هل نشأ حزب الله جديد في اليمن؟

يمنيون يشاهدون خطاب عبد الملك الحوثي في صنعاء يوم 20 يناير/كانون الثاني. صورة من رويترز.

أخد الشاب الوسيم الصغير وذو الشعبية عبد الملك الحوثي اليمن والعالم كله على حين غرة،  حيث وصل أخيراً عبد الملك – قائد التمرد المستمر منذ عشرة أعوام ضد الحكومة المركزية في اليمن – لذروة المشهد وأجبر الرئيس عبد ربه منصور هادي على الاستقالة، عندما قام المقاتلون الحوثيون بمحاصرة منزل الرئيس، فيما يبدو لإظهار عدم رضاهم عن فشل الرئيس في تحقيق كافة رغبات قائدهم، من حيث الشكل والجوهر والولاءات يمكن اعتبار أن عبد الملك الحوثي يشبه حسن نصر الله، وذلك بفضل عشر سنوات من الحرب التي تم شنها بواسطة الرئيس السابق علي عبد الله صالح، وفراغ السلطة في صنعاء الحادث منذ وقوع انتفاضة عام 2011 ضد صالح، إن القيود على طموحات الحوثيون – طبقا لكلمات زعيمهم نفسه – هي غير محدودة، وتظل واشنطن – التي ما تزال مشغولة بأمر مكافحة الإرهاب، وذلك بالتعاون مع الأجهزة الأمنية التابعة لكل من صالح وهادي – تحاول تحديد ما إذا كان الذي حدث في صنعاء في يوم 22 يناير/كانون الثاني الماضي يعتبر انقلاب أم لا؟

بعد عشر سنوات من الحرب ضد استبداد صنعاء وممارسات الحكم الفاسدة، تحول الحوثيون من تراث الصراع ضد القمع إلى إظهار أنفسهم باعتبارهم قوة ثورية، فقد قاموا بهزيمة جيش اليمن المركزي في عام 2010 وعام 2014، وهم بذلك بدأوا فترة جديدة في تاريخ اليمن، وربما في إطار السياسات الإقليمية، وطبقاً لهذا الاستنتاج فإن قيادة الحوثيين يبدو أنها سوف تسيطر على مقدرات الأمور في الفترة القادمة، حتى لو فشلوا في تحقيق الأمن والاستقرار في دولتهم المليئة بالاضطرابات.

ويعتبر احتفال الحوثيون بيوم عاشوراء في شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2014 مختلف اختلافاً كبيراً عن الاحتفالات بنفس المناسبة في السنوات الماضية، فقد كانت احتفالات عاشوراء في السابق هادئة غير مسيسة، وغير مرتبطة بأي مظاهر طائفية في اليمن، حيث كان يتم الاحتفال في تجمعات هادئة واحتفالات عائلية، وعلى العكس من ذلك كان الاحتفال بهذه المناسبة في شهر نوفمبر مختلف، حيت تمت مسيرات كبيرة في الشوارع في محافظة صعدة عاصمة المناطق الشمالية، كما تجمعت أعداد كبيرة من الشيعة اليزيدين التابعين لحزب انصار الحوثي، للاستماع إلى خطاب محمل بدلالات شيعية وممتلئ برسائل سياسة قوية من جانب زعيمهم الشاب، وقد بدا التجمع كما لو كان شبيهاً لتلك التجمعات التي يتم تنظيمها من جانب حزب الله في بيروت، بداية من استخدام الآية  القرآنية الافتتاحية المستخدمة في مثل هذه المناسبات، واستخدام الاسم الكامل للنبي محمد بن عبد الله، ثم الهتافات المنظمة التي تمجد من الحسين – أول إمام للشيعة في الإسلام، لقد أصبحت احتفالات عاشوراء في جنوب لبنان أمرا دراماتيكيا خاصة بعد هجرة الالاف من الشيعة من قراهم في ضواحي بيروت الجنوبية، وبحلول منتصف الثمانينيات من القرن الماضي أعاد حزب الله تصوير الاحتفالات باعتبارها خبرة اجتماعية وسياسية، تزود الشيعة في لبنان برابطة فيما بينهم وبشعور جديد بالقوة والوضع الاجتماعي والطموح. 

وبعد انتهاء احتفالات عاشوراء في شهر نوفمبر، وانتهاء خطاب الجمعة بواسطة عبد الملك الحوثي، بعد أن تم الاستيلاء على العاصمة صنعاء في سبتمبر/أيلول الماضي ظهر الزعيم الشاب كما لو أنه حسن نصر الله سكرتير حزب الله، حتى أنه كان يلوح بإصبعه كما يفعل نصر الله، وفي هذا الخطاب ومرة أخرى في  خطاب أخر يوم 21 يناير/كانون الثاني أشار عبد الملك الحوثي إلى هجمات تشارلز أبدو في باريس، وقام بانتقاد هؤلاء الذين اساؤوا إلى النبي محمد وإهانة المسلمين، ثم بعد ذلك قام بانتقاد الرئيس هادي وابنه لعرقلة تنفيذ مخرجات الحوار الوطني، وافساد مؤسسات الدولة وتبديد الاستثمارات الأجنبية، ومحاولة استخدام الجيش ضد ثورة الشعب، في قيامه بهذا الأمر يبدو أن عبد الملك الحوثي قد استعار فصلاً من كتاب نصر الله، حيث انتقل من الافتتاحية الدينية العامة إلى التعليق على الشئون الدولية والإقليمية، ثم بعد ذلك الحديث عن الشئون في اليمن، بالتعليق على أحداث معينة، وإظهار حساسية نحو هواجس كل اليمنيين، وذلك بالإشارة الخاصة إلى “المظالم الحقيقية التي يعاني منها الأخوة في جنوب اليمن،” ومدح الجيش اليمني لأنه رفض أن يتم استخدامه من جانب الممسكين بالسلطة، من أجل تحقيق أهداف وغايات القوى الأجنبية. 

وفي محاولته للتواصل مع اليمنيين من مختلف الطوائف ومختلف المناطق الجغرافية عبّر عبد الملك الحوثي بوضوح عن رغبته في قيادة اليمن، بدون أن يقصر رؤيته على المظالم التي يعاني منها الإقليم الذي ينتمي إليه، أو مظالم تابعيه من الشيعة الزيدية، وتماماً كما يفعل مثله الأعلى – حسن نصر الله – وعد عبد الملك الحوثي – بثقة كبيرة – شعبه بتحقيق النصر في معاركهم، والنجاح في إعادة بناء اليمن، وفي الحقيقة تحمل قناة الحوثيون التليفزيونية – قناة المسيرة – عبارة “صدق الكلمة” تحت شعارها، وبالمثل فإن أحد الشعارات لحزب الله هي “الوعد الحق،” وبصورة متزايدة تتم الإشارة إلى عبد الملك الحوثي بصفة “سيد” والتي تشير إلى انتسابه للنبي من خلال ابن أخيه الإمام علي، ولا تتم الإشارة إلى لقبه القبلي “الشيخ،” كما قام حزب الحوثيون السياسي بتغيير اسمه من “الشباب المؤمن” – وهو أسم تم تبنيه في بداية حقبة التسعينيات من القرن الماضي، وتم استخدامه في خلال ست حروب مع العاصمة صنعاء – إلى اسم “أنصار الله،” والذي تم اشتقاقه من آية قرآنية، تماماً كما في حالة نظيرهم اللبناني حزب الله.

زادت المساعدات الإيرانية ومستويات التدريب من جانب حزب الله لجماعة الحوثي – والتي بدأت في أثناء الصراع مع المملكة العربية السعودية بين عامي 2009 و2010 – بصورة كبيرة، وبدأت تظهر على السطح بعد رحيل صالح في عام 2011، وأثناء تحرك الحوثيون ضد صنعاء في العام الماضي، وتجدر الإشارة إلى أن عملية الاستيلاء على صنعاء حملت كل ملامح عملية استيلاء حزب الله على غرب بيروت في عام 2008، فقد ارتدى المقاتلون أشرطة صفراء في الوقت الذي كانوا يحاصرون فيه العاصمة في شهري أغسطس/آب وسبتمبر/أيلول من العام الماضي. وعلى الرغم من هذه المقارنات الكثيرة بين جماعة الحوثي وحزب الله فإن هناك العديد من القيود على حركة جماعة الحوثي، الحوثيون ليس لديهم خبرة كبيرة في مسائل السياسة والحكم والتدخل في الشئون الإقليمية، وعلى خلاف نظيرهم حزب الله لم ينسحب الحوثيون من صنعاء، ولم يبدو كذلك أي إشارة للقيام بمثل هذا الأمر، كما يتصارع الحوثيون أيضا مع الجنوب، ويتجهوا أيضا للصراع مع القبائل اليمنية في منطقة مآرب، من أجل السيطرة على حقول النفط والغاز في هذه المناطق، كما ينخرطون في صراع مع تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية في مناطق أبيان، ودخلوا في صراع أخر مع مجموعات المليشيات المسلحة المحلية في المراكز الحضرية في المناطق الجنوبية في تعز. وعلى الرغم من خطابهم الودي تجاه الجنوب، فإن حركة الحراك الجنوبية تظهر كما لو أنها غير راضية عن تقدم الحوثيون في الجنوب، وتمكنهم من الإطاحة بـ هادي الذي ينتمي في الأصل إلى المناطق الجنوبية، ويحتفظ الحوثيون عن عمد بموقف – إلى حد ما غامض – فيما يتعلق بعدم تفضيلهم قضية انفصال الجنوب. 

من المحتمل أن يكون ن أالحوثيين قد تجاوزوا من الناحية العسكرية، فقد كان قيامهم بالتحالف مع الرئيس السابق على عبد الله صالح بمثابة اتخاذ عدو سابق بمثابة حليف غاضب، وهي علاقة يمكن أن تنكسر في المستقبل القريب، قد يكون هدف الحوثيون هو محاكاة نظيرهم اللبناني، والسماح بصيغة يمنية للتمثيل السياسي من نوع ما، ليتم تطبيقها في البلاد، في الوقت الذي يحتلون فيه موقعاً مؤثرا من خلف الستار، ولكن نقص المهارة وطموحاتهم الزائدة عن الحد يمكن أن تعرقل خططهم، ومن ثم فإن السؤال: هل يجب عليهم أن يتحركوا صوب الانخراط في السياسات الإقليمية قريباً وأن يقدموا أنفسهم باعتبارهم أداة في ظل طموحات إيران الإقليمية؟ الأمر الذي سوف يجعلهم واليمن ككل في مواجهة حامية الوطيس مع المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة – على الرغم من ترددها – وتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، وحتى في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا، باعتبارهم لاعبين اقليميين ودوليين لديهم مصلحة كبيرة في هزيمة جماعة الحوثي، هناك لعبة كبيرة تتم على قدم وساق، وكل الإشارات المبدئية تشير إلى أن الحوثيين يواجهون أوقاتاً عصيبة، مع إمكانية وقوع نتائج كارثية بالنسبة لهم ولليمن ككل.

Read it in English

نبيل خوري

كبير باحثين غير مقيم في مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط. بعد خمسة وعشرين عاما في خدمة الخارجية الأمريكية، تقاعد خوري في عام 2013، على درجة وزير مفوض. وخدم خوري كنائب رئيس بعثة في السفارة الأمريكية باليمن بين 2004-2007.