عفرين والسباق نحو معبر أعزاز

اتسمت مدينة عفرين على مدار الخمس سنوات السابقة بكونها الأكثر هدوءاً بين معاقل الأكراد الثلاثة. فقد تراجع جيش النظام السوري من كل من الجزيرة وكوباني منذ ربيع 2012، وتركهما تحت سيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي وهو الحزب السوري الشقيق لحزب العمال الكردستاني التركي. فقد أعلن الحزب استقلال عفرين في يناير 2014، مثلما أعلن استقلال الجزيرة وكوباني، ولم يكن لقوات نظام الأسد وجود في عفرين، على عكس الحال في الجزيرة، كما أن الدولة الإسلامية (داعش) لم تقم أبدا بمهاجمة عفرين مثلما حدث في كوباني. وقد كان لعفرين حدوداً مع مناطق تخضع لسيطرة النظام مثل الزهراء والنبل ومناطق أخرى، تقع تحت سيطرة مجموعات ثورية مختلفة. 

عَبَرتُ في فبراير/شباط 2015 إلى المناطق الشمالية، التي تخضع لسيطرة الثوار وصولاً لعِفرين، وعند دخولي سوريا بدأت مفاوضات صعبة لمدة تزيد عن الساعة والنصف بيني أنا ومقاتلي أحرار الشام ولواء التوحيد من جهة، وبين الجناح المسلح لحزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب من جهة أخرى، وفي نهاية المطاف طلب الثوار من مقاتلي ميلشيا جبهة الاكراد اقتيادي لأول نقطة تفتيش تابعة لوحدات حماية الشعب. لم تكن العلاقة بين الجبهة الإسلامية – التي أصبحت منذ وقت قريب تعرف باسم الجبهة الشامية – والأكراد علاقة صداقة، لكنها لم تكن أيضا علاقة عدائية واضحة. كان الأكراد في احتياج للحفاظ علي المعابر مع تركيا مفتوحة، بهدف الإتجار، وكانوا يعلمون أنه اذا قاموا بالسيطرة عليها ستقوم تركيا بإغلاقها. 

كانت الأمور هادئة في عفرين، فقد كانت تحت سيطرة الأكراد، لكن النازحين ممن أتوا من حلب وغيرها من المناطق السورية بنوا بالتعاون مع وحدات حماية الشعب منشآت دفاعية على خطوط المواجهة مع المجموعات الثورية المختلفة. وقد انعكس هذا الهدوء النسبي التي تميزت به عفرين في وحدات حماية الشعب ونظيرتها النسائية وحدات حماية المرأة، فلقد كان الانضمام لقوات حماية الشعب في عفرين تطوعياً في 2015، في حين أن التجنيد الاجباري كان هو النظام المتبع في الانضمام لوحدات حماية الشعب في كل من الجزيرة وكوباني منذ صيف 2015. اتسمت الصراعات الداخلية بين حزب الاتحاد الديمقراطي والأحزاب المعارضة التي انضمت لما يُعرف باسم المجلس القومي الكردي بالهدوء. على عكس الحال في الجزيرة، فقد كانت الأحزاب الداعمة لرئيس كردستان العراق مسعود برزاني ضعيفة تقليدياً في عفرين، كما أن حزب العمال الكردستاني كان مسيطراً منذ ثمانينيات القرن المنصرم.

على الرغم من وقوع مناوشات بين الثوار ووحدات حماية الشعب فلم تُفض أي من هذه المناوشات إلى مواجهة شاملة، وفي الواقع فقد استطاعت عفرين الحفاظ على بعض الثقة مع جيرانها من كل من قوات النظام والثوار، كما اتضح من دورها كمفاوض بين مجموعات الثوار والقوات المؤيدة للنظام في الزهراء ونبل الشيعية. 

وقد أخذ الوضع في التغير إبان إغلاق تركيا معبر باب السلامة الحدودي في مارس/آذار 2015، والذي كان بمثابة شريان حياة لكل من جماعات الثوار والأكراد في عفرين، والذي كان إبقاؤه مفتوحاً بمثابة ضمان لبعض التعاون بين الأكراد والجماعات المعارضة، وقد أدى الإغلاق إلى فقدان التحالف المعارض المسمى بالجبهة الشامية – والتي كانت المتحكمة في المعبر من الجانب السوري – أهم أداة تفاوضية تملكها في العلاقة مع وحدات حماية الشعب والإدارة الكردية في عفرين، كما أدت المحاولات التركية لبناء سور حدودي للحيلولة دون العبور غير الشرعي للحدود إلى مشكلات اقتصادية في عفرين.

