قصص من مدينة مخطوفة

صورة نشرها تنظيم الدولة يوم 25 اغسطس 2015 توضح تفخيخ التنظيم لمعبد بعلشمين.

شهدت مدينة تدمُر عمليات ذبح جماعي وتدمير وتخريب ارتكبتها كل الأطراف التي سيطرت على المدينة في الآونة الأخيرة النظام تارة، والمعارضة تارة، وتنظيم الدولة الاسلامية تارة، فقد استغل كل طرف الوضع الفوضوي وعدم وجود قانون ونظام عام فقام بتدميرها واستخدامها لحماية أغراضه في الحرب، أو التربح من هذه الحرب، خاصة من الاثار التي تحتويها المدينة.  إننا نرى فرقا واضحا بين تصرفات داعش تجاه الآثار وبين تصرفات النظام والمعارضة، حيث دمر تنظيم الدولة كثيرا من هذه الآثار وباعها، لأسباب أيديولُوجية واقتصادية، في حين أن تحت النظام والمعارضة تعرضت الآثار للدمار والتخريب ولكن من قبل أفراد ولصوص ليس من قبل القوة المسيطرة. 

 سيطرت مجموعة من المعارضة المسلحة في بداية العام 2013 على واحة تدمر، وبعض الأجزاء الشرقية من المدينة، وقام المقاتلون ببعض أعمال التنقيب السري عن القطع الثمينة، خصوصا في بعض المدافن الأرضية الشرقية الجنوبية، ونقلوا منها قطع نصفية وتماثيل جنائزية نفيسة، وهرّبوها للخارج من أجل بيعها في بزارات تجارة الآثار. ذات مرة كنت سائراً في أحد طرقات الحي الشرقي، وشاهدت شابين يستقلان دراجة نارية، ويحملان بأيديهما اثنتين من القطع النصفية الجنائزية، وأحدهما يحمل بندقية، فسألت عنهما واكتشفت أنهما كانا يقومان بالحفر في المدافن التدمرية بتغطية من عناصر المعارضة، وذلك لاستخراج القطع الثمينة وبيعها.

وخلال هذه الفترة ساهمت صواريخ وقذائف النظام في تخريب الواحة، فدمرت عددا من المدافن وأجزاءً من جدران معبد بل، والبيت ذا الفسيفساء اليونانية شرقي معبد بل، وأجزاءً من السور الشرقي والجنوبي المحيط بالمدينة.

انسحبت عناصر المعارضة من تدمر ومحيطها في شهر يوليو (تموز) لعام 2013، بسبب عدم قدرتها على مجابهة القوة العسكرية التي سخرها النظام لحماية تدمر كموقع استراتيجي وليس لحماية الآثار، وتحولت المدينة خلال هذه الفترة إلى أكبر مخزن لذخيرة النظام وانتشرت الأسلحة في جبالها وباديتها. وتعد مدينة تدمر حلقة الوصل بين شرق سوريا وغربها وبين الحدود الاردنية والعراقية من الداخل السوري. دمر القتال المستمر كثيرا من الآثار، حيث استخدم الطرفان جدران الآثار السميكة لحماية عناصرهما وتخبئتها، وحسب تصريح عالمة الآثار إيما كونليف، فإنه غالبا من دمر الآثار هو قوات النظام، لأن شكل الدمار يناسب أسلحة النظام وليس أسلحة المعارضة.

استمرت انتهاكات النظام في مدينة تدمر وذلك بشهادة الكثير من المعتقلين لدى فرع المخابرات العسكرية بتدمر، حيث شاهدوا الكثير من القطع الأثرية بغرف الفرع وساحاته، في الوقت الذي يجب أن تكون هذه القطع في متحف تدمر، مما يدل على سرقتها.

وقد قام النظام بشق الطرق الكثيرة تعبر فوق المدينة لبناء حواجز بحجة حماية المدينة، مثل الطريق الواصل من فرع المخابرات العسكرية إلى القلعة. كما اتهم أهل المدينة النظام بالحفر المتعمد بالموقع الأثري والنهب والسرقة، وعلى سبيل المثال كان الرائد عمار، أحد ضباط فرع الأمن العسكري بتدمر، يتابع الأشخاص الذين خبؤوا قطع أثرية لديهم، فيحضرهم الرائد ويعذبهم أو يساومهم مقابل مبلغ مالي زهيد، للحصول على تلك القطع، ثم ينقلها لتجّار الآثار لبيعها.

رغم أن المجتمع الدولي والمتخصصين في الآثار كانوا يتابعون وضع الآثار ويحذرون من تدميرها، إلا أن النظام لم ينقل هذه القطع حتى الساعات الأخيرة من دخول تنظيم الدولة لقلب المدينة، حتى تم الاتفاق على هدنة قصيرة المدة بين قوات النظام وداعش يوم 19 مايو (أيار) عام 2015، استطاعت خلالها عناصر النظام نقل ما استطاعت حمله من الصناديق الحافظة للقطع الأثرية في متحف تدمر ونقلتها إلى أماكن مجهولة.

