ثلاث مشاكل اقتصادية آنية يجب أن يتعامل معها السيسي

هاني ديميان يتحدث أثناء مؤتمر صحفي. (صورة من رويترز، محمد عبد الغني، 12 مارس 2014)

يرث الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اقتصاداً مأزوماً، فقد تدهورت جميع مؤشرات الاقتصاد المصري الكلية منذ الانتفاضة التي أطاحت بحسني مبارك في شهر يناير من عام 2011، وعلى مدار الأعوام الثلاثة الماضية دار معدل النمو الاقتصادي حول متوسط 2% سنوياً، وتضاعف معدل التضخم وارتفعت نسبة البطالة من 9% إلى ما يزيد عن الـ 13%، وارتفع معدل تضخم الميزانية من 8.3% نسبة إلى الناتج المحلي الاجمالي إلى ما يزيد على 14%،  إضافة إلى ذلك فمع تراجع إيرادات السياحة وهروب المستثمرين تراجعت عوائد البلاد الدولية من ما يزيد عن 35 مليار دولار في نهاية عام 2010 إلى 15 مليار دولار في عام 2013.

وأهم من ذلك فإن الانتفاضة قد أظهرت بصورة صارخة أهم الآثار السلبية التي عانى منها الاقتصاد، هذه الآثار التي تم تجاوزها خلال الفترة التي سبقت الانتفاضة عن طريق أداء أفضل لمؤشرات الاقتصاد الكلي في أخر خمس سنوات من نظام حكم مبارك، هذه الآثار تتضمن المعدلات المرتفعة لبطالة الشباب، والتي تقدر بضعف المعدلات الاجمالية المعلنة، والفساد المستشري على نطاق واسع ورأسمالية المحاسيب، وتزايد معدلات عدم المساواة في الدخل والثروة، ونمو الاقتصاد غير الرسمي والذي يقدر حجمه بنصف حجم الاقتصاد الرسمي وتزايد معدلات الفقر، إن هذه المظالم الاقتصادية كانت عاملاً حاسماً في الانتفاضة، وسوف تستمر هذه المظالم في التفاقم إلى أن تتم مواجهتها.

وبناءً على ذلك تواجه حكومة السيسي الجديدة مهمة شاقة متعلقة بتحويل مسار مؤشرات الاقتصاد الكلية، والقيام بتنفيذ سياسات تهدف إلى تصحيح المشاكل البنيوية المتجذرة التي تواجهها مصر، وهذا الأمر يتطلب في البداية رؤية لنوع النموذج الاقتصادي الذي يجب أن تتبناه مصر، هل يحب أن تتبع مصر نموذج اقتصاد السوق أم نموذج الاقتصاد الذي تديره وتسيطر عليه الدولة؟ ويجب على الحكومة أن تطور وتنفذ استراتيجية لوضع هذه الرؤية موضع التنفيذ. 

إن السيسي لم يقم بصياغة رؤية طويلة المدى لمستقبل الاقتصاد المصري أو حتى يعلن عن خططه للتحرك نحو هذا الهدف – ولكن هناك تقارير تشير إلى أنه يقوم بفحص ميزانية 2014-2015،  إلا أن هناك بعض المؤشرات التي يمكن استخلاصها من المقابلات التي أجراها والخطابات التي ألقاها في أثناء الحملة الانتخابية، فقد  تحدث على ما يراه أنها هى التحديات الاقتصادية الرئيسية التي تواجه مصر – معدل بطالة الشباب الكبير والاعتماد على المساعدات الأجنبية ومعدلات الفقر المرتفعة والتفاوتات الكبيرة في الدخل – وعرض السيسي خليط من السياسات الشعبوية وسياسات السوق الحر التقليدية، إلا أنه لم يعرض الكثير من التفاصيل التي يمكن أن تساعد في مواجهة هذه التحديات.