أدت الضربات التي شنها النظام بدعم روسي بين الأول والثالث من فبراير/شباط من العام الحالي إلى فتح ممر إلى نبل والزهراء شمال مدينة حلب، ووجدت قوات المعارضة في شمال حلب وحول أعزاز نفسها في مواجهة قوات النظام من الناحية الجنوبية وداعش من الناحية الشرقية وعفرين من الناحية الغربية وحدود تركية مغلقة ناحية الشمال، ومن ثم قامت وحدات حماية الشعب وجيش الثوار – وكلاهما عضو في قوات سوريا الديمقراطية – بالهجوم على المعارضة لضم عفرين إلى المناطق الكردية شرقاً، وتتشكل غالبية قوات سوريا الديمقرطية من قوات تابعة لوحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة، حيث يشكل الأكراد حوالي 51 ألفاً من أصل 55 ألفأ هم جملة قوات سوريا الديمقراطية إلى جانب 4 آلاف من العرب والسريان. 

إن هجوم جيش الثوار المستمر على قوات المعارضة حول أعزاز يجعل من الصعب تبسيط القتال على أنه تصارع بين قوات كردية وعربية، وبالرغم من ذلك فإن جيش الثوار غالباً ما يزن خياراته؛ فكل المجموعات المتصارعة تحظى بدعم دولي؛ حيث تدعم الولايات المتحدة قوات سوريا الديمقراطية، وتدعم روسيا وإيران النظام، وتدعم السعودية وتركيا عدداً من مجموعات الثوار، ويرى جيش الثوار التحالف مع وحدات حماية الشعب – والتي شاركتها في محاربة داعش – والدعم الأمريكي أفضل فرصها في البقاء.

تقع مدينة أعزاز التي يسيطر عليها الثوار بين جرابلس وعفرين، وتحاول وحدات حماية الشعب الوصول إليها قبل قوات النظام أو تركيا، فإذا سيطر النظام على أعزاز أو فرضت تركيا منطقة آمنة هناك فإن وحدات حماية الشعب لن تتمكن من الربط بين منطقتي عفرين وكوباني، وتتقدم وحدات حماية الشعب من كوباني شرقاً إلى جرابلس ضد داعش، وكانت قد قالت تركيا بأن عبور نهر الفرات هو خط أحمر، وقد قصفت قوات وحدات حماية الشعب عندما أقدمت على ذلك. إن قوات سوريا الديمقراطية هي من القوة بما يكفي لقتال داعش وجماعات الثوار في المنطقة، خاصة مع استفادتها بالضربات الجوية للنظام وروسيا ضد المعارضة، ولكنها ليست من القوة لأن تتحمل مواجهة مع الجيش التركي أو الجيش السوري وحلفائه الروس والإيرانيين.

إن تركيا في وضع لا تحسد عليه، فعلى الرغم من أنها قد أكدت على استعدادها لإرسال قوات برية إلى سوريا، إلا أنه من غير المرجح حدوث ذلك بدون دعم دولي، وبدلاً من ذلك فقد لجأت إلى قصف مواقع كردية ودعم قوات الثوار ضد وحدات حماية الشعب، وفي يوم الجمعة 19 من فبراير قامت القوات التركية بقصف قرى كردية إضافة إلى مدينة عفرين، وتباشر القوات التركية الهجوم من كيليس شمال عفرين وسوسوكوي غرب عفرين، كما قصفت المدفعية التركية وسط مدينة عفرين وضاحية الأشرفية المجاورة لها، مما أدى إلى مقتل شخصين مدنيين، كما قصف الجيش التركي أيضاً قرى دير بلوط والحمام وكفر جنة ومشعلة وهكجه وسنارة وأنقلا وفريرة وحج حسنة وأفراز، مما أسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص من عائلة واحدة، وقد تقدم الجيش التركي حوالي 300 متر باتجاه سوريا، وقام باقتلاع نحو 500 شجرة زيتون إستعداداً لبناء جدار لأغراض الأمن ومكافحة التهريب.

فضلاً عن ذلك فقد دعمت تركيا والسعودية أيضاً تشكيل ما يسمى بجيش حلب، وهو تحالف معارض جديد صرح بنيه محاربة النظام وداعش وقوات سوريا الديمقراطية، وقد كانت أول عملياته موجهة ضد قوات سوريا الديمقراطية، كما ساعدت تركيا أيضاً الثوار المقاتلين في حلب عبر باب السلامة وقرية أطمة شمال عفرين، حتي يتمكنوا من مهاجمة قوات سوريا الديمقراطية، وقد تصبح أطمة – وهي الملاذ لأحد أكبر مخيمات النازحين (مخيم شجرة الزيتون) الذي يؤوي أكثر من 28 ألف شخص – الجبهة الجديدة للمواجهة بين قوات الثوار ووحدات حماية الشعب والمرأة، فإن أهم المعارك ستكون في أعزاز وجرابلس، والتي هي بمثابة سباق حول من ستكون له أسبقية السيطرة على المعبر، هل ستكون لتركيا أم للنظام وحلفائه أم للأكراد وحلفائهم؟

Read it in English

توماس شمدنجر

هو مدرس للعلوم السياسية في جامعة فيينا، وقد قام في عام 2014 بنشر كتاب باللغة الألمانية عن الإقليم الكردي في سوريا والذي ترجم للغة التركية.