سيطر تنظيم الدولة على المدينة في مساء ٢٠ مايو (آيار)، وكان من الواضح منذ ساعة دخوله أن وجهة نظره للآثار مختلفة، حيث أن النظام والمعارضة استغلا الآثار للأسباب عسكرية، وأن عناصر فردية استغلت الوضع الفوضوي، ولكن تنظيم الدولة استخدم الآثار، واستغل سيطرته على المدينة، لتحقيق غايتين، اولاهما اقتصادية وثانيتهما أيديولوجية. 

كيفية تغيير التنظيم لمتحف تدمر تلقي الضوء على أسباب تصرفاته، حيث حول التنظيم المتحف إلى ما يسمى “ديوان الركاز” وجعل الملقب بأبي راشد من ادلب والملقب بأبي خديجة من ريف حماه مسؤولَين عنه، وأيضا حوله إلى مقر للمحكمة الشرعية. إن الديوان يتيح رخصا، هدفها البحث عن الكنوز في الموقع الأثري، فمنح التنظيم رخصةً للتنقيب بوادي القبور حيث دمر مدفن برجي كليةً لإخراج اللوحات النصفيه منه والتي نقلها تنظيم داعش خارج سوريا لبيعها.

كان تنظيم الدولة يبيع الآثار الثمينة قبل تفجير المواقع الأثرية، فكان يحضر ما يُسمى تُجارا ويبيع لهم القطع الثمينة من اللوحات النصفية والتماثيل ضمن المدافن، وخصوصا من الأرضية التي كانت مجهزة لاستقبال الزوار، ثم يضع قطعا أخرى مشوهة غير ثمينة، لا تباع بأسعار عالية ويدمرها أمام الناس بحجة أنها أصنام.

أراد التنظيم إظهار للعالم والذين يعيشون تحت سيطرتهم أنه يطبق الدين الإسلامي الصحيح، وانه لا يسمح بأي اختراق أو مخالفة. فدخل المدينة وانبرى يدمر التماثيل ويفجر الآثار المشهورة. عندما سألتُ أحد عناصر داعش عن سبب تفجير قوس النصر، وهو ليس معبدا ولا يحمل صورا، رد عليّ قائلا إن الكفار كانوا يحتفلون بانتصاراتهم تحته.

وإذا أمعنّا النظر في الإعدامات التي يرتكبها داعش فإننا سنرى نفس الغاية الايديولوجية، وهي إلقاء الرعب في قلوب الناس. فعلى سبيل المثال، بعد أن سيطر التنظيم على المدينة قام بقطع رأس أي شخص يشك في أنه يتعامل مع النظام أو المعارضة على حد زعمه، مثال على ذلك هو الضابط محمد الجمعان الذي جاء إلى عناصر داعش ليطلب الأمان ووضح لها أنه كان منعزلا ببيته، ولم يكن مشاركا في القتال على الجبهات، إلا أنهم قطعوا رأسه بمجرد سماعهم أنه ضابط. كذلك القاضية غادة جمعة تم إعدامها بحجة أنها لم تحكم بالشريعة الإسلامية.

صور وبث تنظيم داعش كل عمليات الإعدام لجذب أنظار العالم ولإثبات طهارة إسلامه على حد قوله، لتخويف الناس. فقبض على خالد الأسعد، عالم الآثار الذي كان يشغل منصب المدير العام لآثار ومتاحف تدمر منذ عام 1963، واتهمه بالتعامل مع نظام الأسد، وبأنه يحمي أصنام تدمر، ثم قطع رأسه وعلق جثته على أحد أعمدة الكهرباء، ووضع رأسه على الأرض قرب الجثة. كما قتل التنظيم ثلاثة مدنين بربطهم بأعمدة أثرية، فجرها مع الأشخاص بتاريخ 26 مايو (أيار)، ولا أحد يعرف ما تهمتهم، وهكذا استخدم داعش الآثار ليبدي للعالم أنه يطبق الشريعة الإسلامية.

تبذل بعض المنظمات والهيئات الدولية، مثل يونسكو والمدارس الأمريكية للبحث الشرقي، جهودا لحماية آثار سوريا ولكنها، مع الأسف، لا تستطيع أن تفعل الكثير، بسبب الوضع الفوضوي، ولأن الأطراف المقاتلة لا تبالي بالآثار. كل ما تستطيع عمله هو توثيق الدمار وتوعية المجتمع الدولي.

Read it in English

[/vc_column_text][/vc_column][/vc_row]

حسن على

عمل عالم آثار لدى المديرية العامة للآثار والمتاحف‎ في سوريا ولدى قسم الآثار في تدمر. قبل الحرب، عمل على الحفر وترميم الآثار وقام بالمسوحات الآثارية. هرب من تدمر في أواخر عام 2015، ولكنه ما زال يعمل للمحافظة على تراث سوريا.