إن خطة شاملة وطويلة المدى اعتماداً على النموذج الاقتصادي المختار من المحتمل أن تظهر حينما يتم اختيار الحكومة الجديدة والفريق الاقتصادي، ويجب ألا يستغرق هذا الأمر طويلاً حيث أن الاصلاحات الاقتصادية التي تحتاجها مصر وكيف يجب تنفيذها هى أمور معروفة، وارتباطاً بهذا الأمر فإن هذه الاصلاحات سوف تستغرق بعض الوقت حتى يظهر تأثيرها، حتى أن السيسي نفسه قد اعترف بهذا الأمر حيث قال “يمكن لجيل أو جيلين ألا يحصدوا منافع الاصلاح، ولكن هذا الأمر مهم لكي يمكن للأخرين أن يعيشوا.”

إلا أن هناك ثلاث مشاكل اقتصادية رئيسية يجب على حكومة السيسي أن تتحرك لمواجهتها: الطاقة والمالية العامة والتمويل الخارجي.

تزايد امدادات الطاقة

تشهد مصر أزمة خطيرة في مجال الطاقة والتي نتج عنها النقص الكبير في الكهرباء عبر البلاد وانقطاعها المتكرر، ومن المتوقع أن يزيد هذا النقص خلال شهور الصيف، وفي حين يتم التركيز بصورة كبيرة على الصعوبات التي يُحدثها هذا الانقطاع بالنسبة للأسر فإن نقص الكهرباء أيضا يسبب تأثيرات شديدة السلبية على الصناعة، والتي تعمل بمعدل حالي يدور حول نسبة 60%-70% من قدرتها الحقيقية، وقد نتج عن هذا الأمر انخفاض ملحوظ في الانتاج الصناعي والتشغيل.

إن السبب المباشر في أزمة الطاقة في مصر هو نقص المدخلات، تنتج محطات توليد الكهرباء في مصر ما يعادل 24700 ميجاوات بينما يبلغ معدل الاستهلاك حوالي 13000 ميجاوات، تقوم مصر بتوليد الكهرباء بصورة رئيسية عن طريق استخدام الغاز والبترول، ولكن عدم قدرة الدولة على دفع ثمن هذه المدخلات يقود إلى انقطاع الامدادات، الأمر الذي يترتب عليه تناقص في معدل توليد الكهرباء، ونتيجة لذلك فإن الحل ليس إضافة محطات لتوليد الطاقة ولكن التأكد من أن مدخلات الغاز والبترول متاحة للاستخدام في محطات التوليد القائمة، وأهم السياسات التي يمكن اتباعها في هذا الشأن يمكن أن تكون:

العمل على استقرار المالية العامة    

على مدار الثلاث سنوات الماضية انخفضت العوائد الحكومية بنسبة 2% من الناتج المحلي الاجمالي، بينما زاد الانفاق الحكومي بنسبة تقارب الـ 4% من الناتج المحلي الاجمالي، ومع زيادة عجز الموازنة العامة إلى حوالي 14% من الناتج المحلي الاجمالي فقد ارتفع الدين الحكومي إلى حوالي 90% من الناتج المحلي الاجمالي بعدما كان 73% في عام 2010، ويبدو هذا الأمر بوضوح أنه غير مستدام على الاطلاق، وعلى الحكومة أن تتحرك بقوة من أجل عكس هذه الاتجاهات غير المواتية في مجال المالية العامة، وهي حقيقة تم الاعتراف بها من جانب حملة السيسي الانتخابية، والتي دعت إلى خفض عجز الموازنة العامة إلى 8.5% خلال الثلاث أعوام القادمة.

السؤال الأهم الآن سوف يكون كيف يمكن أن يتم تحسين العجز المالي بدون خلق أي ضغوط سلبية على النمو، الاجابة البسيطة هي أن الدولة يجب أن تخلق حيزاً مالياً من أجل السماح تنفيذ السياسات التوسعية، والتي هي هامة للغاية من أجل توليد النمو وخلق الوظائف على المدى القصير، كيف يمكن عمل هذا الأمر؟

جذب التمويل الخارجي

مع انخفاض التوقعات على المدى القريب بحدوث طفرة في قطاع السياحة وتدفقات رأس المال الخاص فإن مصر في حاجة إلى دعم خارجي كبير من أجل سد الفجوة المالية التي ستتراوح بين 16-20 مليار دولار في السنة المالية القادمة.

