رغم التنازلات… حزب النور يخسر في الانتخابات البرلمانية

صورة من رويترز، اسماء وجيه، 18 أكتوبر 2015.

مع انطلاق الانتخابات البرلمانية المصرية، يخوض حزب النور – الذراع السياسي للدعوة السلفية  “مدرسة الإسكندرية” – واحدة من أصعب الاختبارات والتحديات التي مر بها منذ إعلان تأسيس الحزب في يونيو 2011 كامتداد للدعوة في المجال السياسي/الحزبي.

وتعود صعوبة الاختبار نظراً لاصطفاف الحزب منفرداً دون تحالفات أو تأييد من داخل التيار الإسلامي أو التيار العلماني، ليظهر الحزب منعزلا في الساحة السياسية المصرية، ويعتبر الحزب هو الفصيل الرئيسي تقريبا داخل معسكر الإسلاميين الذي يخوض الانتخابات التشريعية الحالية، في الوقت الذي يطرح الحزب نفسه – بشكل مباشر أو غير مباشر –  منذ فترة كوريث لـ جماعة الإخوان المسلمين، وهو أمر لم يكن هناك مجال لاختباره، وذلك لسببين أساسيين:  أولا لتماهي الحزب مع قرارات النظام الحالي، وعدم وقوفه في مربع المعارضة طوال ما يزيد عن عامين، ثانياً غياب أي استحقاق انتخابي يكون الحزب طرفا منافسا فيه- خاصة منذ يوليو 2013، ويُظهِر من خلاله قدراته الانتخابية على المنافسة. 

وفي هذه الاثناء لم تتدخل السلطة بأكثر من حماية الحزب من بطش مادة حظر الأحزاب على أساس ديني الموجودة في الدستور، حيث استمر الحزب في الوجود على الساحة السياسية بعد إقرار دستور 2014، والذي يحظر وجود أحزاب على أساس ديني، حيث تذهب المادة 74 في الدستور بعدم جواز تأسيس الحزب على أساس ديني، وفي هذا السياق رفضت جميع الدعاوي المقامة ضد الحزب، إما لمنعه من المشاركة في الانتخابات أو حله كحزب، فقد كانت المحاكم دائما تحكم لصالح الحزب.

استراتيجية حزب النور

في سبيل تعزيز فرصه الانتخابية، قام الحزب بمجموعة من الإجراءات والتحركات خلال حملته الدعائية الرسمية وما قبلها، سعى من خلالها لرسم صورة ذهنية إيجابية عنه لدى كل من النظام السياسي ولدى الجمهور العادي من المصريين.

فعلى مستوى الخطاب ارتكز الحزب في حملته على ثلاثة أفكار جوهرية، الأولى تتعلق بمحاولة إظهار عدم مخالفته للخط العام الذي يطرحه النظام مستخدماً مفرداته، التي تشير إلى السعي للحفاظ على الدولة من مصير سوريا والعراق ومحاربة الإرهاب والفكر المتطرف والقبول بالاحتكام للصندوق، والإصلاح الهادئ المتدرج، والمعارضة التي تقوم على النصح والوطنية.

وهي مصطلحات ترددت بشكل متكرر في لقاءاته التلفزيونية والمؤتمرات الانتخابية، على مدى أكثر من عام منذ أعلن الحزب خوض الانتخابات، وهو في ذلك الأمر أراد أن يقطع الخط على اتهامات التيار العلماني في مصر له بأنه حزب ذو مرجعية دينية لا يؤمن بتلك المفاهيم، ولا يؤمن بفكرة الدولة الوطنية، وكذلك إرسال رسالة للناخب والمواطن العادي مفادها أن الحزب يؤمن بهذه المفاهيم، ويؤمن بالبينة السياسية القائمة على فكرة الدولة الوطنية، والتي لا تهدد أمن هذا النظام، ولا تتخطى الخطوط التي رسمها النظام.

أما الفكرة الثانية فتتعلق بقضية الهوية الإسلامية، فالحزب قبل أن ينشأ كانت قياداته المنتمية للدعوة السلفية، صاحبة أول شعار لرفع قضية هوية الدولة، وذلك في استفتاء مارس 2011، وهو الاستفتاء الذي دفع فيه الإسلاميين بأن التصويت لصالح التعديلات الدستورية هو تصويت لصالح الإسلام. ويمكن القول أن  مسألة الهوية كانت النقطة المحورية في خطاب الدعوة ومن بعده الحزب طوال عمله السياسي بعد الثورة، والتي أراد أن يتمايز بها عن كل منافسيه ومخالفيه، فحينما كان الحزب يطرح رؤية صارمة لدور الدين كان يستخدم هذه القضية ضد جماعة الإخوان المسلمين، باعتبارها جماعة مفرّطة في ثوابت الدين لأجل السياسة، عن طريق الوقوف في صف التيار العلماني، وقد ظهرت محورية هذه القضية من خلال شعار الحزب الذي رفعه في انتخابات برلمان 2011  والذي ركز على فكرة الهوية الإسلامية “معا نبنى مصر، هوية ودولة عصرية بعقول وأياد مصرية.” وفي تأكيده على مسألة الهوية بالنسبة للحزب قال مرشح حزب النور في انتخابات 2011 محمد الطويل “إن الهدف من دخول السياسة هو حماية الهوية الإسلامية لمصر.”

