابني، وليس هناك ما تخشيانه.”

كنت مترددا وحائرا لا أعرف ما يجب علي فعله وتقول لي زوجتي، “هل جننت؟ نحن لا نعرفه، كيف لنا أن نأمن لرجل لا نعرفه.” قُلت لها أشعر بالارتياح لهذا الرجل، لا أعرف إذا كان علي أن أصدق حدسي، ولكني تبعت حدسي في نهاية الأمر، وقُلت لفوزي لا بأس سنأتي معك. ذهبنا لبيته وقابلنا زوجته، امرأة طيبة، رحبوا بنا وأعطونا غرفة نوم بحمام خاص، وأحسنوا إلينا كثيرا، عرضتُ عليه المال مقابل قضاء الليلة ببيته، ولكنه رفض بشدة وقال إن زوجته سورية هي الأخرى.

سألني بعد ذلك “إلى أين تود أن تذهب؟” فقولت له إلى أزمير، فتعجب، وقال “لماذا؟ لا تقل إنك ترغب في عبور البحر إلى أوربا” فقُلت له نعم، ليس لدي خيار أخر. فقال “يا ابني إنها رحلة في غاية الخطورة، لماذا تخاطر؟ أنت شاب ولديك مستقبل، هل تود أن تموت؟ إنها رحلة في غاية الخطورة.” قُلت له لا أستطيع المكوث في تركيا، فأنا لا أتحدث اللغة التركية كما إنه – كما سمعت –  من الصعب جداً إيجاد عمل هنا، والحياة في تركيا مكلفة للغاية، ومن لا يملك المال لا يستطيع العيش هنا. بعض أصدقائي جاؤوا لتركيا منذ ثلاث سنوات، ولم يتمكنوا من إيجاد عمل إلى الآن. فماذا عساي أن أفعل؟ فقال لي فوزي، “إذا وجدت لك فرصة للعمل في تركيا، فهل تقلع عن هذه الفكرة وتمكث هنا؟” صُدمت عندما سَمعت ما قال، وسألته ماذا تعني؟ أصدقائي في تركيا منذ ثلاث سنوات، ولم يتمكنوا من إيجاد فرصة عمل، فكيف لي أن أجد عملًا في نفس الليلة التي وطأت فيها قدمي تركيا؟ 

قام فوزي بإجراء مكالمة تليفونية وسألني، “هل تتحدث اللغة الانجليزية؟” فقلت بلى. فسألني “هل يمكن أن تعمل في مرسين؟” مرسين هي مدينة سياحية جميلة علي الساحل التركي وبها العديد من الفنادق. قُلت له “ماذا تقول؟”  فأردف فوزي قائلاً، “لدي صديق يمتلك فندقاً هناك، ويبحث عن شخص ليعمل في استقبال الفندق أو كمحاسب. سيوفر لك غرفة وطعامًا وراتب ١٥٠٠ ليرة تركية (أي ما يعادل 525 دولار أمريكي) شهريا.”

راتب جيد في بلد كتركيا، أي إنسان سيرغب في وظيفة كهذه، وزوجتي لا ترغب في الذهاب لأوروبا، وستفضل البقاء في تركيا. لكني قُلت له لا، أنا لا أستطيع أن أغير خطتي للذهاب لأوروبا بهذه السرعة. فقال فوزي، “فكر في هذا العرض حتى الصباح وإذا كنت ترغب فيه فيمكنني مساعدتك في الحصول على الوظيفة، وإن لم تكن ترغب فيها، يمكنني اصطحابك لمحطة الحافلات غداً.”

فكرت كثيراً أنا وزوجتي وتساءلنا، “ماذا نفعل.. ماذا نفعل.” ثم اتّخذنا قرارنا، سوف نذهب لأوروبا. أخبرت فوزي في الصباح برغبتنا فقال “لا بأس، كنت أود أن تبقوا هنا لخطورة الرحلة.” فقُلت له هذا هو قرارنا.

فوزي رجل صالح، اصطحبنا لمحطة الحافلات، واشترى لنا تذكرتين لأزمير، ورفض أن يأخذ ثمنهما، رغم غلاء سعرهما، وقال لي “احتفظ بالمال فستحتاج إليه،” كما طلب مني رقم هاتف حتى يستطيع أن يبقى على الاتصال بنا، ويطمئن على سلامتنا. أعطيته رقم أختي في سوريا، أخبرتني لاحقاً أنه كان يتصل يومياً ليطمئن علينا.

اقرأ أيضاً

اقرأ أيضاً

الحلقة الأولي: كيف بدأت رحلتنا

الحلقة الثانية: قطع الصلات مع الماضي

الحلقة الثالثة: لن اقاتل في جيش بشار

الحلقة الرابعة: كيف عبرنا الحدود؟

Read it in English

قامت كلودين فيبر-هوف بإجراء هذه السلسة من المقابلات.

أيمن جلوان

هو اسم مستعار لحماية هوية الكاتب، وهو محامٍ سوري يعيش الآن في ألمانيا كلاجئ مع زوجته.