محمد بدران يسعى لحكم مصر

محمد بدران يتحدث اثناء تجمع انتخابي. صفحة حزب مستقبل مصر على الفيسبوك.

في طريقه للإسكندرية يجلس محمد بدران في المقعد الخلفي لسيارة مرسيدس سوداء اللون مبحوح الصوتِ متعباً، هذا الشاب ذو الأربع والعشرين ربيعاً – والذي يترأس حزب مستقبل وطن – كان يتحدث قبل خمسة عشر دقيقة إلى جمهور الناخبين لحشد الدعم لأحد مرشحي الحزب، والآن يتجه إلى حشد انتخابي آخر وسط ركب من سيارات أعضاء الحزب والعاملين به، فقد سافر من محافظة أسوان في الجنوب إلى القاهرة في الصباح بالطائرة، ثم قاد سيارته لمدة ثلاث ساعات حتي وصل إلي مدينة الإسكندرية الساحلية. 

طموحه السياسي يمده بالطاقة اللازمة للاستمرار، يسأل الشاب الجالس في المقعد الأمامي للسيارة عن آخر المستجدات حول قدرات المرشحين على حشد الدعم، وفرصهم في النجاح. قال لي محمد بدران في سيارته “نهدف إلى حكم مصر” ثم ابتسم قائلاً “هل هذا تصريح جيد؟”

قدم حزب مستقبل وطن – الذي لم يجاوز عمره العام الواحد – 185 مرشحاً فردياً في سباق الانتخابات البرلمانية المصرية، مما يجعله ضمن أعلى ثلاثة أحزاب من حيث أعداد المرشحين، حيث يقدم حزب الوفد – أقدم الأحزاب في مصر – 270 مرشحاً، في حين يقدم حزب المصريين الأحرار- والذي يحظى بدعم مالي كبير – 227 مرشحاً.

يمتلك حزب مستقبل وطن أعداد مرشحين تساوي تقريباً تلك التي يمتلكها الحزبين في قائمة “في حب مصر” وهي قائمة يتزعمها سامح سيف اليزل – لواء سابق بالجيش المصري – ومن المتوقع أن تسود في السباق الانتخابي- كما تشير نتائج المرحلة الأولى، وقد أشاد سامح سيف اليزل بحزب مستقبل وطن، وامتدح رئيسه محمد بدران في حديث له علي قناة صدي البلد، واصفا إياه بأنه “الحزب الشاب الوحيد وسط مائة وأربعة من الأحزاب،” وأردف قائلاً أنه “متفائل بهذا الحزب،” في حين أشار إلى العداوات التي اكتسبها – أي سامح سيف اليزل – نتيجة لطريقة انتقائه للمائة والعشرين مرشح على قائمة في حب مصر.

بدأ بزوغ نجم محمد بدران في المجال العام مع انتخابه كرئيس اتحاد طلاب مصر في إبريل 2013، فقد كان جزءاً من التحالف الذي هزم مرشحي الاخوان المسلمين، وبعد الإطاحة بالرئيس مرسي مثّل بدران الطلاب في لجنة الخمسين – التي كانت مسئولة عن إعادة كتابة الدستور. 

قبل تأسيس الحزب رسمياً، كوَّن شباب الحزب حملة لدعم خارطة الطريق ما بعد رحيل مرسي، كما جالوا البلاد في يناير 2014 لحشد الأصوات لتأييد الدستور، وكرروا الأمر ذاته بعد أربعة أشهر أثناء حملة السيسي الرئاسية، و قد لاقى أعضاء حزب مستقبل وطن الترحيب من قبل مسؤولي الدولة والأجهزة الأمنية، في الوقت الذي تم القبض فيه علي العديد من النشطاء بحجة مخالفة قانون التظاهر الصادر في نوفمبر 2013.

أصبحت الحملة حزباً خلال عام، وذلك بالاعتماد على القاعدة الطلابية المنتشرة في أرجاء مصر كما أوضح بدران، كما يدّعي الحزب امتلاكه مقرات في كل محافظات البلاد منذ تأسيسه في نوفمبر 2014، وبالنسبة للتمويل والذي يمثل عائقاً أمام معظم الأحزاب، فقد ذكر بدران قائمة بأسماء رجال الأعمال الممولين للحزب، تضم القائمة رجال أعمال ارتبط اسمهم بعهد مبارك، مثل فرج عامر وأحمد أبو هشيمة.

منذ مارس 2015 – حين تم تأجيل الانتخابات البرلمانية – تلاشت الكيانات المتعددة التي ظهرت لتدعم السيسي وتباهت بتضمنها لأعضاء بارزين كثير منهم وزراء سابقون، حتي الاحزاب التي كان من الممكن أن تلعب دور المعارضة مثل حزب الحركة الوطنية والذي يقوده أحمد شفيق، أحد المرشحين الرئاسيين في انتخابات 2012، بدأت تتفكك وينضم أعضائها لحزب مستقبل وطن.

تطلعات بدران المستقبلية

أدي ظهور بدران إلى جانب الرئيس السيسي في افتتاحية التوسعات الأخيرة لقناة السويس في أغسطس الماضي إلى تعزيز موقف الحزب سياسياً، كما غذى التوقعات حول إعداده للسلطة.