وقد استخدام الحزب سياسات الهوية كسلاح ضد العلمانيين حيث اتهمهم الحزب بالتفريط في هوية مصر الإسلامية، وقد ظهرت هذه السياسات بصورة جلية في الدعم الذي قام الحزب بتعبئته من أجل المادة الثانية في الدستور – بداية من استفتاء 2011 انتهاء بدستور 2014 – التي تنص على أن الإسلام هو دين الدولة الرسمي، ولكن مع تبني الحزب للتعامل البراجماتي في السياسة، وتصدع صورتهم الذهنية لدى المواطن العادي خاصة في السنتين الأخيرتين، اختار الحزب في الانتخابات الحالية ألا يظهر المكون الديني في شعاراته الانتخابية، وهو ما يوضحه الشعار الذي اختاره الحزب لنفسه في الانتخابات الحالية “وضوح وطموح.”  

الفكرة الثالثة والأخيرة فتتعلق بتقديم الحزب نفسه كصاحب قدرة على الإنجاز الخدمي، ففي ظل الأوضاع الاقتصادية الخانقة التي تمر بها البلاد، يبدو أن حزب النور يضع رهانه على حقيقة أن الناخبين المصريين ينظروا إلى ممثليهم في البرلمان باعتبارهم مقدمي للخدمات أكثر من كونهم مشرعيّن، وقد تجلت هذه الفكرة في تركيز مرشحي الحزب من غير قادته على طرح حلول ورؤى تتعلق بمشاكل دوائرهم الضيقة، أكثر من الحديث عن برنامج سياسي واقتصادي واضح وشامل، وظهر ذلك أثناء مؤتمراتهم الانتخابية، ومن خلال الرسائل المبعوثة لوسائل الإعلام والصحفيين، وهو ما أراد الحزب من خلاله التأكيد لدى الناخب العادي – الذي لا يكترث بالمنافسة السياسية – بأنه – أي الحزب – صاحب الحلول العملية لمشاكله الحياتية الملحة.

التحديات وفرص النجاح

لكن هل تفضي هذه المجهودات والمحاولات إلى نتيجة إيجابية تضع الحزب في مرتبة كالتي كان عليها قبل نحو 4 أعوام، حيث أحتل المرتبة الثانية بنسبة 22.04%؟ يجدر قبل الإجابة على هذا التساؤل رصد التحديات التي تواجه الحزب في اختباره الحالي.

التحدي الأول: هو تفتت كتلة الإسلاميين لتنقسم إلي المناهضين للنظام السياسي الحالي، في مقابل الدعوة السلفية وحزبها المؤيد للنظام، وهو ما يخصم كثيراً من حضور جمهور الإسلاميين على المستوى المشاركة من حيث المبدأ، فضلا عن كون هذا الجمهور بات يقف في موقف الضد من الحزب، بعد أن بات يُنظر إليه كمفرط وخائن لاصطفاف الإسلاميين في مساندته للإطاحة بالرئيس المعزول محمد مرسي، حتى أنهم أطلقوا عليه حزب “الزور”، وجزء من هذا الجمهور إما من داخل الصف السلفي نفسه سواء الذين أنشقوا عن الحزب والدعوة في مواقف متفرقة، أو من تيارات سلفية أخرى، وقد استطاع هؤلاء توليد خطاب ديني منطلق من نفس أرضية المرجعية الفقهية للحزب، أدى لتصدع الصورة الذهنية لدى القاعدة الشعبية التي كانت تؤيده.

التحدي الثاني: فهو حجم التربص والشك والهجوم على الحزب من جانب التيار العلماني، والذي لم يبدأ منذ انطلاق الحملات الانتخابية فقط، لكنه ممتد منذ يناير 2014، حينما شرعت قنوات خاصة تتهم الحزب بأنه لم يقدم الدعم والحشد اللازم للتصويت “بنعم” على الدستور، وترجع خطورة هذا الأمر لكون الحزب يفتقد أية منابر إعلامية تكافئ حجم المنابر الإعلامية المتوفرة لخصومه كحزب المصريين الأحرار وقائمة “في حب مصر”، إن الصورة التي تنقلها وسائل الاعلام هذه وعدم توافر منابر مماثلة للحزب تزيد من تصدع الصورة الذهنية لدى الجمهور العادي من الناخبين.

