حياة المنفى: معاناة السوريين تستمر

حياة المنفى: معاناة السوريين تستمر

ربما خففت الاتفاقات بين النظام السوري والمعارضة في مناطق عديدة من مستوى العنف، لكنها لم تخفف معاناة السوريين، فهذه الاتفاقات التي يجبر النظام فيها المعارضة على الاستسلام من خلال القصف والحصار، نقلت سوريين كُثر من مناطقهم في ريف دمشق إلى إدلب وريفها ليواجهوا تحديات جديدة، منها ازدحام آلاف النازحين في منطقة لا يوجد فيها فرص عمل كثيرة، وفيها بيئة سياسية مختلفة عن تلك التي تعوّد عليها الأهالي المهجرين في جنوبي سوريا، فهيئة تحرير الشام هي السلطة الأقوى بإدلب!

ماهر هو واحد من هؤلاء المهجرين، حط رحاله في ريف إدلب، قادماً من إحدى المناطق التي خضعت لاتفاقية تهجير مع النظام السوري بريف دمشق، يقول الشاب “من ريف دمشق إلى إدلب رحلةٌ طويلة، فيها الكثير من المتاعب والمشقة، في ذلك الباص الأخضر الذي نقلنا من بلدنا الحبيب قسراً وليس طوعاً لرفضنا المصالحة والتسوية والرجوع لحضن الوطن.”

وصل الشاب ماهر مع أهل منطقته المهجرين بداية هذا العام إلى قلعة المضيق، ثم تم نقلهم إلى مخيم ساعد المؤقت شمال إدلب، يقول ماهر “تم استقبالنا من بعض المنظمات الانسانية العاملة في الشمال السوري، بعد أن قدموا لنا خيماً مؤقتة ووجبات طعام، بعدها فضلت الخروج من المخيم رفقة أصدقائي الناشطين الإعلاميين الذين قدموا معي من ريف دمشق، وذهبنا إلى إدلب المدينة، بحثنا هناك عن منزل للإيجار ووجدنا بيتاً بسعر مناسب بسبب كثرة القصف وقلة طالبي السكن بالمنطقة.”

بدأت سلسلة تهجير أهالي حوض دمشق، مع التهجير الكبير الذي ضرب أهالي داريا في أغسطس/آب العام الماضي، مروراً بتهجير أهالي قدسيا والهامة ومعضمية الشام وخان الشيح والتل ووادي بردى وأحياء دمشق الشرقية، إضافة إلى اتفاق المدن الأربع الذي نص على خروج أهالي كفريا والفوعة في ريف إدلب الشمالي مقابل تفريغ بلدتي مضايا والزبداني بريف دمشق.

واجه الدمشقيون صعوبات كثيرة في إدلب وريفها، بسبب تغير الظروف الكبير، فالمناطق المعارضة للنظام السوري في محيط العاصمة عانت من ويلات الحصار، ولم يكن لديها أي جار مثل تركيا ليدعمها، ولم تتواجد فيها المنظمات المتواجدة في مناطق المعارضة بريفي إدلب وحلب، وحين هُجر أهالي بعض مناطق حوض دمشق إلى إدلب وريفها وجدوا الفوارق الكبيرة بين مناطق المعارضة هنا، ومناطق المعارضة حول العاصمة، حتى أجواء الثورة بدت مختلفة عليهم.

أهل داريا كان لهم النصيب الأكبر من الصدمة، في غازي عنتاب التقيت بعضهم، ووجدت عندهم الصدمة الكبيرة لدى من عاش حصاراً يناهز الثلاث سنوات وجاء إلى مكان مختلف، فيه الأعلام السوداء التابعة للفصائل المتطرفة تسيطر على المكان، وقال بعض أهل داريا الذين وصلوا إلى تركيا، إن الثورة محاصرة من المتطرفين والنظام. بحسب أحد الناشطين من أبناء ريف إدلب، يتواجد في محافظة إدلب ككل نحو 5300 عائلة من أهالي ريف دمشق المهجرين، يتوزعون في إدلب المدينة ومخيم ساعد بالريف.