أكدت الرئاسة مراراً عدم دعمها لأي من الكيانات السياسية، لكن بعض منتقدي السيسي ومؤيديه لاحظوا احتياجه لظهير سياسي، واحتياجه لصوت لسياساته – أي السيسي – في البرلمان، صوت يقويها ويترجم الدعم الكبير الذي يحظى به السيسي إلى أفعال، يقول بدران “ليس لدي الرئيس بديل عن أن يكون له ظهير سياسي، هذا البديل ليس شرطاً لنجاحه، ولا لدعمه لفترة رئاسية ثانية، ولا لدعم قراراته الرئاسية، ولكن لإصلاح الدولة.”

اصطحب السيسي بعض من عاونوه – كرئيسٍ للمخابرات الحربية وكوزيرٍ للدفاع – إلى رئاسة الجمهورية، كما حكم البلاد محتكراً السلطة التشريعية، واقترح كذلك توحد الاحزاب السياسية في ائتلاف موحد، مما يشير إلى رؤية سياسية تفتقر إلى التنوع الذي هو عنصر أساسي في أي مشهد سياسي صحي.

يشارك بدران الرئيس نفس وجهات النظر، يقول “لا يوجد ما يسمى بالأيديولوجية السياسية، هذه الكلمة لا تتوافق وحال الشعب المصري. إننا لا نملك قوت يومنا، فقط حين نملكه يمكننا البحث عن أيديولوجية.” مضيفاً أن استراتيجية أعضاء الحزب والمرشحين في البرلمان ستكون الدفاع عن مصلحة الوطن والدولة، يقول بدران أنهم لا يرغبون في أن يكونوا حزب الرئيس، لكن حتى الآن يوافق الرئيس السيسي في كل قراراته، ماعدا العفو الأخير عن النشطاء المائة. 

الفوز أولاً

يعتمد الحزب على ضم مرشحين لديهم فرصه عالية للفوز، وهي وسيلة تتبعها أحزاب أخرى في مقدمة السباق الانتخابي. حين وصلنا لوجهتنا “مينا البصل” – وهو حي فقير في غرب الاسكندرية – وجدنا المئات في حشد انتخابي للمرشح “أشرف رشاد عثمان.” يستخدم هذا المرشح – كغيره من المرشحين في أرجاء مصر – اسم والده واسم عائلته، لتوضيح انتمائه لعائلة ثرية ومعروفة بالأعمال الخيرية، رشاد عثمان هو رجل أعمال بارز وعضو سابق بالبرلمان.

يحف الطريق المؤدي إلى الحشد من الجانبين ملصقات تحمل اسم وصورة رشاد، ومكبرات صوت تذيع أغنية كُتِبَت خصيصاً لدعم ترشحه، لا يعرف أهل مينا البصل بالضرورة حزب مستقبل وطن، لكن كما تقول نجاة محمد – ربة منزل كبيرة السن – إنها ستصوت لعثمان، بغض النظر عن أي اعتبار، فقد اعتادت على التصويت لوالده.

بجوار المنصة لافتة خُصِصَ نصفها لصورة بدران بجوار الرئيس السيسي في احتفالية توسعات قناة السويس كُتِبَ عليها عبارات ترحيب ببدران، تحمل هذه الصورة تفسيراً ضمنياً لوجود شاب لم يتجاوز عمره الأربعة والعشرين ضمن منصة تضم مجموعة من السياسيين يتجاوز عمرهم ضعف عمره.

معظم مرشحي الحزب من كبار السن وليسوا من الأعضاء الشباب والمؤسسين للحزب. “إن هدف الحزب هو خلق بيئة مواتية لإشراك الشباب في السياسة”. يقول أحمد عوف – أحد أعضاء اللجنة العليا للحزب في الإسكندرية. الهدف من هذه الدورة البرلمانية إعداد الشباب قبل تسليم السلطة لهم كما يشير أحمد نجيب، أحد شباب المؤسسين للحزب، والذي يفخر كثيراً بما قام به من جهد في الحملات الانتخابية والتشبيك. 

على الرغم من الإشاعات حول دعم الدولة لحزب بعينه، يحافظ السيسي علي مسافة علنية بينه وبين كل المرشحين، بما فيهم مرشحي حزب مستقبل وطن وداعميه في قائمة في حب مصر، قد يصبح حزب مستقبل وطن للرئيس السيسي كما كان الحزب الوطني الديمقراطي لحسني مبارك: حزب حاكم يستفيد من روابطه بالدولة ويعبر عن رؤية الرئيس في البرلمان. توفر القاعدة الشبابية للحزب المتمثلة في بدران وجوه جديدة، على عكس الوجوه التقليدية المعروفة التي تتنافس لدعم الرئيس، والتي قد تضر الرئيس أكثر ما تفيده بالنظر لخلفيتها، كما أن افتقار الحزب إلى ايديولوجية سياسية يجعله أكثر قدرة على دعم سياسات الدولة أياً ما تكون، إلا أن الارتباط المباشر بحزب سياسي قد يكون ضرره أكبر من نفعه، فقد أثَّر ما حدث من طرائف من قبل بعض أعضاء برلمان 2012 سلباً على الأحزاب والائتلافات التي ينتمون إليها.

يبدو حزب مستقبل وطن كمرشح محتمل للقيام بوظيفة الظهير السياسي للرئيس، إذا افترضنا جدلاً وجود هذه الوظيفة، لكن عليه أولاً أن يثبت جدارته في الانتخابات البرلمانية، ويثبت قدرته على الاستمرار دون امتلاك ايديولوجية أو رؤية محدِدة، وهي مشكلة سبق أن دمرت أحزاباً أخرى.

Read it in English

ساره السرجاني

باحث غير مقيم مع مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط في المجلس الأطلنطي