التحدي الثالث: تشير الانتقادات إلى أن ترشيح الحزب  لأقباط ونساء على قوائمه يرجع الى ضرورة التزامه فقط بالقانون، كما أن سماح الحزب للمرشحين من النساء والحديث لجمهور الناخبين سواء من خلال قناته على اليوتيوب أو في المؤتمرات الانتخابية – وهو ما يعد مخالفة لما انتهجه الحزب في الانتخابات البرلمانية السابقة –  وهو أيضاً أمر يعتبر مخالفه صريحة لأدبيات الحزب الفقهية، وقد برر الحزب ذلك لأعضائه بأنه من باب “الضرورات” وموازانة “المصالح والمفاسد” بما يعني أن الحزب لم يُحدث أي مراجعات جادة فيما يتعلق برؤيته لقضية المرأة والأقباط بشكل كلي، بما أظهر الحزب بصورة “انتهازية” لدى قطاع من مؤيديه السابقين والجمهور العادي.

وما أكد هذه الفكرة هو الأغنيتان الذي أنتجهما الحزب لدعايتة الانتخابية، “وضوح وطموح” و”ويّا الناس” إذ غاب العنصر النسائي فيهما وغابت الموسيقى أيضا، في حين ظهرت أسماء بعض المسيحيين كفريق إضاءة بالتتر الختامي، بشكل يوحي بأنها مجرد رسالة مخططة من أجل اظهار الحزب بمظهر المنفتح على الجميع.

وفي تسجيل مسرب “منسوب” لرئيس حزب النور يونس مخيون على قناة أون تي في، حث مخيون أعضاء حزب النور وكتلته الصلبة على المشاركة بكثافة في اليوم الثاني للانتخابات، ودعي إلى استغلال ضعف الاقبال على التصويت لصالح الحزب من أجل حسم الصراع للحزب، وذكر مخيون أنهم لاحظوا النزول المكثف “للنصارى ونساء النصارى” في اليوم الأول، وحث أنصار الحزب على النزول بكثافة وحشد الجميع بكل الوسائل في اليوم الثاني، متمنياً أن يكون هذا اليوم هو “يوم الملحمة.”  إلا أنه حتى وقت النشر لم يعلق الحزب أو رئيسه على مضمون هذا التسجيل المسرب تفسيراً أو نفياً. 

تأسيساً على هذه الأسباب بالإضافة إلى المناخ السياسي والاجتماعي المحيط بالحزب يبدو أن الحزب لن يكون قادراً على تحقيق النتائج التي حققها في عام 2011، فالحزب لا ينافس إلا على قائمتين فقط من واقع 4 قوائم، حيث ينافس في قائمة غرب الدلتا بـ 15 مرشح و 45 مرشح في قائمة القاهرة وجنوب ووسط الدلتا، وينافس الحزب أيضاً على أقل من 50% من مقاعد الفردي، حيث قدم الحزب حوالي 200 مرشح في المرحلتين. ولكن كان الوضع مختلف تماماً في انتخابات 2011، حيث ترشح حزب النور مع تحالف الكتلة الإسلامية على 100% من المقاعد البرلمان آنذاك.

ختاما  منذ الثالث من يوليو 2013 وحزب  النور يتبني النهج البراجماتي باعتباره تكتيك سياسي، حيث استمر الحزب في تقديم التنازلات السياسية، في مقابل التحرك بحرية في المجال السياسي المصري، والحصول على مكاسب سياسية، وعلى الرغم من هذه التنازلات تشير النتائج الأولية للمرحلة الأولى من الانتخابات التشريعية إلى خسارة كبيرة مني بها الحزب، خاصة في مناطق نفوذه التقليدية، حتى أن هناك تقارير تشير إلى احتمالات انسحاب الحزب من الانتخابات، بسبب الظلم وحملات التشوية التي تعرضوا لها كما اكد ياسر برهامي، ففي غرب الدلتا تشير النتائج الأولية إلى خسارة قائمة الحزب لصالح قائمة “في حب مصر”، ومن بين 160 مرشح فردي تشير أكثر التقارير تفاؤلاً إلى وجود 24 مرشح فقط من حزب النور في جولة الإعادة، وقبل ساعات كتب صلاح عبد المقصود على صفحته على الفيسبوك “يا شباب النور : ﻻ تنزعجوا ، فالله عنده الخير (ﻻ تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا).

Read it in English

عبد الرحمن يوسف

صحفي مستقل يركّز على القضايا المتعلقة بشؤون التيارات الدينية والشؤون السياسية.