وأكثر من ذلك ستكون هناك حاجة إلى مزيد من التمويل الخارجي للدولة من أجل الحصول على واردات البترول والغاز حتى يتم التخفيف من أزمة الطاقة وأيضاً لدعم الحوافز المالية، في عام 2013 وبعد سقوط حكومة مرسي بوقت قصير أعلنت كل من الكويت والمملكة العربية السعودية والامارات العربية المتحدة حزمة من المساعدات تقدر بـ 12 مليار دولار من أجل تخفيف الضغوط على موقف مصر الخارجي ومن أجل تمويل الخطط الحكومية للاستثمار في البنية التحتية ودعم الصناعة وزيادة الرواتب، وبسبب هذا الأمر استطاعت مصر تجنب أزمة النقد الأجنبي الخطيرة واحتمالية الانهيار الكامل للاقتصاد، كما أن هذه المساعدات مكنت حكومة حازم الببلاوي السابقة في عام 2013 من إطلاق حزمتي حوافز مالية بلغت قيمتهما 8.6 مليار دولار، سوف يكون على حكومة السيسي أن تعمل على توفير تمويل خارجي كبير على مدار فترة من العامين إلى الثلاثة أعوام القادمة، وبعض الطرق لعمل هذا الأمر يمكن أن يكون من خلال:

  • السعي إلى مزيد من المساعدات من دول الخليج العربي بنفس تلك القيمة التي حصلت عليها مصر في عام 2013، ويجب أن يتم توجيه هذا التمويل إلى دعم الموازنة والمشروعات التي أشار إليها السيسي باعتبارها هامة بالنسبة لمستقبل مصر، من قبيل البنية التحتية والاسكان والتوظيف.
  • التفاوض على برنامج تمويل مع صندوق النقد الدولي، هذا البرنامج قد يوفر لمصر حوالي 5-6 مليار دولار بشروط مقبولة من جانب صندوق النقد الدولي، أيضا يمكن لمصر أن تحصل على تمويل من مصادر التمويل التقليدية مثل الاتحاد الأوروبي وغيرها من مؤسسات التمويل الدولية، والتي تجعل دعمها مشروطاً على تنفيذ برنامج تمويل مع صندوق النقد الدولي.
  • تعويم السندات في أسواق رأس المال الدولية والتي تتضمن سيولة مالية كبيرة، هذا الأمر يمكن بسهولة أن يولد 2-3 مليار دولار طبقا لشروط مقبولة نسبيا.

إن الاصلاحات الاقتصادية الرئيسية ضرورية للغاية لو أرادت مصر أن تولد مستوى عالِ من النمو المستدام، والذي سيساهم في خلق وظائف كافية من أجل امتصاص المنضمين الجدد لسوق العمل، إن هذا الاصلاحات سوف تستغرق وقتاً حتى تؤتي ثمارها، في تفس الوقت فإن من الضروري للحكومة أن تُظهر أن الاقتصاد يحقق طفرة، إذا استطاعت الحكومة أن تحقق تقدم كافي في مجالات الطاقة والمالية العامة والتمويل الخارجي فإن من المحتمل أن يعطي الجمهور المصري للحكومة الوقت اللازم من أجل تنفيذ الاصلاحات الاقتصادية طويلة المدى، فالنجاح الاقتصادي قصير المدى يمكن أن يؤدي إلى نجاح على المدى الطويل، أما الفشل يمكن أن يؤدي إلى مشاكل سياسية رئيسية لمصر في نهاية المطاف.

Read It In English

محسن خان

هو كبير باحثين غير مقيم مع مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، حيث تركز اهتماماته البحثية على الأبعاد الاقتصادية لعمليات التحول في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.