ولا ينكر أحد حسن استقبال أهالي إدلب وريفها لأبناء جلدتهم القادمين من حوض العاصمة وغيرها من المناطق الأخرى، ولكن ثمة تجار أزمة استغلوا الأمر ورفعوا أجارات البيوت استغلالاً للوضع. ويعيش حالياً أهالي ادلب وريفها وضيوفهم في ظل هدنة وقف الاشتباك المتفق عليها في جولة مؤتمر استانة 4 منذ ثلاثة أشهر، بين قوات النظام السوري وفصائل معارضة واسلامية برعاية ثلاثية، روسيا وتركيا وإيران. يواجه هؤلاء انقطاع الكهرباء وغلاء الأسعار وأجواء التواتر بسبب كثرة الفصائل المنتشرة بالمنطقة وغير المتفقة فيما بينها.

يقول ماهر “واجهنا صعوبات كثيرة في تأمين لقمة العيش، كوننا نعيش بعيداً عن بلداتنا وأهلنا، تأقلمنا على العيش في إدلب رغم القصف، لأننا خرجنا من بلدنا وعشنا حياة الحرب والقصف والدمار. الاستقرار وسيلة صعبة في إدلب لأننا لا ندري ما الذي يخبئه المستقبل لنا. تارة نسمع أنها على غرار الموصل، وتارة نسمع أن سوريا تقسمت وسنبقى في إدلب دون الرجوع لبلداتنا في ريف دمشق.”

ماهر كان ناشطاً إعلامياً في منطقته بريف العاصمة، أما في إدلب فوضع الحريات الإعلامية مختلف تماماً، يقول “الحياة صعبة، لا نعمل سوى في مجال الاعلام، ولم يكن لدينا أي مردود يكفينا للعيش والاستمرار في الحياة، نتقاضى راتباً في بعض الأحيان من عملنا كمصورين في وكالات أو قنوات، وبسبب سيطرة هيئة تحرير الشام على إدلب ممنوع التصوير إلا بأمر من قوات الأمن وبتصريح رسمي. حتى هذه المهنة أصبحت محاربة من الفصائل وبعض الثوار.”

لم أتواصل مع أحد من أبناء ريف دمشق المهجرين، إلا ويفكر في الهروب من سوريا كلها، بيد أن الوصول إلى تركيا شبه مستحيل حالياً وسط التشديد الأمني على الحدود مع سوريا، والمخاطر شديدة في هذا الطريق، ناهيك عن استغلال المهربين وما يطلبونه من أموال طائلة لقاء تهريب الناس. وفي حال وصل أحدهم إلى تركيا، تبدأ مغامرة جديدة، وخاصة لدى الناشطين الإعلاميين، فالحصول على فرص عمل شبه مستحيل، كما حدث مع من وصلوا إلى غازي عنتاب أواخر العام الماضي من أبناء ريف الشام، ولم يجدوا عملاً، فذهب بعضهم إلى مدن تركية أخرى للعمل بأي مهنة تسد الحاجة، وآخرون سافروا إلى السودان ثم ذهبوا تهريباً إلى مصر للبدء بخطوات جديدة بعيداً عن أصوات الحرب وقصص الإعلام السوري.

تواجه العائلات المهجرة من ريف دمشق إلى محافظة إدلب مستقبل مجهول، فبينما تحشد تركيا وحلفاؤها من المعارضة السورية لمعركة طرد هيئة تحرير الشام من إدلب وريفها، ينتظر أهالي ريف دمشق مصيرهم المجهول في هذه المعركة، وهم ضيوف على المنطقة التي ستحتضن معارك قريبة بين فصائل درع الفرات ومسلحي هيئة تحرير الشام. أقوى المخاوف هو المستقبل المجهول، بينما عودة هؤلاء النازحين إلى مناطقهم تبدو شبه مستحيلة، فالنظام لن يستقبلهم بعدما هجرهم، ولا طريق يؤدي إلى خارج إدلب، فأين تكون هجرتهم الجديدة؟

اشترك في نشرتنا English

حسن عارفه

صحفي سوري مقيم في تركيا.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة