ماذا يعني تشكيل حكومة جديدة للديمقراطية في تونس؟

كريم ميزران وإليسا ميلر

أحدثت الاستقالة الأخيرة لرئيس الوزراء السابق حبيب الصيد وتعيين يوسف الشاهد خلفا له، مع موافقة البرلمان ضجة كبيرة، باعتبار ذلك قد يؤثر سلبا على الاستقرار السياسي التونسي؛ في أعقاب هذه التغييرات، كتب أحد الأعضاء السابقين للمجلس الوطني التأسيسي التونسي “في خلال 18 شهراً، طُلب من البرلمان أربع مرات التصويت على ثقتهم في الحكومة، الأمر الذي لا يبشر بخير فيما يخص أهمية استقرار الحكومة في تونس.” كما تساءل الشاهد نفسه عقب توليه المنصب إذا ما كانت تونس “تحتمل المزيد من تعاقب الحكومات عليها، فالأسوأ لهذه البلاد هو أن نرى تغييرا للحكومات كل عام أو كل عام ونصف العام.” إلا إن استقالة الصيد وتعيين الشاهد خلفاً له، والتغييرات الأخرى في الحكومة التي حدثت في تونس منذ عام 2011، لا تعكس بالضرورة أي نوع من أنواع عدم الاستقرار السياسي، ويمكننا أن نراها كدليل على قوة طبيعة الديمقراطية السياسية التونسية الوليدة.

يعود النقد الحالي لحكومة الوحدة الوطنية التونسية الجديدة إلى الاعتقاد بأن الحكومة الجديدة هي مجرد مراوغة من قبل الرئيس الباجي قائد السبسي للحصول على مزيد من السلطات. يصف بعض الإعلام المحلي التونسي الشاهد، وهو عضو في حزب نداء تونس الحاكم، بأنه حليف طيع للسبسي، وسيكون حكمه لصالح الرئيس وسيتبع تعليماته. البعض الآخر أشار إلى أن الشاهد على صلة قرابة بالسبسي، الأمر الذي ساهم في تغذية الشكوك حول المحسوبية في داخل الحكومة، خاصة إنها تأتي بعد ما رآه الكثيرون محاولة من السبسي لاتباع سياسة التوريث بعد تعيين ابنه حافظ كرئيس لحزب نداء تونس في بداية هذا العام؛ تسببت هذه الواقعة في انقسام داخل الحزب الحاكم، مما أدى إلى حصول حزب النهضة الإسلامي على أغلبية المقاعد في البرلمان. بالرغم من ذلك، فإن رموزاً أخرى مقربة من الشاهد وصفته بأنه “رجل شريف” وبأنه “لا ينتمي إلى أي لوبي.” بصرف النظر عن ذلك، فإن الوقت كفيل بإخبارنا ما إذا كان الشاهد سيكون قادراً على إحداث إصلاحات “جريئة” كما وعد أم لا. في الديمقراطية التونسية الجديدة، النقد لهذه الحكومة الجديدة يجب ألا يفاجئنا: فحكومة الصيد لم تكن محصنة ضد الانتقادات في عام 2015. ومازالت أحزاب البلاد السياسية وحلفاؤها يتفاوضون على أدوارهم في المجال السياسي.

كما إن تكوين حكومة الوحدة الجديدة ليس بالضرورة شكل من أشكال الإدانة لحكومة الصيد، وإنما أقرب لإعلان عن حاجة البلد إلى قوة محفزة لدفعها نحو إصلاحات ضرورية لكن صعبة. بينما حققت حكومة الصيد تقدما في الجبهة الأمنية – الاحتفاظ بوزراء الداخلية والخارجية والدفاع في حكومة الشاهد الجديدة هو انعكاس لهذه الحقيقة – فإن التقدم على الصعيد الاقتصادي على مدى 18 شهر في حكومته كان ضئيلا. في يونيو، قال الصيد بأنه على استعداد للاستقالة من منصبه “إذا اقتضت مصلحة البلاد ذلك”، مضيفا “لا يوجد شخص لا يمكن الاستغناء عنه.” إذا وضعنا في الاعتبار حالة الاقتصاد الصعبة في البلاد، فإن تغيير القيادة يجلب وجوها جديدة للحكومة ويحفز سياسات واستراتيجيات جديدة للتعامل مع التحديات القائمة، وبالطبع فإن ذلك في صالح البلاد. علاوة على ذلك، فإن قرار الصيد لطلبه من البرلمان بالتصويت على الثقة لا يعني رفضه للرئيس الذي أراد عزله، لكن يمكن أن يكون إظهارا لدعمه للعملية الديمقراطية، وينعكس هذا في حقيقة أن قراره بالاستقالة جاء مدعوما بتصويت البرلمان وليس بأوامر مباشرة من السبسي. بالفعل، قال الصيد أن النقاش البرلماني حول قيادته والتصويت الناتج عنه “قد كرس لديمقراطية تونس الوليدة.”

اقرأ أيضاً

اقرأ أيضاً

التحول من حكومة الصيد الأكثر استقلالا لحكومة الشاهد الموالية سياسيا لحزب نداء تونس بشكل واضح، هو أيضا يعد تطوراً إيجابيا لصالح النظام السياسي للبلاد؛ منذ عام 2013، كانت الحكومة التونسية تحت قيادة أحد أعضاء حزب النهضة واثنين من التكنوقراط، وبالرغم من أن البعض يصف حكومة الشاهد بالتكنوقراطية، إلا إنه من الواضح أنها حكومة سياسية أكثر منها تكنوقراط، هذا يشير إلى أنه قد تكون تونس تجاوزت المرحلة حيث الخلافات السياسية تستلزم تكوين حكومة مستقلة وتكنوقراط. حكومة الوحدة بقيادة الشاهد، والتي هي أكثر شمولا من حكومة الصيد، تعكس الأولويات السياسية لاستكمال العمل مع النهضة، وتضمين عدد أكبر من الشباب والنساء في العملية السياسية، وتكليف صناع القرار السياسي الرئيسيين – مثل اتحاد الشغل العام التونسي – بالعمل في الحكومة. يوحي خطاب الشاهد أثناء التسليم الرسمي للحكم في 29 أغسطس، بفهم للاحتياجات الملحة والتطبيق للإصلاحات الصعبة، “يجب أن ننجح، وليس لدينا خيار آخر،” قال ذلك وهو يتسلم السلطة من الصيد، محذراً من إنه لا مفر من تطبيق برنامج التقشف، إذا فشلت البلاد في تحسين موقفها الاقتصادي في نهاية العام. 

 كما أشار الشاهد بقوة إلى التركيز على الفساد، وهي قضية حاربت حكومة الصيد للتعامل معها؛ الجدير بالذكر أنه بعد لقائه مع الصيد، قابل الشاهد رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، وأكد على التزامه بتدعيم تشريعات مكافحة للفساد.

من المهم أيضا الإشارة إلى أن النهضة، بالرغم من طرحه بعض التحفظات، دعا لدعم الحكومة الجديدة والتصويت لصالحها، لو أن النهضة ترى تعيين الشاهد مجرد عملية حصر للسلطات في يد السبسي، لما كانت لتدعم حكومة الوحدة؛ كان اختيار النهضة لدعم حكومة يرأسها عضو من نداء تونس – وهو مخالف للصيد، حيث إن استقلاله كان أكثر نفعا للنهضة – هو اختيار ذو مغزى.

خلاصة الأمر، علينا ألا ننظر إلى حكومة تونس الجديدة وتعيين الشاهد بنظرة أحادية كخطوة مكيافيلية تم تدبيرها من قبل رئيس شره للسلطة، ففي الوقت الذي قطعت فيه تونس شوطاً كبيراً منذ 2011، تظل هناك تحديات كبرى؛ من الممكن أن يكون السبسي قد رأى إزاحة الصيد وتكوين حكومة وحدة هو السبيل الوحيد لفرض تغييرات وإصلاحات ضرورية، حكومة الشاهد الجديدة ربما تكون المحفز للتونسيين لقبول التضحيات اللازمة، للمضي قدما في الإصلاحات. خطاب الشاهد حول حكومته الشاملة الجديدة والاحتياج لحكم “جريء” يدعم هذه الاحتمالية بدون شك. لم يخرج التقدم السياسي التونسي عن مساره، كنتيجة للتغيير في الحكومة، السؤال الآن هو ما إذا كانت الحكومة الجديدة ستتمكن من أن تكون القوة المنشطة التي تحتاجها البلاد.

Read in English

مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط

بقيادة خبراء مقيمين، يقوم مركز رفيق الحريري بدراسة قضايا حل النزاعات وإعادة الإعمار/الإصلاح الاقتصادي، والتغيرات المجتمعية.

شاهد أيضاً

أزمة المياه: كيف تم تحويلها إلى سلاح في الصراع اليمني

يظل الموقف شديد الخطورة، خاصة بالنسبة لليمن، حيث أدى تحويل المياه لسلاح إلى وصول الصراع لحالة حرجة. تقدر الأمم المتحدة أن 14 مليون نسمة، نصف سكان اليمن، يواجهون حالة ما قبل المجاعة. تعد المياه واحدة من أوجه الصراع المعقد هناك، ويظل من الصعوبة تحديد إلى مدى قد أدت إلى مزيد من العنف.

الترحيل غير الشرعي للاجئين السوريين في تركيا

مع استمرار السلطات التركية في رفض إعادة فتح مراكز استقبال الحماية المؤقتة منذ أكثر من عام في معظم الولايات الحدودية، ووقف منح الفارين من الحرب بطاقة الحماية المؤقتة التي تخول صاحبها حق البقاء والحصول على الرعاية الطبية والدراسة والمساعدات الاجتماعية، يعيش آلاف اللاجئين السوريين في تركيا هاجس الترحيل القسري بشكل دائم.

إعادة احياء محادثات السلام في اليمن: ماذا بعد؟

مع ارتفاع عدد القتلى في الحرب الأهلية في اليمن، فإن الحاجة الماسة للسلام تتناقض مع الآمال المتفرقة في عملية سلام. بعد أشهر من التأخير، أعلنت قوات الحكومة والمتمردين في يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني نيتهم تجميد العمليات العسكرية بصورة مؤقتة

إشترك في النشرة البريدية

سيصلك أحدث مقالات مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط